حماتي عندها حساسية شديدة
حماتي عندها حساسية شديدة من حاجات معينة، وتحديداً الحاجات اللي أكون أنا شرياها وعيزاها، الحساسية دي مبتظهرش إلا لما أنا أجيب الحاجة، يعني لو ابنها جاب زيها بتاكلها عادي. كنت فاكرة الموضوع هياخد فترة ونخلص، لكن بقى يزيد أكتر وأكتر لحد ما عرفت أعالجلها حساسيتها بطريقتي!
من وقت ما حماتي تعبت وجوزي قرر يجيبها تعيش معانا وهيه مجنناني، أي حاجة أجيبها البيت تصرخ وتقول إن عندها حساسية، رغم إن لو ابنها جاب نفس الحاجة مبترفضهاش. يعني نفس كيلو البرتقال، لو أنا اللي شيلته وجايباه البيت، تقف على بعد خطوتين منه، وتبتدي تصرخ وتسند صدرها وتقول ألحقني يا حبيبي.. حشرجة في زوري وجلدي بيحرقني ومش قادرة أتنفس! لكن لو ابنها هو اللي جايبه؟ تقعد قدام التلفزيون تنزل في البرتقال واحدة ورا الثانية، وتاكل وتهني وتقول يا سيدي على السكر! الله يباركلك يا ابني. ملايات السرير نفس الكلام. أجيب أنا الملاية وأفرشها، تنام ليلة واحدة وتقوم تقول جسمي كله اتملى بقع وحكة. يجي جوزي يشيلها ويفرشها هو بنفسه، تنام نومة أهل الكهف! في مرة ما قدرتش أمسك نفسي وسألتها في وشها يا طنط، لو حضرتك مش طايقاني قوليهالي على بلاطة، بلاش الشغل ده! هي كلمة واحدة من هنا، ولقيت نعيمة حماتي شايطة، وقعدت تبكي لابنها وتتمسكن، وهو فضل يزعق ويقولي مش قادرة تستحمليها؟ دي ست كبيرة وعيانة! سكت واستحملت مرة ورا مرة. لحد اليوم اللي بابا وماما سافروا فيه وسابولي سمسم عشان أخد بالي منه كام يوم. سمسم ده قطتي اللي متربية في حضني بقالها عشر سنين. أول ما حماتي شافت القط من هنا، مسكت رقبتها وقعدت تصوت وتقول إن عندها حساسية من شعر القط وبتموت! في نفس الليلة... جوزي سرب القط في الشارع من غير علمي وخسرناه معرفناش نرجعه. والمصيبة بقى، إن بعديها بفترة قليلة، لقتها حاضنة قطة شوارع بلدي كان جوزي سامح جايبها من الشارع، وقاعدة تطبطب عليها وتضحك ولا كأنها الست اللي كانت بتموت من شعر القطط! يومها أنا اتجننت. صرخت، وبكيت، وحاسبتهم... وفجأة، طلعت أنا الشريرة والمفترية! قالوا إني بتبلى على ست كبيرة وبضايقها عشان خاطر قطة! وحتى سامح جوزي وقف مع أمه ضدي. وبعدها بكام شهر... طلقني. عشت سنين زعلانة على قطتي لأني خسرتها من غير سبب.
بعدها بكام يوم كنت راجعة تعبانة من الشغل وفي إيدي كام كيلو برتقال... أول ما فتحت باب الشقة، سمعت صوتها جاي من الصالة شيلي البتاع ده من هنا! شيلي القرف ده بره فوراً! كانت نايمة نص نومة على الكنبة، إيد ضاغطة بيها على صدرها والإيد الثانية بتترعش وتشاور بيها على شنطة البرتقال اللي حطاها جنب الباب مش قادرة أشم الريحة! هتخنق يا سامح! سامح كان قاعد على ركبه جنبها، عمال يطبطب على ضهرها ويقول اهدي ياما.. اهدي وخذي نفسك بالراحة. أول ما شافني مخرجتش الكيس ولا رديت حتى، بصلي بغضب وقاللي جرى إيه يا نيرة؟ هو أنتِ متعرفيش تسألي قبل ما تجيبي حاجة البيت؟ أنتِ عارفة إن أمي جسمها حساس وبيتحسس من أقل حاجة، ولا بتنسي؟ وقفت عند الباب ومردتش. أنا عارفة الحوارات دي كويس جداً... في الأول كنت أجري وأخبي الشنطة أو أرميها، وكانت شنطة البرتقال بداية الشريط. بعدها جه الورد... وبعدها السجاد... وملايات السرير... وحتى كريمات وشي! أي حاجة أنا أشتريها وأدخلها البيت، حماتي تطلعلي فيها ألف عيب وعيب وتقول عندي حساسية منها! المرادي... مش هعمل اللي هيه عايزاه ولا حتى هجادل. مش هحاول أكشفها ولا أثبت إنها كدابة. مش هي بتحب التمثيل؟ تمام. أنا هبني لها مسرح مخصوص تمثل عليه... وبس رجليها تطلع المسرح ده، مش هسيبها تنزل منه أبداً. أنا عارفة إزاي هعالج حساسيتها، واللي عملته صدمها صدمة عمرها وخلاها تقفل الأسطوانة دي للأبد!
