اخترت أكون أم

لمحة نيوز

محاضرة؟ ضحكت. آه. قال وأنا أول طالب.
مرت الأيام. وعدت الشهور. والبيت اتغير. مش لأنه بقى مثالي. لأ. كان فيه خناقات. وفيه ضغط. وفيه أيام حسام بيرجع فيها متأخر. وأيام أنا ببقى مرهقة ومش طايقة حد. وفيه ليالي البنات بيصحوا فيها الاتنين مع بعض. وفيه أيام بنفقد أعصابنا. لكن الفرق إننا بقينا نعرف نرجع. لو حسام غلط، يقول. لو أنا غلطت، أقول. لو هو محتاج راحة، يطلب. ولو أنا محتاجة راحة، أطلب. والأهم إن محدش بقى يستخدم المسؤولية كسلاح ضد التاني.
مرة، بعد سنة تقريبًا، كنت تعبانة جدًا. البنات كانوا بيجروا في البيت. وأنا كنت عاملة الغدا وحاسّة إني مش قادرة أقف. دخل حسام. بصلي. وقال إنتِ تعبانة. قلت شوية. قال روحي نامي. قلت الغدا. أنا هعمله. إنت بتعرف؟ بصلي بثقة. هتعلم. ضحكت. آخر مرة عملت مكرونة حطيت عليها سكر. قال كنت بجرب. جربت كتير. ضحك. وبعدين قرب مني. روحي نامي. المرة دي ما اعترضتش. دخلت الأوضة. وقبل ما أنام سمعت البنات بيضحكوا معاه. وغمضت عيني. وأنا مطمنة. بعد ساعتين صحيت. خرجت. لقيت المطبخ مقلوب. الدقيق على الأرض. المكرونة زيادة عن اللزوم. والبنات قاعدين على الكرسي بياكلوا. حسام واقف بيحاول ينضف. بصلي. وقال ما تتكلميش. ضحكت. مش هتكلم. الغدا طلع حلو. دوقت. وسكت. قال حلو؟ قلت مقبول. مريم! ضحكت. حلو. قال الحمد لله. وبعدين بصلي. نمتي؟ أيوه. كويس.
وقتها فهمت إن الحب مش دايمًا بييجي في شكل كلام كبير. أحيانًا بييجي في طبق مكرونة ملخبط. أو رضعة متحضرة. أو حفاضة متغيرة. أو حد يقولك روحي نامي، أنا هتصرف.
وفي مرة تانية، عمي صبري جه يزورنا. دخل وقعد على كرسيه المفضل. حسام بصله وقال لسه؟ عمي صبري قال ده كرسيي. حسام ضحك. إنت استولىت عليه رسمي. أنا اللي كنت موجود لما إنت كنت في شرم. حسام بصلي. وقال كل ما حد يجيب سيرة السفر ده، يحسسني إني ارتكبت جريمة. صبري ضحك. إنت اللي عملت لنفسك كده. قعدنا كلنا. عمي صبري كان بيبص للبنات وهما بيلعبوا. وقال أنا مبسوط. حسام سأله ليه؟ علشان البيت ده بقى فيه صوت. هو كان ساكت؟ كان فيه صوت، بس مكنش فيه روح. سكتنا. صبري بص لحسام. وقال أنا كنت زعلان منك سنين. حسام قال عارف. بس لما شوفتك بتشيل بنتك أول مرة، حسيت إن الولد اللي كنت أعرفه رجع. حسام ابتسم. أنا كنت تايه. كلنا بنتوه. وبصلي. المهم نعرف نرجع.
الجملة دي فضلت في دماغي. المهم نعرف نرجع. يمكن دي كانت خلاصة كل اللي حصل. مش إننا ما نغلطش. ولا إننا ما نتعبش. ولا إن حياتنا تبقى من غير مشاكل. المهم لما نتوه نعرف نرجع.
وبعد كام سنة، البنات بقوا في الحضانة. وأنا رجعت أشتغل من البيت. وحسام بدأ يشتغل على مشروع صغير جنب شغله. الحياة بقت مليانة مسؤوليات. لكن بقت مليانة شراكة برضه.
