عامل الدليفري

لمحة نيوز

ده، وما كانش عندي أي سبب حقيقي أتهمه بحاجة، لكن الخۏف ساعات بيخلينا نتخيل أسوأ سيناريو ممكن يحصل.
فضلت أراقبه وأنا مش قادرة أبعد عيني عنه.
كان ماسك الكيس الورقي، والجزء السفلي منه بقى مبلول من المطر، وباين إنه بدأ يضعف وممكن يتقطع في أي لحظة.
وبعدين مد إيده ناحية الكيس، وبدأ يخرج منه علب الأكل واحدة واحدة.
في اللحظة دي، حسيت إن قلبي وقع في رجلي.
لكن اللي شوفته بعدها كان عكس كل حاجة تخيلتها تمامًا.
اللحظة اللي اكتشفت فيها إني ظلمت الراجل من غير ما أعرفه!
فضلت واقفة ورا الشباك، عيني متعلقة بإيديه، وأنا مستنية أشوف هيعمل إيه في علب الأكل.
كنت متوقعة إنه هيفتح واحدة منها، أو يحاول ينقل الأكل في حاجة تانية بطريقة تخليني أشك فيه أكتر.
لكن اللي حصل كان مفاجأة حقيقية.
الراجل ما فتحش أي علبة من علب الأكل نفسها.
كل اللي عمله إنه طلع العلب المقفولة بعناية من الكيس الورقي المبلول، وبدأ يحطها فوق شنطة التوصيل العازلة للحرارة، عشان ما تلمسش الأرض المبلولة.
وبعدين مد إيده ناحية عربيته، وطلع منها مناديل ورقية.
بدأ يمسح كل علبة واحدة واحدة.
كان بيمرر المناديل على الجوانب والأغطية، ويتأكد إن مفيش مياه متجمعة عليها، وإن العلب مقفولة كويس.
لما خلص، بص للكيس الورقي اللي كان حاطه على الأرض، ولاحظ إن قاعه بقى ضعيف جدًا، وإنه لو شاله بالطريقة العادية ممكن يتقطع والأكل كله يقع منه.
بدل ما يشيل الكيس المبلول ويجري ناحية عربيته، قام وراح للعربية مرة تانية.
رجع بعد لحظات وهو ماسك كيس تسوق نظيف وقابل لإعادة الاستخدام.
حط علب الأكل جواه بالراحة، وبعدها بدأ يراجع باقي الطلب.
مسح أكياس الصوص الصغيرة، واتأكد إن علب الأكل كلها موجودة، وإن مفيش حاجة اتسربت.
حتى البسكويت الصيني الصغير اللي بييجي مع الطلب، واللي غالبًا ناس كتير ما بتاخدش بالها منه أصلًا، اهتم إنه ينشفه ويحطه في مكان آمن.
كنت واقفة في مكاني، ومش عارفة أقول إيه.
من شوية بس، كنت بتخيل إنه ممكن يعمل حاجة سيئة في طلبي، لمجرد إني شوفته بيفتح شنطة التوصيل.
لكن الحقيقة إنه كان بيحاول ينقذ الأكل من المطر!
وفجأة، حصلت حاجة خلتني أتأثر أكتر.
الراجل بص للشارع، وبعدين بص للأكل اللي قدامه.
كان واضح إنه عارف إن لازم يعبر الشارع عشان يوصل الطلب، وإن المطر مش هيقف لمجرد إنه مستني.
خلع الجاكيت بتاعه، ورفعه فوق الأكل كأنه مظلة صغيرة، واستعد إنه يمشي ناحية بيتي.
الراجل كان مستعد يتبلل أكتر بنفسه، بس عشان عشايا توصل سليمة!
في اللحظة دي، حسيت بإحراج شديد من نفسي.
أنا اللي كنت مستخبية في بيت دافي، لابسة بيجامتي، وبتفرج على فيلم، وبراقب شخص غريب من ورا الشباك، ومفترضة إنه ممكن يعمل حاجة غلط.
وهو، في نفس الوقت، كان واقف تحت المطر، بيحاول يحافظ على طلب أنا دفعته عشان يوصلني.
ما كانش فيه حد بيصوره، ولا حد بيشجعه، ولا حتى كان يعرف إني واقفة براقبه.
كان ببساطة بيعمل شغله بأمانة.
وفجأة، حسيت إني لازم أخرج وأقوله إني شفت اللي عمله.
ما فكرتش في شعري، ولا في الحبوب اللي على وشي، ولا في الكريم اللي لسه موجود على دقني.
كل اللي فكرت فيه إني ما ينفعش أسيبه يمشي من غير ما يعرف إن مجهوده ما راحش هدر.
جريت ناحية الباب، وفتحته بسرعة.
المطر كان بيخبط على الأرض بقوة، والهوا كان بارد لدرجة خلتني أرتعش أول ما خرجت.
كنت لابسة البيجامة، وحافية تمامًا.
لكن ده كله ما كانش مهم بالنسبة لي في اللحظة دي.
جريت على السلم، وعديت المسافة بين باب بيتي والشارع، وأنا بنادي بأعلى صوتي
استنى! لو سمحت، استنى!
الراجل وقف فجأة، ولف ناحيتي.
إنتِ الزبونة؟ بس إنتِ قلتي إنك مش في البيت!
