عامل الدليفري
المحتويات
بسبب تأخير بعض التوصيلات في أيام المطر، رغم إن التأخير في مواقف كتير كان بسبب ظروف ما كانتش في إيده.
وللما العملاء يشتكوا من التأخير، أحيانًا ما بيكونش عندهم فكرة عن اللي حصل في الطريق، أو عن الظروف اللي خلت الطلب يوصل متأخر.
قال
أنا فاهم إن العميل عايز طلبه يوصل في معاده، وده حقه. بس ساعات الناس بتشوف النتيجة بس، وما بتعرفش إيه اللي حصل قبلها.
سألته
يعني التقييم اللي كتبته ساعدك فعلًا؟
ابتسم وقال
أيوه، كان مهم بالنسبة لي. مش معنى كده إن تقييم واحد هيحل كل المشاكل، بس لما حد يكتب تجربة حقيقية بالتفصيل، ده بيساعد الناس تشوف الصورة كاملة.
حسيت بشيء غريب جوايا.
أنا كنت فاكرة إن اللي عملته مجرد مجاملة بسيطة، وإن عشرين دولار زيادة وتقييم خمس نجوم مش هيغيروا حاجة كبيرة.
لكن اكتشفت إن تصرف صغير من شخص ممكن يفرق مع شخص تاني أكتر مما نتخيل.
لو كنت خرجت من الموقف وأنا متضايقة من إن عامل الدليفري راح للبيت الغلط، كان ممكن أكتب تقييم سلبي.
ولو كنت شفت إنه فتح شنطة التوصيل، وحكمت عليه من غير ما أستنى أشوف هو بيعمل إيه، كان ممكن أتهمه بحاجة ما عملهاش أصلًا.
كان ممكن أسبب له مشكلة في شغله، لمجرد إني تخيلت أسوأ احتمال.
والحقيقة إن الراجل ما كانش عمل أي حاجة تستحق العقاپ.
بالعكس، كان بيحاول يصلح مشكلة ما كانش هو السبب فيها.
قلتله بصدق
أنا مبسوطة إن التقييم ساعدك، بس الحقيقة إنك إنت اللي خلتني أكتبه. أنا شفت بعيني إنك كنت بتحاول تحافظ على طلبي.
ابتسم وقال
أنا بس بعمل شغلي.
قلتله
يمكن بالنسبة لك ده شغلك، لكن مش كل الناس بتاخد بالها من التفاصيل دي.
رد بهدوء
يمكن. بس أنا مؤمن إن الواحد لازم يعمل اللي يقدر عليه، حتى لو محدش هياخد باله.
الكلام ده خلاني أسكت شوية.
لأني بدأت أفهم إن الموضوع ما كانش متعلق بالأكل وحده، ولا بالمطر، ولا حتى بالتوصيل.
كان متعلق بالطريقة اللي بنختار بيها نتصرف لما نواجه مشكلة صغيرة.
هل بنقول إن دي مش مسؤوليتنا، ونسيبها لغيرنا؟
ولا بنحاول نحلها، حتى لو هياخد من وقتنا ومجهودنا شوية؟
لويس اختار الحل التاني، من غير ما يستنى أي مقابل.
وده كان كفاية عشان يغير نظرتي ليه تمامًا.
الموقف اللي خلاني أراجع أحكامي على الناس
بعد ما خلصنا كلام، أخدت طلبي وشكرته مرة تانية.
قبل ما أمشي، افتكرت حاجة وسألته
هو إنت كنت متضايق لما عرفت إني كنت في البيت وكدبت عليك؟
ضحك وقال
بصراحة؟ استغربت شوية. لكن مش كل حاجة تستاهل إننا نكبرها.
قلتله
أنا فعلًا كنت محرجة جدًا.
رد
حصل خير. بس المرة الجاية، لو مش عايزة تقابلي حد، قولي إنك تفضلي استلام من غير تواصل مباشر. مش لازم تخترعي قصة.
ضحكت وقلتله
عندك حق. دي كانت فكرة سيئة جدًا.
وبعدين أضاف
بس أهم حاجة، ما تجريش حافية في المطر تاني.
ضحكت وقلتله
خلاص، وعد!
خرجت من المطعم وأنا بفكر في كلامه.
أحيانًا بنقابل ناس في حياتنا لدقائق معدودة، لكن تصرف صغير منهم يفضل معانا فترة طويلة.
لويس ما كانش صديقي، وما كانش يعرف أي حاجة عن حياتي، ولا عن اليوم الصعب اللي مريت بيه.
كل اللي كان يعرفه إني عميلة طلبت وجبة، وإن الكيس الورقي بتاعها اتبل.
ومع ذلك، اختار إنه يبذل مجهود إضافي عشان يحافظ عليها.
أما أنا، فكنت مستعدة أحكم عليه من مجرد مشهد ناقص، من غير ما أعرف السبب الحقيقي وراء اللي بيعمله.
