حماتي و عادتها الغريبة
حماتي كانت بتلحس معلقة الأكل وترجع تغمسها في الحلة اللي بناكل منها كلنا، ولما كنت بعترض، كانت تتهمني إني موسوسة وبخاف من الجراثيم زيادة عن اللزوم!
لكن اللي حصل يوم ما عملت نفس الحركة وهي عيانة وبتكح طول اليوم، كان أبعد بكتير من مجرد خناقة بيني وبينها لأن جوزي، اللي طول عمره بيهرب من أي مواجهة معاها، قرر المرة دي يديها درس خلّاها تندم على كل مرة استهزأت فيها بكلامي!
الحكاية بدأت لما حماتي باعت بيتها، وطلبت تقعد عندنا ست أسابيع، لحد ما شقتها الجديدة تجهز.
وافقت من غير تردد، وقلت لنفسي إن دي أمي التانية، وإن كام أسبوع هيعدّوا على خير.
بس بعد تالت يوم، اكتشفت إني كنت غلطانة!
دخلت المطبخ بالصدفة، فلقيتها فاتحة علبة سلطة البطاطس، وبتاكل منها بالمعلقة، تلحسها وترجعها تاني في العلبة!
حاولت أتكلم معاها بذوق وقلت
يا حماتي، معلش، ممكن تاخدي في طبق بدل ما ترجعي المعلقة في الأكل؟
بصتلي باستنكار، وضحكت بسخرية
هو إنتِ شايفاني بحط سم في الأكل؟ ده إحنا عيلة واحدة!
ومن ساعتها، بقت تعمل كده في كل حاجة تقريبًا؛ الشوربة، والمكرونة، والبطاطس المهروسة حتى علبة الزبادي بتاعة ابني اللي عنده أربع سنين، ما سلمتش منها!
ولما طلبت منها تبطل، بصتلي وقالت
إنتِ كده هتربي الواد على الخوف من كل حاجة! دي شوية ميكروبات، مش آخر الدنيا!
كنت كل مرة أشتكي لجوزي، كان يطلب منها بهدوء تستخدم معلقة نضيفة، لكنها كانت بتتجاهله وكأنها بتتحدانا إحنا الاتنين.
لحد ما جه اليوم اللي حماتي فيه تعبت، وفضلت تكح وتعطس بقالها يومين، ومع ذلك كانت مصممة إنها مجرد نزلة برد بسيطة.
في الصبح، عملت حلة شوربة فراخ مخصوص لابني، وقلت لها بوضوح
يا حماتي، الشوربة دي للواد، ولو عايزة منها خدي بالكبشة وحطي في طبق، بس أرجوكي ما تحطيش معلقتك فيها.
ردت بضيق
حاضر يا بنتي، حاضر!
لكن بعد عشر دقايق، دخلت المطبخ وشفت بعيني اللي كنت خايفة منه!
كانت واقفة قدام الحلة، وبتلحس معلقة التقديم الكبيرة، وبعدها غمستها في الشوربة وفضلت تقلب بيها، وهي لسه بتكح!
صرخت فيها
إنتِ بتعملي إيه يا حماتي؟! إنتِ عيانة، ودي شوربة ابني!
بصتلي بعناد وقالت
بطلي مبالغة! العيال لازم تتعرض للميكروبات عشان مناعتهم تقوى!
وقبل ما أرد عليها، جوزي دخل المطبخ، وشاف المعلقة في إيدها، والشوربة اللي كنت عاملاها لابنه.
الغريب إنه المرة دي ما حاولش يهدّي الموقف، ولا طلب مني أسكت عشان خاطر أمه.
بص لها بهدوء وقال
يا أمي، يعني إنتِ فعلًا مقتنعة إن مراتي هي اللي مكبرة الموضوع؟
رفعت دقنها بثقة وردت
أيوه طبعًا! دي مش طبيعية، عاملة من حبة ميكروبات مصيبة!
جوزي سكت ثواني، وبعدين قال لها جملة واحدة خلت ابتسامتها تختفي من على وشها
واللي عمله بعدها كان آخر حاجة ممكن أتوقعها من شخص طول عمره بيخاف يزعل أمه!
بصيت لجوزي وأنا مستنية أشوف هيعمل إيه، خصوصًا إن دي أول مرة أشوفه واقف قدام أمه بالشكل ده.
حماتي كانت لسه ماسكة المعلقة في إيدها، وباصة له باستغراب، كأنها مش مصدقة إنه بيسألها إذا كانت شايفة إن مراته هي اللي مكبرة الموضوع.
قالت له بنبرة مستنكرة
إنت كمان هتقف في صف مراتك عليّا؟! أنا أمك يا أحمد! أنا اللي ربيتك وشيلتك على إيدي، وفي الآخر تيجي تحاسبني على معلقة شوربة؟!
أحمد ما ردش على طول.
بص للحلة، وبعدها بص لابننا الصغير اللي كان واقف عند باب المطبخ، مستني yaخد طبقه من الشوربة اللي بيحبها.
وبعدين رجع بص لأمه وقال
يا أمي، أنا مش بحاسبك على معلقة شوربة. أنا بتكلم عن حاجة طلبناها منك أكتر من مرة، وإنتِ كل مرة بتتجاهلي كلامنا، وكأننا مالناش حق نحدد إيه اللي يدخل أكل ابننا وإيه اللي ما يدخلش.
حماتي شهقت وحطت إيدها على صدرها
يا نهار أبيض! هو أنا بقيت غريبة في بيت ابني؟! ده أنا حتى مش عارفة آكل لقمة على راحتي!
كنت عارفة إنها هتحوّل الموضوع بالشكل ده. كل مرة بنحاول نتكلم معاها في تصرف بيضايقنا، كانت بتقلب الحكاية علينا، وتطلع نفسها الضحية اللي محدش بيحبها.
لكن المرة دي أحمد ما اتراجعش.
قال لها بهدوء
إنتِ حرة تاكلي براحتك، بس مش من نفس المعلقة اللي هترجع للأكل اللي كلنا هناكل منه. وخصوصًا إنك عيانة، وإحنا مش عارفين إذا كانت نزلة برد عادية ولا لأ.
ردت بعصبية
يعني إنت شايفني معدية؟!
قال
أنا مش دكتور عشان أشخّصك، لكن الكحة والعطس كفاية إننا ناخد احتياطنا، مش إننا نخلط الأكل ببعضه.
وبعدين مد إيده، وأخد منها المعلقة، وحطها في الحوض.
أنا كنت واقفة مكاني مش مصدقة. أحمد اللي طول عمره بيقول لي معلش يا حبيبتي، استحملي عشان دي أمي، هو نفسه اللي بيحط حدود واضحة لأول مرة.
لكن المفاجأة الحقيقية كانت لسه جاية.
أحمد مسك الحلة من إيدي، وحط غطاها، وبعدين قال لي
يا حبيبي، متقدميش الشوربة دي للواد. هنعمل له واحدة جديدة.
حماتي فتحت عينيها وقالت
إنت بتعمل إيه؟! دي حلة شوربة كاملة! يعني هنرمي الأكل عشان معلقة؟!
رد عليها
آه، مش هنقدّمها للواد. ومش هنرميها في الزبالة، هنشوف طريقة مناسبة نتعامل بيها معاها، لكن مش هنجازف بصحة طفل عشان نوفر حلة شوربة.
وبعدين طلب مني أطلع بابننا من المطبخ، وراح غسل إيده كويس، وبدأ يجهز له أكل تاني.
خرجت وأنا