عامل الدليفري
المحتويات
الأخلاق، وما حاولش يثبتلي إنه إنسان مثالي.
ما قالش إنه بطل، ولا إنه بيعمل حاجة استثنائية.
بالنسبة له، الموضوع بسيط جدًا شخص دفع فلوس مقابل وجبة، ومن حقه ياخدها سليمة ونظيفة وفي حالة كويسة.
ولما سألته إزاي عنده كل الحاجات دي في عربيته، شرحلي إنه بيحتفظ دايمًا بمناديل ورقية إضافية، وأكياس نظيفة، وحاجات صغيرة ممكن يحتاجها في التوصيل.
قال إن أكياس المطاعم الورقية مش دايمًا بتستحمل المطر، وإن بعض علب الشوربة ممكن يحصل فيها تسريب، وإن فيه بيوت كتير ما عندهاش سقف يحمي الأكل لو اتساب بره الباب.
وعشان كده، بقى متعود يستعد للمواقف دي قبل ما تحصل.
قلتله
يعني إنت بتجهز نفسك لكل الاحتمالات دي؟
ضحك وقال
مش كلها، طبعًا. بس لما تشتغل في التوصيل فترة، بتتعلم إن حاجات بسيطة ممكن تبوظ يوم حد. وأنا بحاول على قد ما أقدر ما أكونش السبب في ذلك.
الكلام ده خلاني أفكر في يومي كله.
أنا كنت طول اليوم متضايقة من حاجات كتير، وكل ما تحصل مشكلة، كنت بحس إن الدنيا بتضيق عليّ أكتر.
أما هو، فكان واقف تحت المطر، وبيتعامل مع مشكلة صغيرة بكل هدوء، وبيحاول يحلها بدل ما يسيبها تكبر.
ما كانش بيعمل ده عشان حد يشكره، ولا عشان حد يكتب عنه على الإنترنت.
هو ببساطة كان شايف إن ده التصرف الصح.
حسيت إني عايزة أشكره بطريقة أكبر من مجرد كلمة.
طلعت محفظتي، وقلتله
أنا هزودلك إكرامية.
لكنه هز راسه وقال
مش لازم، يا فندم. ده شغلي.
قلتله
أنا عارفة إنه شغلك، بس أنا مقدرة تعبك. إنت اتبللت، وضيعت وقت زيادة، واهتميت بطلب أنا نفسي ما كنتش مهتمة بيه بالشكل ده.
حاول يرفض مرة تانية، لكني أصريت، وفي الآخر أضفت له عشرين دولار زيادة.
بص للمبلغ باستغراب، وقال
شكرًا، بجد. بس خلي بالك من نفسك، وادخلي البيت قبل ما تمرضي.
ضحكت وقلتله
حاضر. بس عندي طلب أخير.
قال
إيه هو؟
قلتله
خلي بالك وإنت سايق. المطر شديد جدًا.
ابتسم وقال
حاضر. ليلة سعيدة.
وبعدها رجع لعربيته.
فضلت واقفة تحت المطر لثواني، وأنا ببصله وهو بيمشي، وبعدين رجعت البيت بسرعة، وأنا ماسكة كيس الأكل بكل حرص.
المضحك إن الراجل اللي خرجت أجري وراه وأنا خاېفة على طلبي، هو نفسه اللي خلاني أحس إن الأكل مش أهم حاجة في الموضوع كله.
العشا اللي خلاني أفكر في حاجة أكبر من مجرد طلب دليفري
أول ما دخلت البيت، قفلت الباب، وجريت أجيب فوطة عشان أنشف رجلي وشعري.
كنت بردانة، وهدومي اتبلت، وشعري بقى أسوأ من الأول بكتير.
لكن الغريب إني ما كنتش متضايقة.
بالعكس، كنت بضحك كل ما أفتكر شكلي وأنا بجري في الشارع حافية، والراجل واقف مش فاهم إيه اللي بيحصل.
حطيت الأكل على السفرة، وبدأت أفتح الأكياس.
كل حاجة كانت موجودة.
علب الأكل سليمة، والأغطية مقفولة، والصوص موجود، والبسكويت الصيني في مكانه.
والأهم إن الأكل كان لسه سخن.
قعدت آكل وأنا بتفرج على الفيلم، لكن تركيزي ما كانش مع الفيلم زي الأول.
كل شوية كنت أفتكر لويس وهو واقف تحت البرندة، بيمسح العلب واحدة واحدة.
كنت بفكر في كمية التفاصيل الصغيرة اللي إحنا ساعات ما بناخدش بالنا منها.
لو كان شال الكيس المبلول وخلاص، كان ممكن القاع يتقطع، والأكل يقع على الأرض.
ولو كان تجاهل الموضوع، كان ممكن يوصلني الطلب في حالة سيئة.
ولو كان مستعجل وعايز يخلص التوصيلة بأي طريقة، كان ممكن يعبر الشارع من غير ما يهتم إذا كان الأكل اتبل أو لا.
لكنه اختار ياخد وقت إضافي، رغم إن المطر كان شديد، ورغم إنه كان ممكن يخلص شغله أسرع لو تجاهل المشكلة.
وأغرب من كل ده إنه ما كانش عارف إني موجودة أصلًا!
هو كان فاكر إن البيت فاضي، وإن مفيش حد هيشوفه وهو بيعمل كل ده.
