ثمن ليله واحده.. حكايات منــال عـلـي
ثمن ليلة واحدة.. حكايات منال علي
بصوا بقى... إحنا رسمنا شكل الفرح تقريبًا. هيبقى فيه حوالي مية واحد. وعايزين الفرح يتعمل في مكان حلو على النيل. بخيم شيك كده، والزفة تبقى في الهوا. ولازم بوابة ورد طبيعي كبيرة... ده حلمي من زمان! وكمان عايزين مذيع معروف يقدم الفرح، وفرقة موسيقى جامدة. والديكور كله يبقى دهبي في بيج كده... حاجة شيك آخر حاجة.
منة خدت نفس طويل وهي بتقفل ملف الحسابات الجديد، وفركت عينيها من التعب لعلها تطرد زغللة عينيها.
المكتب كان فاضي تقريبًا، ونور شاشة الكمبيوتر هو الحاجة الحيدة اللي منورة العتمة.
قدامها كانت الفواتير والعقود متكومة ومتستفة فوق بعضها بنظام.
منة كانت شغالة محاسبة أولى في شركة كبيرة لتنظيم الأفراح والحفلات في التجمع.
الناس كانت بتدخل الشركة دي وهي بتحلم بفرح زي اللي بيشوفوه في التلفزيون والمسلسلات.
أما منة... فكانت شايفة كل الأحلام دي عبارة عن أرقام وحسابات وبس.
عارفة الورد ده بيتكلف كام.
والكوشة دي بتسحب كام من الجيب.
والضحكة اللي الناس بتدفع دم قلبها عشانها بتكلف كام في الليلة.
الصبح بس كانت محولة أكتر من ميتين ألف جنيه حق ورد فرح واحد... ورد هيدبل ويترمى في الزبالة بعد يومين بالظبط!
قفلت الكمبيوتر وقامت لمت حاجتها.
النهارده خلاص خلص، ولازم ترجع لشقتها... شقتها اللي لسه بتشطب فيها بقالها سنتين وطلعان عينها هي وجوزها فيها.
أول ما فتحت الباب، ريحة التنر النفاذة ضربت في مناخيرها.
منة؟ وصلتي يا حبيبتي؟
صوت أحمد جه من جوة الصالة الفاضية.
وخدي بالك وإنتِ داخلة... أنا مفرش جرايد على الأرض كلها.
دخلت براحة وهي بتضحك.
أحمد كان قاعد على ركبه في الأرض ومركز ومغلول مع بقعة لزق مش راضية تطلع من السيراميك.
إيه؟ استسلمت؟
بص لها وهو متضايق ومسح جبينه
اللزق ده طلع ابن لذينة، جربت معاه كل حاجة ولسه معلم مكانه ومش عايز يطلع.
قعدت جنبه على الأرض من غير ما تهتم بالتراب، وريحت على كتفه بحنية
بسيطة... دي مش أول مصيبة نصلحها سوا في الشقة دي.
وشه نور فجأة وسألها
صحيح، عملتِ حسابات الحيطة الجديدة؟
ابتسمت برضا
آه، محتاجين حوالي أربعمية طوبة، ولسه ماشيين بالمليم على قد الميزانية اللي معانا.
اتنهد بارتياح
حلو أوي.
الشقة دي كانت حلم عمرهم، اشتروها بقرض بنكي بياكل نص المرتب، وكانوا كل يوم يرجعوا من ههد الشغل يكملوا فيها حاجة جديدة بإيديهم عشان يوفروا حق الصنايعية.
فجأة موبايل أحمد رن، بص للشاشة وملامحه اتقلبت
يا ساتر يارب... أمي!
منة نفخت بضيق
رد وشوف وراها إيه.
أيوة يا ماما، سلامتك.
صوت الحاجة دولت خرج من السماعة حاد وعالي كأنه ميكروفون جامع
السبت عايزاكم عندي في البيت الساعة تلاتة بالدقيقة!