رجعت بصيت لشنطة البرتقال اللي في إيدي وبعدين بصيت لحماتي وهي ماسكة صدرها وبتتنفس بصعوبة مصطنعة. سامح قام بسرعة وقال نيرة شيلي البرتقال ده من هنا قبل ما أمي يحصلها حاجة. حطيت الشنطة على الأرض بهدوء وقولت حاضر. سامح اتفاجئ من هدوئي وقال حاضر إيه؟ شيليه بره. بصيت له وابتسمت ابتسامة صغيرة هشيله. ودخلت المطبخ. سمعت حماتي بتهمس لسامح شايف؟ هي مش فارق معاها إني بموت. سامح رد عليها معلش يا أمي أنا هتصرف. وقفت جوه المطبخ وفضلت سامعة كلامهم، بس المرة دي ما كنتش ببكي ولا كنت متضايقة، أنا كنت بفكر. طول السنين اللي فاتت كنت بحاول أثبت إنها بتكدب أجيب برتقال وهي تقول حساسية، أجيب ورد تقول حساسية، أجيب ملاية تقول حساسية، أشتري كريم تقول حساسية، حتى القط بتاعي قالت حساسية! لكن لما الحاجة تيجي من سامح مفيش حساسية ولا يحزنون. وقتها فهمت إن المشكلة عمرها ما كانت في البرتقال، ولا في الورد، ولا في الملايات، ولا حتى في شعر القطط... المشكلة كانت فيا أنا. هي كانت عايزة كل حاجة تدخل البيت عن طريقي تتحول لحاجة ممنوعة، وكل مرة كنت بتراجع، لحد ما خسرت أكتر حاجة كنت بحبها سمسم. دموعي نزلت غصب عني لما افتكرته، عشر سنين كان معايا، كان بينام جنب رجلي، ويستناني عند باب الشقة، وكان أول حاجة أشوفها لما أرجع من الشغل. وفي ليلة واحدة خرج من البيت بسبب كذبة وما رجعش. واللي كسر قلبي أكتر إن سامح وقتها صدق أمه من غير ما حتى يسمعني، وبعدها بشهور حصل الطلاق، وقلت لنفسي خلاص، هبدأ حياة جديدة، لكن واضح إن ربنا كان مخبيلي الحقيقة لوقت مناسب.
رجعت من المطبخ وأنا شايلة طبق صغير وحطيته قدام حماتي. بصت له باستغراب إيه ده؟ قولت برتقال. شهقت إنتي عايزة تقتليني؟ سامح قام نيرة! رفعت إيدي اهدى يا سامح. وبصيت لحماتي أنا مش هقولك كلي. قالت أمال جايباه ليه؟ قولت بهدوء عشان أساعدك. ضحكت بسخرية تساعديني إزاي؟ قربت منها وقولت أنا عرفت علاج الحساسية بتاعتك. سكتت. سامح بصلي إيه اللي بتقوليه؟ ابتسمت متقلقش يا سامح. حماتي بلعت ريقها وقالت علاج إيه؟ قولت علاج بسيط جداً. وقفت قدامها وقلت من النهارده أي حاجة تقولِي إنها بتسببلك حساسية... مش هتدخل البيت خالص. ابتسمت بانتصار أهو كده الكلام. كملت بس في المقابل أي حاجة إنتِ بتقولي إنها بتسببلك حساسية هتتسجل. سامح عقد حواجبه تتسجل ليه؟ قولت عشان الدكتور. حماتي اتوترت دكتور إيه؟ قولت دكتور حساسية. سامح قال مفيش داعي للدكتور. بصيت له ليه؟ مش أمي عندها حساسية شديدة؟ سكت. كملت يبقى لازم نعرف بتتحسس من إيه بالضبط. حماتي قالت بسرعة أنا عارفة أنا عندي حساسية من إيه. قولت ممتاز. وسحبت ورقة وقلم من فوق الترابيزة قوليلي بقى. بصت للورقة إيه؟ الحاجات اللي بتسببلك الحساسية. قالت البرتقال. كتبت البرتقال. الورد. كتبت الورد. التراب. كتبت التراب. بعض أنواع الكريمات. كتبت بعض أنواع الكريمات. وبعدين قالت وشعر الحيوانات. إيدي وقفت وبصيت لها كل الحيوانات؟ قالت القطط خصوصاً. كتبت القطط. وقلت تمام. سامح كان ساكت ومش فاهم أنا بعمل إيه. قلت له من النهارده يا سامح أي حاجة من دول مش هتدخل البيت إلا لما نكون متأكدين إنها آمنة. قال تمام. بصيت لحماتي ومش هتضطري تمثلي إنك تعبانة. وشها اتغير. سامح قال نيرة! ضحكت أنا بهزر. لكن حماتي كانت عارفة إني مش بهزر.