كان واقف في المطر، ماسك كيس الأكل في إيده، والجاكيت بتاعه مرفوع فوقه.
بصلي باستغراب شديد.
قال
إنتِ الزبونة؟
هزيت راسي وقلت
أيوه، أنا.
بص ناحية بيتي، وبعدين رجع بصلي تاني.
قال
بس إنتِ قلتي إنك مش موجودة!
حسيت إن وشي احمر من الإحراج، وقلت بسرعة
أنا عارفة، وأنا آسفة جدًا. أنا كنت في البيت فعلًا.
ما حاولتش أختلق أي عذر، ولا قلتله إن فيه ظرف طارئ خلاني أخرج.
كنت عارفة إن أقل حاجة أقدر أعملها إني أكون صريحة معاه.
لكنه ما دخلش معايا في جدال، وما رفعش صوته، وما قالش أي كلمة تضايقني.
بص لتحت ناحية رجليا، وقال بقلق
إنتِ خارجة حافية ليه؟ خلي بالك، ممكن تدوسي على إزاز أو حاجة حادة!
بصيت لرجليا، وبعدها بصيتله، وفجأة ضحكت.
ضحكت من الإحراج، ومن غرابة الموقف، ومن الطريقة اللي خرجت بيها أجري في الشارع من غير ما أفكر.
قلتله
أنا شوفتك من الشباك، وشوفت كل اللي عملته في الأكل. كنت عايزة أقولك شكرًا.
ملامحه اتغيرت شوية.
كان واضح إنه لسه مش فاهم أنا أقصد إيه بالضبط.
قال بسرعة
أنا ما فتحتش أي علبة أكل، والله. كل العلب مقفولة زي ما هي. أنا بس لقيت الكيس الورقي اتبل، وخفت يتقطع، فطلعت الأكل عشان أحافظ عليه.
هزيت راسي وقلت
أنا عارفة. أنا شفتك وإنت بتعمل كده. وشفت إنك جبت كيس جديد، ومسحت العلب واحدة واحدة، وحتى حطيت الجاكيت بتاعك فوق الأكل عشان تحميه من المطر.
سكت لحظة، وبعدين ابتسم ابتسامة بسيطة.
قلتله
أنا في الأول افتكرت إنك بتعمل حاجة غلط، وكنت خاېفة على طلبي. لكن لما شفت اللي عملته، حسيت إني لازم أخرج وأعتذرلك.
بصلي بنظرة فيها شوية استغراب، وقال
إنتِ كنتِ بتراقبيني من الشباك؟
حطيت إيدي على وشي من الإحراج وقلت
أيوه بس والله ما كنتش أعرف إنك هتعمل كل ده.
ضحك، وأنا ضحكت معاه.
وبعدين قلتله الحقيقة كاملة.
اعترفتله إني ما كنتش بره البيت أصلًا، وإن السبب الحقيقي إني كنت مش عايزة أفتح الباب لحد، لأني كنت متضايقة من شكل وشي بسبب الحبوب اللي ظهرتلي.
بصلي لحظة، وبعدين ضحك وقال
يعني كل ده عشان حبوب في الوش؟
ضحكت وقلت
أيوه! أنا عارفة إن الموضوع تافه، بس كان يوم صعب جدًا، وكنت مش طايقة أشوف حد.
قال بهدوء
كلنا بييجي علينا أيام بنبقى مش طايقين نفسنا فيها. بس صدقيني، محدش مركز في شكلك قد ما إنتِ متخيلة.
الكلمات كانت بسيطة، لكنه قالها بطريقة خلتني أحس براحة.
أنا كنت فاكرة إن خروجي من البيت بالشكل ده هيكون موقف محرج جدًا، وإن الراجل ممكن يتضايق مني بسبب كذبتي.
لكن بدل ما يحكم عليّ، كان بيحاول يطمنني.
وبعدين مد إيده وناولني كيس الأكل.
قال
اتفضلي. الأكل لسه سخن، وكل حاجة تمام. بس المرة الجاية خلي بالك من رجلك، وما تجريش حافية في المطر.
أخدت منه الطلب، وقلتله
حاضر، وعد. وشكرًا بجد.
ليه اهتم بكل تفصيلة في طلبي؟
قبل ما يمشي، قررت أسأله عن حاجة كانت شاغلة بالي.
قلتله
ممكن أسألك سؤال؟
قال
اتفضلي.
سألته
إنت ليه بتتعب نفسك بالشكل ده؟ يعني كان ممكن تسلمني الأكل وخلاص. ولو الكيس اتقطع، ما كانش هيبقى ذنبك أصلًا. إنت مش مطالب إنك تعمل كل ده.
بصلي، وكأنه بيفكر إزاي يشرحلي الموضوع.
وبعدين قال
اسمي لويس، وبصراحة، أنا اتعلمت إن مش كل مشكلة ينفع نسيبها لحد تاني يحلها.
قلتله
بس إنت كان ممكن تتبلل أكتر، وكان ممكن تضيع وقت إضافي.
ابتسم وقال
حقيقي. بس الناس دفعت تمن العشا بتاعها، ومن حقها تستلمه بحالة كويسة.
الجملة دي فضلت ترن في وداني حتى بعد ما مشي.
ما عملش محاضرة عن
تم نسخ الرابط