وفي يوم كنت قاعدة قدام اللابتوب، والبنات نايمين، وحسام دخل. حط كوبايه قهوة جنبي. بصيتله. دي ليا؟ قال أيوه. إنت عملتها؟ أيوه. دوقتها. كانت حلوة. قلت اتعلمت. قال من أربع سنين. ضحكت. أربع سنين؟ آه. وبعدين قعد جنبي. قال فاكرة أول قهوة؟ ضحكت. اللي سخنتها مرتين؟ أيوه. فاكرها؟ عمري ما هنساها. سكت. وبعدين قال أنا مش عايز أنسى اليوم ده. ليه؟ علشان كل ما أفتكر قد إيه كنت غلطان، أعرف قد إيه اتعلمت. حطيت إيدي على إيده. المهم إنك اتعلمت. قال وإنتِ كمان. أنا؟ آه. اتعلمت إيه؟ قال إنك مش لازم تستحملي كل حاجة علشان تثبتي إنك قوية. سكت. دي كانت أكتر جملة لمستني. لأني فعلًا قضيت سنين فاكرة إن السكوت قوة. وإن التحمل قوة. وإن إني ما أطلبش حاجة قوة. لكن الحقيقة إن القوة أحيانًا تكون في إنك تقول أنا تعبانة. أنا محتاجة مساعدة. أنا مش قادرة. وأنا مش هكمل بالشكل ده. مش كل اعتراض خناقة. ومش كل طلب أنانية. ومش كل مساعدة ضعف. ومش كل تنازل حب. الحب الحقيقي لازم يكون فيه احترام. وفيه رحمة. وفيه مشاركة. وفيه خوف على بعض. وفيه اعتراف بالغلط.
في آخر اليوم، دخلت أوضة البنات. لقيت حسام قاعد بينهم بيحكيلهم حكاية. قال كان يا ما كان، في مرة بابا كان مسافر قاطعت حسام! ضحك. البنات ضحكوا. قال إيه؟ إنت هتحكي لهم الحكاية دي؟ قال طبعًا. بلاش. ليه؟ كبروا شوية. أنا عايزهم يعرفوا. قعدت جنبهم. يعرفوا إيه؟ قال إن باباهم كان فاكر نفسه فاهم الدنيا. ضحكت. وبعدين؟ وبعدين اكتشف إن ماما كانت فاهمة أكتر منه. قلت أنا ما كنتش فاهمة أكتر منك. قال إنتِ كنتِ عارفة حاجة أنا ما كنتش عارفها. إيه؟ بص للبنات. إن البيت مش بيتبني بالفلوس بس. البنات ما فهموش. لكن أنا فهمت.
بعد ما ناموا، خرجنا من الأوضة. وقفنا عند باب الشقة. نفس الباب اللي خرج منه حسام في اليوم القديم. بص له. وقال أنا فاكر اللحظة دي. أنا كمان. كنت فاكر إني خارج أرجع بعد أربع أيام وأكمل حياتي. وأنا كنت فاكرة إني هفضل أربع أيام أعد الساعات. وطلعنا الاتنين غلط. قلت أيوه. أنا رجعت بعد أربع أيام. بس ما رجعتش نفس الشخص. ولا إنتِ. ابتسمت. يمكن دي كانت الحكمة. إيه؟ إن بعض الناس لازم يبعدوا خطوة علشان يشوفوا الصورة كاملة. سكت. وبعدين قال بس أنا مش عايز أبعد تاني. ضحكت. مش لازم. إلا لو شغل. آه، الشغل حاجة تانية. بس حتى لو سافرت. نعم؟ هسأل. هتسأل إيه؟ قال إنتِ محتاجة إيه؟ ابتسمت. هقولك. وهسمع. اتفقنا. وبعدين مد إيده. مسكتها. دخلنا. وقفلنا الباب.
لكن المرة دي ما كانش باب بيت اتقفل على زوجة لوحدها وأب مسافر. كان باب بيت اتقفل على أسرة كاملة. على أم وأب عرفوا إنهم مش خصوم. وعلى بنتين صغيرين كبروا وهم شايفين إن أبوهم بيشارك أمهم، مش بيأمرها. وعلى رجل كبير اسمه صبري، كان سبب في إن حسام يفتكر إن العيلة مش دم وبس، العيلة كمان مواقف.
