عامل الدليفري
عامل الدليفري افتكر إن مفيش حد في البيت لكن لما شوفته بيعمل إيه في طلبي، جريت بره حافية في عز العاصفة!
أنا كنت كدبت على عامل الدليفري وقلتله إني لسه بره البيت، وإنه يقدر يسيب الأكل قدام الباب ويمشي لكن لما جريت بره حافية، وأنا لابسة البيجامة، والمطر بيغرقني من فوق لتحت، كنت عارفة إني هضطر أبررله اللي عملته!
صړخت بأعلى صوتي
استنى! لو سمحت، استنى لحظة!
الراجل لف ناحيتي، وهو ماسك كيس الأكل الصيني في إيد، وشنطة التوصيل العازلة للحرارة في الإيد التانية. المطر كان نازل بغزارة، والرعد بيدوي في السما، وهو واقف بيبصلي باستغراب، وبعدين بص ناحية بيتي، كأنه مش قادر يفهم إيه اللي بيحصل.
قال باستغراب
إنتِ الزبونة؟
هزيت راسي بسرعة وقلت
أيوه، أنا.
بصلي تاني وقال
بس إنتِ قلتيلي إنك مش موجودة في البيت!
وطيت راسي بإحراج وقلت
عارفة أنا آسفة، والله. أنا اللي غلطانة.
لكنه بدل ما يزعقلي أو يعاتبني على كذبتي، بص على رجليا الحافية وقال بقلق
إنتِ هتجرحي رجلك! خلي بالك، ممكن تدوسي على حاجة حادة.
تخيلوا!
أول حاجة فكر فيها الراجل ما كانتش إني كدبت عليه، ولا إنه اتبهدل في المطر، ولا حتى إنه ضيع وقته بسبب غلطي كل اللي شاغل باله إن رجلي ممكن تتعور!
في اللحظة دي، ضحكت ڠصب عني. ضحكة من الإحراج، ومن غرابة الموقف، ومن إحساسي إني كنت مكبرة الموضوع في دماغي بشكل مضحك جدًا.
لكن عشان تفهموا إزاي وصلت للحظة دي، لازم أرجع بيكم لبداية الليلة اللي حصل فيها كل ده.
أنا ما كنتش أعرف إن طلب أكل عادي في ليلة مطر ممكن يعلمني درس عمري ما هنساه وإن شخص غريب، كل اللي بيني وبينه طلب دليفري، ممكن يخليني أراجع أحكامي على الناس.
اليوم ده كان من الأيام اللي بتحس فيها إن الدنيا متفقة عليك، وإن كل حاجة ممكن تحصل غلط بتحصل فعلًا!
صحيت الصبح لقيت حبوب طالعة في دقني ووشي بشكل يضايق. حاولت أغطيها، وحطيت شوية كريم، وقلت لنفسي إن الموضوع بسيط وهيعدي.
لكن طبعًا، اليوم ما كانش ناوي يعدي ببساطة.
روحت الشغل، وكان عندي اجتماع طويل ومرهق، وكل حاجة فيه تقريبًا كانت ماشية عكس ما كنت متوقعة. نقاشات كتير، وضغط، وملاحظات مالهاش آخر، وطلبات لازم تتنفذ بسرعة، لدرجة إني في آخر الاجتماع حسيت إن طاقتي خلصت تمامًا.
كنت مستنية أرجع البيت وأرمي نفسي على الكنبة، وأفصل عن العالم كله.
لكن أول ما رجعت، اكتشفت إن فيه مشكلة تحت حوض المطبخ، وإن المياه بتسرّب، وإن التصليح ممكن يكلفني مبلغ كبير أنا ما كنتش حاسباله أي حساب.
وقفت قدام الحوض وأنا ببص للمياه اللي بتتجمع على الأرض، وحسيت إن دماغي ھتنفجر.
قلت لنفسي
هو أنا عملت إيه النهارده عشان كل ده يحصل؟ مش كفاية اللي حصل في الشغل؟
اتصلت بحد يفهم في السباكة، وفضلت أشرح المشكلة وأسمع احتمالات وتكاليف، وفي الآخر قفلت المكالمة وأنا مش طايقة أتكلم مع أي حد تاني.
كنت محتاجة ليلة هادية، وبس.
دخلت أوضتي، غيرت هدومي ولبست بيجامة مريحة، وغسلت وشي، وحطيت كريم الحبوب، وربطت شعري بأي طريقة وخلاص.
ما كنتش عايزة أخرج، ولا أقابل حد، ولا حتى أفتح الباب لحد يشوف شكلي.
وبما إن المطر كان بدأ ينزل من بدري، والجو كان مناسب جدًا للقعدة في البيت، قررت أطلب أكل صيني وأتفرج على فيلم.
بالنسبة لي، كانت دي الخطة المثالية لإنقاذ يوم سيئ.
فتحت تطبيق التوصيل، طلبت الأكل اللي بحبه، واختارت فيلم كنت مأجلاه من فترة، وجهزت الكنبة والبطانية، وقلت لنفسي إن مفيش حاجة تقدر تبوظ الليلة دي.
لكن بعد شوية، موبايلي رن.
كان عامل الدليفري بيتصل عشان يقولي إنه قرب يوصل.