وده خلاني أسأل نفسي سؤال مهم
كم مرة حكمنا على شخص من موقف واحد، من غير ما نعرف القصة كاملة؟
كم مرة افترضنا إن شخص مهمل، لمجرد إنه اتأخر؟
أو إنه غير محترم، لمجرد إنه ما ردش بالطريقة اللي توقعناها؟
أو إنه بيحاول يتهرب من المسؤولية، لمجرد إننا ما شفناش كل اللي حصل؟
مش معنى كده إننا لازم نتجاهل الأخطاء، أو إن كل شخص لازم نحسن الظن بيه مهما حصل.
لكن فيه فرق كبير بين إننا نلاحظ تصرف ونحاول نفهمه، وبين إننا نقرر من أول لحظة إننا عرفنا كل حاجة عن صاحبه.
أنا كنت شفت لويس بيفتح شنطة التوصيل، لكن ما كنتش شفت السبب في البداية.
ولما استنيت لحظات زيادة، اكتشفت إن الحقيقة مختلفة تمامًا عن اللي تخيلته.
أحيانًا، المشكلة مش في اللي بنشوفه بعنينا المشكلة في الحكاية اللي عقلنا بيألفها قبل ما نعرف الحقيقة.
الدرس اللي اتعلمته من ليلة المطر
بعد الموقف ده، بقيت أفتكر لويس كل ما أسمع حد بيشتكي من عمال التوصيل، أو يقول إن الناس ما بقتش تهتم بشغلها زي زمان.
أنا مش هقدر أقول إن كل عامل دليفري مثالي، ولا إن كل تجربة توصيل لازم تكون كويسة.
فيه أخطاء بتحصل، وفيه ناس ممكن تقصر في شغلها، ومن حق أي عميل إنه يطلب خدمة محترمة.
لكن اللي اتعلمته هو إننا ما ينفعش نحكم على شخص من غير ما نعرف اللي حصل فعلًا.
لأن فيه فرق بين إنك تحاسب شخص على خطأ ارتكبه، وبين إنك تعاقبه على خطأ أنت تخيلت إنه ارتكبه.
أنا كنت قريبة جدًا من إني أسيء الظن بلويس لمجرد إني شفته بيفتح شنطة التوصيل.
ولو كنت استعجلت في الحكم عليه، كان ممكن أفوّت على نفسي فرصة إني أشوف تصرف إنساني بسيط، لكنه مؤثر جدًا.
ويمكن هو نفسه ما كانش متخيل إن اللي عمله هيخليني أفكر في الموضوع كل ده.
بالنسبة له، كانت مجرد وجبة لازم توصل سليمة.
لكن بالنسبة لي، كانت لحظة كشفتلي قد إيه ممكن نكون غلطانين لما نفترض إننا فهمنا الناس من أول نظرة.
أنا كنت مستخبية في أوضة ضلمة، وبراقب راجل غريب، ومستعدة أتهمه في خيالي بأسوأ الاحتمالات.
وهو كان تحت المطر، بيعمل كل اللي يقدر عليه عشان يحافظ على طلبي.
أنا كنت شايفة نفسي حذرة وذكية، لكن الحقيقة إني كنت بحكم عليه من غير دليل.
وهو، رغم إنه كان يقدر يتضايق من كذبتي، اختار إنه يركز على سلامتي لما شافني خارجة حافية.
الموقف ده علمني إن اللطف مش دايمًا محتاج كلام كبير، وإن الأمانة مش لازم يكون وراها مكافأة، وإن الحكم على الناس محتاج شوية صبر.
أحيانًا، كل اللي نحتاجه هو إننا نستنى لحظة زيادة قبل ما نقرر إننا عرفنا الحقيقة.
يمكن اللحظة دي تكشف لنا حاجة ما كناش نتوقعها.
ويمكن كمان تخلينا نكتشف إن الشخص اللي كنا مستعدين نلومه، هو نفسه الشخص اللي كان بيحاول يعمل الصح من البداية.
وفي الآخر، اكتشفت إن الراجل اللي خرجت أجري وراه في المطر عشان أتأكد من طلبي، هو نفسه اللي علمني إني لازم أكون أهدى في أحكامي على الناس.
لأن لويس ما أنقذش عشايا من المطر وبس... هو كمان أنقذني من فكرة كنت بعملها من غير ما أحس إني أصدق أسوأ احتمال عن الناس قبل ما أديهم فرصة يثبتوا العكس.
ومن يومها، كل ما أسمع صوت المطر وهو بيخبط على الشباك، بفتكر المشهد ده.
بفتكر الراجل اللي شال علب الأكل من الكيس المبلول، ونشفها واحدة واحدة، وجاب كيس جديد، وحمى الطلب بجاكيت كان ممكن يحميه هو.
وبفتكر الجملة اللي قالها بكل بساطة
الناس دفعت تمن العشا بتاعها، ومن حقها تستلمه بحالة كويسة.
يمكن بالنسبة له، كانت مجرد جملة عادية.
لكن بالنسبة لي، كانت تذكيرًا
متابعة القراءة