اتجوزت بنت ريفيه

لمحة نيوز

مع إلزامه برد الأموال والتعويضات المستحقة. أما بقية المتورطين، فتمت محاسبتهم كل حسب دوره. والأرض؟ اتلغت عقود الاستحواذ المزورة، ورجعت لعم رجب وأسرته. لكن حسام عمل حاجة ما حدش توقعها. قدام مجلس إدارة الشركة، أعلن إنه هيتنازل عن جزء كبير من أرباح المشروع، ويخصصه لتعويض العمال اللي اتضرروا من التلاعب القديم. وقال الفلوس اللي اتجمعت بالغلط، لازم ترجع لأصحابها. ولأول مرة، آدم شاف أبوه مش كرجل غني. شافه كرجل بيحاول يصلح خطأ عاش معاه سنين.
آدم يتغير بعد انتهاء القضية، آدم ما رجعش لحياته القديمة. باع عربيته الرياضية، وسدد جزءًا من ديون العمال اللي اتضرروا، وبدأ يشتغل في مشروع صغير مع أهل البلد. كان مشروعًا لتجهيز وتعبئة المنتجات الزراعية، بحيث الفلاحين يبيعوا محاصيلهم بسعر عادل. حسام ساعده برأس مال، لكن آدم أصر إنه يدير المشروع بنفسه. في أول يوم، وقف وسط العمال، لابس هدوم بسيطة، وبيحاول يرفع شوال بطاطس. واحد من العمال ضحك يا بيه، إنت لسه ضهرك بيوجعك؟ آدم رد أيوه، بس المرة دي هشتغل بالعقل. سلمى كانت بتتفرج عليه من بعيد. كانت بدأت تستعد للالتحاق بكلية العلاج الطبيعي في جامعة الفيوم. آدم قرب منها. مبروك يا دكتورة المستقبل. لسه بدري. أنا مستني. مستني إيه؟ مستني اليوم اللي أقدر أقول فيه إنك مش بس أنقذتيني من مراد. إنتِ أنقذتيني من نفسي. سلمى ابتسمت. ما تكبرش الموضوع. أنا بتكلم جد. سلمى بصت له شوية. آدم، إنت اتغيرت. بس التغيير الحقيقي مش إنك تبيع عربيتك أو تشتغل في الأرض. التغيير إنك ما ترجعش للشخص اللي كنت عليه لما الدنيا تضيق. آدم هز راسه. عشان كده أنا عايزك تفضلي جنبي. سلمى سكتت. وبعدين قالت جنبي؟ ولا في حياتك؟ آدم ابتسم. في حياتي.
الفرح اللي ما كانش تمثيلية بعد سنة، اتجوز آدم وسلمى. لكن المرة دي، الفرح كان في البلد. ما كانش فيه قاعة فخمة، ولا عربيات فارهة، ولا معازيم جايين عشان يتصوروا. كان فيه فناء واسع، أنوار بسيطة، وأهل البلد كلهم. حسام حضر، وكان واقف جنب عم رجب. نادية كانت بتعيط من الفرحة. وزياد كان بيهزر مع آدم فاكر لما كنت بتقول إن البلد مفيهاش شبكة؟ آدم ضحك. دلوقتي أنا مش عايز أخرج منها. سلمى كانت لابسة فستان بسيط، وشعرها متجمع في ضفيرة. لما دخلت، كل الناس قامت تزغرد. آدم بص لها، وافتكر أول مرة شافها فيها وهي لابسة جلابية قديمة وجزمة مليانة طين. افتكر سؤالها غير إنك بتسوق بسرعة إنت بتعرف تعمل إيه تاني؟ ابتسم. لأنه أخيرًا عرف الإجابة.