بصيت في المراية اللي جنبي، وشفت شعري المبعثر، والحبوب اللي على وشي، والكريم اللي كنت حطاه على دقني.
وفجأة، حسيت إني مش عايزة أفتح الباب لأي حد.
عارفة إن الموضوع عادي جدًا، وإن عامل الدليفري غالبًا مش هيهتم بشكلي أصلًا، وإنه كل اللي عايزه يسلّم الطلب ويمشي.
لكن في اللحظة دي، كنت مرهقة ومش مستعدة أتعامل مع أي إنسان، حتى لو لدقيقة واحدة.
فرديت على المكالمة وقلتله كڈبة صغيرة.
قلت
أنا لسه بره البيت، معلش. ممكن تسيب الأكل قدام الباب؟ أول ما أوصل هاخده.
رد بكل هدوء
أكيد، مفيش مشكلة.
قفلت المكالمة وأنا حاسة براحة، ورجعت أكمل الفيلم.
كنت فاكرة إن الموضوع انتهى عند كده، وإن بعد دقائق هسمع صوت عربيته وهي بتمشي، وبعدها هخرج أجيب الأكل وأرجع أكمل ليلتي.
لكن اللي حصل بعد كده غيّر كل حاجة.
ليه قررت أراقبه من الشباك؟
بعد حوالي عشر دقايق، افتكرت إن فيه ناس في منطقتنا حصل معاهم قبل كده إن طلباتهم اختفت من قدام الباب.
مرة حد نسي طرد على السلم، وبعدها بدقايق ما لقاهوش. ومرة تانية، واحدة من الجيران اشتكت إن الأكل اللي طلبته اختفى قبل ما تلحق تاخده.
وفجأة، تخيلت نفسي وأنا بخرج من الأوضة عشان أجيب الأكل، فألاقي المكان فاضي!
قلت لنفسي
لا، أنا مش ناقصة. هبص من الشباك بس، أول ما يوصل هاخد بالي.
قمت من على الكنبة، وطفيت الأباجورة اللي جنب الشباك، عشان أقدر أشوف الشارع من غير ما انعكاس النور يكشفني.
وقفت ورا الستارة، وبصيت من فتحة صغيرة.
الشارع كان شبه فاضي، والمطر بيخبط على الأسفلت بقوة، والمياه بتجري على جوانب الطريق. كل شوية عربية تعدي، فتتناثر المياه ناحية الرصيف.
كنت واقفة مستنية أشوف عربية الدليفري.
وبعد شوية، ظهرت أخيرًا.
العربية وقفت قدام البيت، والراجل نزل منها وهو لابس هدوم مناسبة للمطر، وشايل شنطة التوصيل الكبيرة.
في البداية، كل حاجة كانت طبيعية.
قفل باب عربيته، ومسك الطلب، وبدأ يمشي ناحية البيوت.
لكن فجأة، لقيته بيطلع السلم بتاع البيت اللي قصاد بيتي!
وقفت أبص وأنا مش مصدقة.
قلت لنفسي
هو راح فين؟ ده مش بيتي!
كان واقف قدام باب جاري، وكأنه متأكد تمامًا إنه وصل للعنوان الصحيح.
مسكت موبايلي بسرعة واتصلت بيه.
رد عليّ، فقلتله
معلش، أنا مش شايفاك على كاميرا الباب عندي. إنت متأكد إنك واقف قدام العنوان الصح؟
قال بثقة
أيوه، أنا واقف على البرندة أهو.
قلتله رقم البيت تاني، وبدأت أوصفله المكان.
سكت لحظة، وبعدين شفته بيرفع راسه ويبص في اتجاه بيتي، اللي كان قصاده مباشرة.
فجأة، فهم غلطته.
قال بإحراج
آه، عندك حق! أنا آسف، أنا واقف قدام البيت الغلط. هاجيبهولك حالًا.
قلتله
تمام، شكرًا.
وقفلت المكالمة، وأنا مستنية أشوفه يعبر الشارع وييجي ناحيتي.
لكنه ما جاش.
فضل واقف تحت سقف البرندة بتاعة جاري، كأنه بيحاول يحتمي من المطر الشديد.
في الأول، ما استغربتش. قلت يمكن مستني المطر يخف شوية، أو بيحاول يحافظ على الأكل من البلل قبل ما يعبر الشارع.
لكن بعد لحظات، عمل حاجة خلتني أركز معاه بكل انتباهي.
نزل على ركبه، وحط شنطة التوصيل قدامه، وبدأ يفتح السوستة بتاعتها!
قلبي دق بسرعة.
قلت لنفسي
هو بيعمل إيه؟ ليه فتح الشنطة دلوقتي؟ مش المفروض يجيبلي الأكل وخلاص؟
قربت من الشباك أكتر، وحاولت أشوف إيه اللي بيحصل.
طلع من الشنطة كيس الأكل بتاعي.
وفي اللحظة دي، عقلي بدأ يروح لأسوأ الاحتمالات.
كنت شفت قبل كده حكايات على الإنترنت عن ناس بتقول إن بعض عمال التوصيل بيتعاملوا مع طلبات الزباين بطريقة سيئة، وإن فيه ناس پتخاف على أكلها من العبث أو الإهمال.
أنا ما كنتش أعرف الراجل