ومع ذلك، اهتم.
في اللحظة دي، حسيت إننا ساعات بنربط الأمانة بوجود شخص بيراقبنا.
بنفتكر إن الناس بتعمل الصح عشان تخاف من العقاپ، أو عشان تكسب مدح، أو عشان حد يشوفها.
لكن لويس عمل الصح لأنه مقتنع إنه الصح، حتى وهو فاكر إن مفيش حد شايفه.
ودي كانت أكتر حاجة أثرت فيّ.
قبل ما أنام، فتحت تطبيق التوصيل، ودخلت على تفاصيل الطلب.
لقيت مكان أقدر أقيّم الخدمة من خلاله، فاديت لويس خمس نجوم، وكتبت تقييم طويل شرحت فيه اللي حصل بالتفصيل.
كتبت إني طلبت الأكل في ليلة مطر شديدة، وإن الكيس الورقي اتبل، وإنه بدل ما يسيب الطلب يتعرض للتلف، نقل العلب المقفولة لكيس نظيف، ونشفها، وحماها من المطر باستخدام الجاكيت بتاعه.
وكتبت كمان إنه كان محترم وهادئ، وإنه ما اتضايقش مني رغم إني كنت كدبت عليه وقلتله إني مش في البيت.
وفي نهاية التقييم، طلبت إن الإدارة تقدر مجهوده، لأن اللي عمله يستحق التقدير فعلًا.
قفلت التطبيق، وحطيت الموبايل على الكومودينو، وأنا حاسة إن يومي اللي بدأ بشكل سيئ انتهى بطريقة مختلفة تمامًا.
ما كنتش أعرف إن التقييم ده هيكون له تأثير أكبر مما تخيلت.
بعد كام يوم قابلته تاني، واكتشفت حاجة ما كنتش أعرفها
عدت كام يوم، ورجعت لحياتي الطبيعية.
روحت الشغل، وتعاملت مع مشكلة السباكة، وبدأت ألاحظ إن الحبوب اللي كانت مضايقاني بدأت تهدى.
وبصراحة، لما رجعت أفكر في الموضوع، اكتشفت إن أكتر حاجة كانت مضايقاني يومها ما كانتش شكل وشي فعلًا.
أنا كنت مرهقة، ومتوترة، وكل مشكلة صغيرة كانت بتبان أكبر من حجمها.
كنت محتاجة أرتاح، لكن بدل ما أتعامل مع نفسي بهدوء، كنت بلوم نفسي على كل حاجة.
أما موقف لويس، فخلاني أضحك على نفسي شوية، وأفهم إن مش لازم كل يوم سيئ يتحول لمعركة مع العالم كله.
وفي مساء بعد الشغل، قررت أعدي على المطعم الصيني بنفسي وأجيب العشا، بدل ما أطلبه للتوصيل.
دخلت المطعم، ووقفت أستنى طلبي عند الكاونتر.
وأنا ببص حواليّ، لمحت راجل واقف قريب من الباب، لابس ملابس العمل، وبيتكلم مع أحد العاملين.
فضلت أبصله ثواني، وبعدين اتأكدت.
كان لويس! نفس عامل الدليفري اللي جريت وراه حافية في المطر!
ابتسمت من غير ما أحس، وهو كمان لاحظني.
أول ما شافني، ضحك وقال
إيه الأخبار؟ المرة دي إنتِ جاية بنفسك؟
ضحكت وقلتله
أيوه، المرة دي قلت أريحك من الجري في المطر.
قال
كويس، كده رجلك في أمان.
ضحكنا إحنا الاتنين، والموقف كله رجع قدامي كأنه حصل من ساعات.
سألته عن شغله، وعن المطر، وعن التوصيلات اللي بيعملها.
قال إنه بيشتغل ساعات طويلة، وإن التوصيل مش دايمًا سهل زي ما الناس بتخيل.
أحيانًا بيكون فيه زحمة، وأحيانًا المطعم بيتأخر في تجهيز الطلب، وأحيانًا العنوان بيكون صعب الوصول ليه.
وفي أيام المطر، كل حاجة بتبقى أصعب.
قلتله
أكيد الناس بتتضايق لما الطلب يتأخر.
هز راسه وقال
طبعًا. وده حقهم لو كانوا مستنيين أكلهم. بس ساعات بيكون فيها حاجات خارجة عن إيدينا.
وبعدين سكت لحظة، وكأنه افتكر حاجة.
قال
على فكرة، أنا شوفت التقييم اللي كتبتيه.
ابتسمت وقلت
بجد؟ أنا كنت أتمنى إن حد يشوفه ويعرف إنك تعبت.
قال
شكرًا ليكي. أنا ما كنتش متوقع إنك تكتبي كل التفاصيل دي.
سألته
التقييمات بتفرق معاكم للدرجة دي؟
بصلي وقال
أكتر مما تتخيلي.
اكتشفت إن عشرين دولار وتقييم صغير ممكن يفرقوا في حياة شخص
لويس شرحلي إن التقييمات مش مجرد نجوم بتظهر على الشاشة.
في شغله، التقييمات الإيجابية بتساعد في إظهار مستوى الخدمة اللي بيقدمها، وبتدي صورة أوضح عن أدائه.
وقال إن حسابه اتأثر قبل كده بشكاوى
متابعة القراءة