الملف القديم بعد الفرح بأيام، سلمى كانت بتلم حاجاتها في أوضتها. فتحت دولاب قديم، وطلعت منه الملف البني اللي كان فيه أوراق أبوها. آدم دخل عليها. بتعملي إيه؟ برتب حاجتي. لسه محتفظة بالملف؟ سلمى بصت له. ده مش ملف عادي. ده اللي رجّع حق أبويا. آدم قعد جنبها. عارفة؟ أنا زمان كنت فاكر إن الناس الغلابة محتاجة فلوس الأغنيا عشان تعيش. سلمى ابتسمت. وإنت دلوقتي شايف إيه؟ شايف إن فيه ناس معاها فلوس كتير، بس محتاجة تتعلم من ناس ما معاهاش غير كرامتها. سلمى ضحكت. كلام كبير يا آدم. لأ. دي الحقيقة. قفل الملف، وحطه مكانه. لكن قبل ما يقوم، لقى ورقة صغيرة واقعة من بين الصفحات. فتحها. كانت مكتوبة بخط عم رجب يا بنتي، لو جه يوم واتجوزتي آدم، افتكري إن الراجل مش بيتقاس بفلوسه، ولا بعيلته. بيتقاس بالموقف اللي بياخده لما الدنيا تختبره. آدم قرأ الورقة، وبص لسلمى. أبوكي كان عارف إننا هنتجوز؟ سلمى ضحكت. أبويا كان عارف إنك هتتغير. أما الجواز، دي كانت حاجتي أنا. آدم قرب منها. وندمانة؟ سلمى بصت له بحنان. لأ. بس لو رجعت تسوق بسرعة، هسيبك تنزل من العربية وتمشي. ضحكوا الاتنين. ومن بره، كان صوت عم رجب بينادي يا سلمى! الغدا جاهز! آدم قام. يلا يا دكتورة. رايح فين؟ ناكل. وبعدين؟ آدم بص لها. نشتغل.
النهاية مرت السنين. سلمى دخلت كلية العلاج الطبيعي، ونجحت بتفوق، وبدأت تشتغل في مركز صغير في القرية، عشان تساعد أهل بلدها. آدم كبر مشروعه، وبقى واحد من أهم الشباب اللي بيشغلوا أهل البلد، من غير ما ينسى يومًا إنه كان شابًا لا يعرف يعمل شيئًا بيديه. حسام سلّم إدارة جزء من الشركة لابنه، لكن بعد ما فرض نظامًا جديدًا للشفافية، وأبعد كل شخص ثبت تورطه في الفساد. أما عم رجب، ففضل يحتفظ بالملف القديم. كان بيحطه في صندوق خشب صغير، جنب صورته مع سامح. وفي كل مرة كان حد يسأله عن اللي حصل، كان يرد الحقيقة ممكن تتدفن سنين بس عمرها ما بتموت. وفي ليلة هادئة، كان آدم وسلمى قاعدين قدام البيت. آدم بص للسماء وقال تصدقي؟ لو أبويا ما عاقبنيش يوم الحادثة، ما كنتش جيت البلد. سلمى ردت ولو ما جيتش البلد، ما كنتش عرفت الحقيقة. ولو ما عرفتش الحقيقة، ما كنتش اتغيرت. سلمى ابتسمت. يبقى ساعات الحاجة اللي بنفتكرها عقاب، بتطلع بداية النجاة. آدم مسك إيدها. وساعات البنت اللي بنفتكرها غلبانة، بتطلع أغنى من كل اللي معانا. سلمى ضحكت. بس أنا فعلًا غلبانة يا آدم. ليه؟ عشان اتجوزت واحد كان فاكر نفسه فاهم الدنيا كلها. آدم انفجر في الضحك. ومن جوه البيت، نادت نادية يا آدم! يا سلمى! العشا جاهز! قاموا مع بعض. وقبل ما يدخلوا، آدم بص مرة أخيرة ناحية الأرض، ناحية المكان اللي بدأت فيه الحكاية. ثم قال الحمد لله إن أبويا حرمني من العربية يومها. سلمى سألته ليه؟ ابتسم. عشان لو كنت فضلت راكبها، عمري ما كنت هعرف أمشي على رجلي.

تم نسخ الرابط