وفي اليوم اللي بعده حصل أول موقف. سامح رجع البيت ومعاه كيس كبير، دخل وهو بيضحك بصي يا أمي جبتلك حاجة بتحبيها. حماتي قامت من مكانها، وأنا خرجت من المطبخ بصيت للكيس، كان مليان برتقال. حماتي أول ما شافته قالت يا حبيبي الله يباركلك. ومدت إيدها تاخد واحدة. أنا ما قلتش حاجة. سامح ابتسم كلي يا أمي. مدت إيدها ناحية البرتقال، وقبل ما تلمسه قولت استنى. الاتنين بصوا لي. قولت مش ده البرتقال اللي عندك حساسية منه؟ وش حماتي اتقلب. سامح قال هي بتاكل البرتقال اللي أنا بجيبه. قولت عارفة. حماتي قالت أنا قلتلك البرتقال اللي بتجيبيه إنتِ هو اللي بيتعبني. ابتسمت آه. سامح بصلي يعني إيه آه؟ قولت يعني خلاص فهمت. حماتي قالت إنتي مالك؟ قولت ولا حاجة. وقفت وخرجت من الصالة وسبتهم. بعد شوية سمعت سامح بيضحك معاها وهي بتاكل البرتقال، ابتسمت لنفسي وكنت عارفة إن اللعبة لسه بدأت.
بعد أسبوع جبت ورد، دخلت البيت وأنا ماسكة بوكيه ورد كبير. حماتي أول ما شافته صرخت إنتي عايزة تقتليني؟ حطيت الورد على الترابيزة وقلت ليه؟ إنتي عارفة إن الورد بيخنقني! آه صح. وقلت لسامح خليه في أوضة ماما. حماتي شهقت إنتي بتقولي إيه؟ قولت أصل أنا فكرت في حاجة. سامح قال نيرة متستفزيهاش. بصيت له أنا مش بستفزها. وبعدين بصيت لحماتي أنا هعملك أوضة مخصوص. سألتني أوضة إيه؟ قولت أوضة الحساسية. وشها اصفر. سامح ضحك إنتي مجنونة؟ قولت يمكن. لكن حماتي ما ضحكتش، لأنها فهمت قصدي. وبالفعل بدأت أغير طريقة تعاملي معاها؛ كل مرة تقول عندي حساسية من حاجة كنت أقول حاضر، بس بدل ما أرمي الحاجة أو أخبيها كنت بحطها في مكان محدد، وكتبت على ورقة كبيرة الحاجات اللي طنط نعيمة بتقول إنها بتتحسس منها، وتحتها كتبت كل حاجة البرتقال، الورد، نوع معين من المنظفات، كريمات، تراب، شعر القطط، حتى نوع بسكويت كانت رفضته مرة وقالت ريحته بتخنقها. كل حاجة!
وفي مرة سامح دخل البيت ومعاه علبة بسكويت، حماتي أول ما شافتها قالت لا لا دي لأ. سامح قال ليه؟ دي بتعمللي حساسية. بصيت لسامح حطها على القائمة. قال إيه القائمة دي تاني؟ قولت قائمة العلاج. حماتي قامت وقالت أنا مش محتاجة علاج. رديت إنتي اللي قلتي عندك حساسية شديدة. قالت آه. يبقى لازم نعالجها. قالت بعصبية أنا عارفة جسمي أكتر من أي حد. قولت أكيد. وبعدين رجعت المطبخ. لكن اللي ما كانتش تعرفه إن عندي خطة أكبر.