خير يا ماما؟ في حاجة؟
مصطفى اتقدم لندى وقروا الفاتحة! وعاملة ذكر بط ومحشي.. كلكم تيجوا ومفيش أعذار.
وراحت قفلت السكة في وشه.
بص أحمد لمراته بوجوم
اجتماع عائلي رسمي وبأمر عسكري.
منة ضحكت بتهكم
بط ومحشي؟ يبقى الموضوع وراه مصيبة كبيرة فعلًا.. بس استنى هنا، هو مصطفى هيتجوز بإيه أصلًا؟ مش من كام شهر ساب شغله لأن المدير مش مقدر عبقريته ومقضيها قعدة على القهوة؟
ضحك أحمد بغلب
يمكن ربنا كرمه ولقى شغل.
أو يمكن ندى هي اللي هتصرف عليه.. عمومًا نروح نبارك ونجيب هدية بسيطة وخلاص.
ماكانوش يعرفوا إن اللي مستنيهم هناك هيبقى صدمة عمرهم اللي مش هيفوقوا منها.
السبت وصلوا بيت الحاجة دولت، وكانت ريحة التقلية والمحشي مالية السلم، والحاجة دولت بتتحرك في الصالة يمين وشمال كأنها قائد جيش بيوزع المهام.
على الكنبة الكبيرة كان قاعد مصطفى، لابس على السنجة وعامل فيها نجم سينما وراسم الضحكة على وشه، وجنبه ندى... بنت جميلة جدًا مفيش كلام، بس من أول بصة تحس إن عينيها بتلف في المكان وبتقيم كل حاجة حواليها بالسعر.
أهو الكبار وصلوا.
قالها مصطفى وهو ممدد رجله بكسل
اتفضلوا ارتاحوا.
ندى رفعت إيديها لفوق بحركة ملوية عشان توري الكل شبكتها والدبلة وهي بتبرق.
ألف مبروك يا جماعة.
قالها أحمد بفرحة صافية من قلبه، وكمل
الفرح إمتى بقا؟
في أغسطس إن شاء الله.
قالتها الحاجة دولت وهي بتحط صواني الأكل بتهبيد على الترابيزة
يلا سموا الله وكلوا قبل الأكل ما يبرد.
الأكل خلص، والكلام العادي خلص، وفجأة الحاجة دولت شبكت صوابعها في بعض واعتدلت في قعدتها وبصت لمنة وأحمد بصة ليزر.
البصة دي منة كانت حافظاها وعارفاها كويس، بصة معناها استعدوا للمصيبة اللي جاية فوق دماغكم.
نيجي بقى للمهم.
قالتها الحاجة دولت بنبرة حاسمة مفيهاش فصال
مصطفى وندى لسه في أول حياتهم وبيقولوا يا هادي، ولازم الفرح يطلع يشرّف العيلة قدام الناس. ندى بنت ناس ومستواهم عالي، ومينفعش نطلع شكلنا عرة ووحش قدام أهلها.
هز أحمد راسه بححسن نية
أكيد طبعًا يا أمي، هنساعد باللي نقدر عليه.. لو محتاجين عربيتي ننقل بيها حاجات، أو محتاجين ننزل معاه نشتري الأجهزة...
قاطعته الحاجة دولت بابتسامة باردة مستفزة
لا لا... مش ده المقصود خالص يا حبيبي.
سكتت ثانية واحدة، حطت فيها حرق الدم كله، وبعدين قالت بمنتهى البساطة والبرود
إحنا قررنا إنكم أنتم الاتنين تتكفلوا بمصاريف الفرح كله من مجاميعه.
الصالة سكتت فجأة، صمت تقيل لدرجة إنهم سمعوا صوت دقات الساعة. منة حست بطنين في ودنها وكأن الدم هرب من عروقها، وافتكرت نفسها سمعت غلط
نعم؟! يعني إيه نتكفل بالفرح كله؟
الحاجة دولت استغربت