طلبت من بنتي
طلبت من بنتي اللي شغالة في البنك 100 جنيه بس.. ردها عرفني كل حاجة محتاجة أعرفها انتي أصلاً عايشة هنا ببلاش! زعقت لو عايزة فلوس روحي اشتغلي يا متطفلة!. هي مكنتش تعرف إن تاني يوم الصبح على طول.. هدخل البنك بتاعها ومعايا ورق ب 260 مليون، ولما شافت الرقم أخيراً.. وشها بقى أبيض، بس ساعتها.. كان فات الأوان.
اليوم اللي قبله.. الست كانت واقفة بهدوء في مطبخ بنتها النضيف، إيدها بتلعب في دبلة جوازها اللي لسه لابساها بعد 3 سنين من ما دفنت جوزها. هي مطلبتش كتير.. 100 جنيه بس.
بنتها حطت مج القهوة على الرخامة جامد لدرجة إن أمها اتنفضت انتي أصلاً عايشة هنا ببلاش قالت وهي مربعة إيديها فوق يونيفورم البنك المكوي أكل وشرب وكهربا وكل حاجة.. وعايزة كاش كمان؟.
الأم بصت لبنتها الوحيدة. هي كانت نقلت تعيش في بيت بنتها بعد ما جوزها مات، بس كانت بتعمل كل حاجة عشان متبقاش تقيلة.. كانت بتشتري أكلها بنفسها لما تقدر، وتغسل هدومها، وتنضف أوضتها الصغيرة، وتساعد في البيت، ونادراً ما طلبت حاجة من بنتها.
اليوم ده كان المفروض يبقى مختلف، جارتها قالت لها على معرض صغير للأعمال اليدوية هيتعمل في الويك إند، ومعاشها لسه قدامه كام يوم على ما ينزل، ففكرت إنها تطلب من بنتها سلف مؤقت.. حاجة بسيطة، وكانت ناوية ترجع كل جنيه. بدل كده.. بنتها بصلتها كأنها طلبت ألوفات انتي عندك 62 سنة يا ماما مش 92 قالت ببرود لو عايزة فلوس روحي اشتغلي.
الدم طلع في وش أمها، وللحظة.. ذكريات كتير رجعت؛ سنين وهي قاعدة على مكنة الخياطة، ورديتين في اليوم، فلوس خضار محسوبة بالجنيه، ليالي كانت بتقول لبنتها أنا مش جعانة عشان بنتها الصغيرة تاكل وتشبع، لبس مدارس، كتب، مصاريف كلية.. كل التضحيات اللي هي وجوزها عملوها عشان بنتهم تبني حياة أحسن.
عمري ما طلبت منك حاجة زي دي قبل كده قالت بصوت واطي. مش هي دي النقطة. بنتها مسكت شنطتها وعلقتها على كتفها فاكرة إن عشان انتي أمي يبقى ليكي حق في فلوسي؟ أنا بشتغل 40 ساعة في الأسبوع بحل مشاكل الناس المالية.. مش محتاجة أرجع البيت ألاقي المشاكل دي كمان.
وش أمها اتغير، وبعدين بنتها قالت الكلمة اللي خلت الأوضة كلها تسقع متطفلة.
سكوت.. التلاجة بتعمل صوت، عربية عدت برة، عند الجيران ستارة اتحركت سنة. الأم مسكت طرف الرخامة جامد، بصت للست اللي واقفة قدامها ومش قادرة تتعرف على البنت الصغيرة اللي كانت تعرفها؛ البنت اللي كانت بتسهر جنبها طول الليل لما تسخن، البنت اللي كانت بتجوع نفسها عشانها، البنت اللي هي وجوزها ضحوا عشان تعليمها، وحتى بعد ما جوزها مات كانت بتساعد بهدوء في حاجات غالية كتير موجودة دلوقتي في بيت بنتها الحلو ده.. وده كان رأي بنتها فيها متطفلة.
فهمت همست. وش بنتها مرقش حتى كان لازم حد يفوقك.. مينفعش تفضلي فاكرة إن الناس هتفضل تشيلك طول عمرك. بصت في ساعتها، وعدت من جنب أمها وراحت ناحية الباب، وبعد ثواني.. الباب اترزع.
الأم فضلت لوحدها في المطبخ، ولما بنتها مشيت بس.. ابتدت دموعها تنزل. فوق، قعدت على طرف السرير الضيق في الأوضة الصغيرة اللي كانت زمان أوضة لعب بنتها. صورة جوزها على الكومودينو، مسكتها كنت هتقول إيه عليها دلوقتي؟ همست. مفيش رد جه، بس مع مرور الدقايق، حاجة جوة الست ابتدت تتغير؛ الوجع لسه موجود، والحزن لسه موجود، بس تحت الاتنين كان في حاجة أقوى إصرار.
بنتها كانت فاكرة إنها فاهمة وضعهم كويس أوي، كانت فاكرة إن أمها مفلسة تقريباً، كانت فاكرة إن أمها ملهاش مكان تاني تعيش فيه، كانت فاكرة إن ميزان القوة بينهم واضح، وأكتر حاجة كانت فاكرة إن أمها معتمدة عليها.. بنتها كانت غلطانة.
بالليل.. الأم نزلت شنطة جلد قديمة بتاعت جوزها وحطتها على ترابيزة السفرة، مكانتش فتحتها من شهور. الجلد عمل صوت وهي بتفتحها، جواها كان فيه كشوفات استثمار مترتبة، ورق أملاك، كشوفات حسابات بنك، معلومات حسابات، وجواب مكتوب بخط جوزها اللي تعرفه كويس.
فتحته بحرص؛ جوزها كان دايماً مصمم إنهم يعيشوا ببساطة عربيات مستعملة، كوبونات خصم، بيت متواضع، مفيش إجازات فخمة، مفيش دهب بيلمع، مفيش أي حاجة تبين إن عندهم ثروة كبيرة. بنتها كبرت وهي فاكرة إن أهلها ناس عادية شقيانة محوشة يدوب اللي يعيشها. عمرها ما عرفت عن استثمارات جوزها، عمرها ما عرفت عن الأملاك اللي عنده، عمرها ما عرفت إن من عشرات السنين جوزها ساعد في بناء شركة تكنولوجيا بقت بعد كده قيمتها كبيرة جداً، وأكيد عمرها ما عرفت هو ساب إيه وراه.
الأم عمرها ما قالتلها، مش عشان كانت عايزة تخدع بنتها، جوزها كان بس مؤمن إن الفلوس ليها طريقة خطيرة بتغير الناس الشخصية بتبان أسهل لما الفلوس متبقاش في الأوضة كان بيقول لمراته. وهي قاعدة لوحدها على ترابيزة السفرة، الست فهمت أخيراً قصده إيه بالظبط.
مسكت موبايلها وكلمت المستشار المالي بتاع العيلة اللي معاهم من زمان. رد حتى وهو كان وقت متأخر في حاجة كويسة؟. محتاجة أعمل شوية إجراءات بكرة قالت. سمع حاجة غريبة في صوتها على طول إجراءات إيه؟. تحويلات كبيرة. سكت كبيرة قد إيه؟. الأم