بعد حوالي أسبوعين رجعت من الشغل لقيت سامح قاعد مع أمه، وأول ما دخلت سمعت حماتي بتقول أنا خلاص مش قادرة أعيش هنا. وقفت مكاني. سامح قال ليه يا أمي؟ قالت مراتك قاصدة تتعبني. بصيت لها أنا؟ ردت بسرعة آه إنتي. سامح بصلي عملتي إيه؟ قولت ولا حاجة. حماتي قالت كل يوم تحطلي حاجة من الحاجات اللي بتتعبني قدام عيني. قولت بس أنا مبخليكيش تلمسيها. قالت مجرد وجودها بيخليني أتعب. سامح قام خلاص يا نيرة شيلي كل حاجة. هزيت راسي حاضر. حماتي ابتسمت، وقتها عرفت إن الموضوع مش هينتهي لو فضلت أرد بالطريقة دي، فقلت بس عندي طلب. سامح قال إيه؟ قولت من النهارده أي مرة ماما تقول إنها تعبت بسبب حاجة أنا جبتها... هنروح المستشفى. حماتي شهقت مستشفى؟ قولت آه. سامح قال مش كل حاجة تستاهل مستشفى. رديت لو هي بتقول إنها مش قادرة تتنفس يبقى لازم دكتور. حماتي قالت بسرعة أنا مش محتاجة مستشفى. ابتسمت ليه؟ سكتت. قولت مش إنتي بتختنقي؟ قالت بتخف. قولت يبقى الدكتور يطمن علينا. سامح بص لأمه فعلاً يا أمي. حماتي اتعصبت قلتلكم مش محتاجة!
ومن اليوم ده بدأت حاجتها تقل، الغريب إن الحساسية اللي كانت بتظهر كل يوم تقريباً بدأت تختفي. بقت تسكت، وبقت تاكل البرتقال اللي سامح بيجيبه، وتشرب الشاي اللي أنا بعمله، وتستخدم المناديل اللي أنا بشتريها، لكن أول ما أشتري حاجة جديدة لنفسي كانت ترجع نفس الأسطوانة. مرة اشتريت عطر، أول ما رشيت منه نقطة قالت يا ساتر! وقعدت تكح. بصيت لها وقلت نروح للدكتور؟ بطلت كحة وقالت لا خلاص. ابتسمت تمام.
وفي يوم كنت قاعدة في الصالة براجع ورق شغلي، وسمعت صوت حماتي وهي بتتكلم في التليفون، كانت فاكرة إني مش سامعاها. قالت ما هي لو فضلت هنا هتفضل تجيب حاجات تستفزني. سكتت شوية وبعدين قالت سامح لسه واقف في صفها. وقفت عن الكتابة، قربت من باب الصالة من غير ما تحس، سمعتها بتقول أنا لازم أخلص منها. اتجمدت مكاني. وبعدين قالت جملة خلت الدم ينشف في عروقي أنا عارفة هعمل إيه. قفلت المكالمة ورجعت مكانها. أنا فضلت واقفة ثواني وبعدين دخلت الصالة كأني ما سمعتش حاجة. حماتي بصتلي خلصتي شغل؟ قولت آه. قعدت قدامها وبصيت لها في عينها طنط. قالت نعم؟ قولت هو حضرتك بتحبي سامح قوي؟ استغربت السؤال وقالت ده ابني. قولت يعني ممكن تعملي أي حاجة عشانه؟ قالت طبعاً. ابتسمت حتى لو الحاجة دي هتخليه يخسر مراته؟ وشها اتغير، لكنها تماسكت وقالت إنتي بتقولي كلام غريب. قولت يمكن. وقمت ودخلت أوضتي، قفلت الباب وقعدت على السرير. لأول مرة حسيت إن الموضوع أكبر من مجرد حساسية كدابة، هي كانت بتخطط لحاجة وأنا لازم أعرفها.
وفي نفس الليلة سامح دخل الأوضة وقال نيرة. بصيت له نعم؟ قال ماما عايزة تكلمك. قولت في إيه؟ قال انزلي لها. نزلت الصالة لقيت حماتي قاعدة قدامها ظرف أبيض، وأول ما شافتني قالت تعالي يا نيرة. قعدت، حطت الظرف قدامي وقالت ده الحل اللي هيخلينا نرتاح كلنا. بصيت للظرف إيه ده؟ قالت افتحيه. فتحته، لقيت جواه ورقة مطبوعة، قرأتها مرة واتنين وحسيت إن إيدي بتترعش. بصيت لها وقلت إنتي عملتي