وفي النهاية، أنا ما احتجتش أنتقم من حسام. وما احتجتش أسيبه علشان أثبت له قيمتي. وما احتجتش أعمل حاجة تندمه. أنا عملت حاجة أبسط. سمعت كلامه. وقال لي دبري نفسك. فدبرت نفسي. لكن وأنا بدبر نفسي، اكتشفت إني مش مضطرة أعيش لوحدي. واكتشفت إن فيه ناس ممكن تسندني. واكتشفت إن اللي بيحبني فعلًا مش هيزعل من إني أطلب المساعدة.
وحسام اكتشف هو كمان حاجة أهم. إن الست اللي جنبك مش خدامة. مش موظفة. مش آلة. ومش مسؤولة لوحدها عن الأطفال والبيت والأكل والنوم وكل حاجة. هي إنسانة. بتتعب. وبتفرح. وبتخاف. وبتحتاج حضن. وكلمة. ويد تساعدها. ومن يومها، لما كنت أتعب، ما بقيتش أستخبى في البانتري وأعيط. كنت أقول حسام، أنا تعبانة. وكان يرد روحي ارتاحي. ولما هو يتعب، كان يقول مريم، أنا مضغوط. فكنت أقول تعالى نقعد. مش لأننا بقينا كاملين. لكن لأننا بقينا فاهمين.
وفي ليلة من الليالي، بعد ما البنات ناموا، حسام قال لي أنا عايز أقولك حاجة أخيرة عن اليوم ده. قلت قول. قال لو كنت أعرف إن أربع أيام هتغيرني بالشكل ده، كنت هخاف من السفر أكتر. ضحكت. كنت هتلغيه؟ قال كنت هلغيه من غير ما أفكر. قلت ليه؟ بصلي وقال علشان مفيش رحلة في الدنيا تستاهل إني أرجع ألاقيك محتاجة وأنا مش موجود.
قربت منه. بس أنت ما رجعتش متأخر. إزاي؟ رجعت بعد أربع أيام. بس؟ أيوه. إنتِ متأكدة؟ ابتسمت. أيوه. طب وأنا رجعت إمتى بقى؟ بصيت في عينه. وقلت يوم ما دخلت من الباب وشفت عمي صبري قاعد مكانك. ضحك. يعني عمي هو اللي رجعني؟ يمكن. أنا كنت فاكره إنه هيطردني. ضحكت. هو ما طردكش. بس خلاني أفهم. وأنا كمان. سكتنا. وبعدين حضني. وقال ربنا يخليكي ليا. قلت ويخليك للبنات. قال وليكِ.
وساعتها بس عرفت إن بعض الحكايات ما بتنتهيش لما المشكلة تخلص. الحكاية الحقيقية بتبدأ بعد المشكلة. لما كل واحد يقرر هو هيعمل إيه بالدرس اللي اتعلمه. حسام اختار إنه يتغير. وأنا اخترت إني ما أسكتش. والاتنين اخترنا إن بيتنا يستحق فرصة. وعلشان كده، لما افتكرت بعد سنين الجملة اللي بدأت بيها كل الحكاية إنتِ اللي اخترتي تبقي أم، يبقى ابتدي اتصرفي كأم ودبري نفسك. ما بقتش بسمعها
بنفس الطريقة. لأني عرفت إن في أوقات الإنسان بيقول كلمة وهو مش فاهم حجمها. ويمكن حسام نفسه ما كانش يعرف إن جملته دي هتغير حياته. لكنها غيرته. وغيرتني. وغيرت بيتنا.
ومن بعدها، كل ما حد يسألني إيه أكتر يوم غير حياتك؟ ما بقولش يوم جوازنا. ولا يوم ولادة البنات. ولا يوم رجع حسام من السفر. بقول اليوم اللي حسيت فيه إني لوحدي. لأن في اليوم ده بالذات، اكتشفت إني مش لازم أفضل لوحدي. اكتشفت إن المساعدة مش عيب. وإن الكلام مش ضعف. وإن الحدود مش قسوة. وإن الإنسان ممكن يبدأ من جديد وهو لسه جوه نفس البيت. وممكن جوازة كاملة تتغير من جملة غلط، لو الطرفين قرروا يتعلموا بدل ما يكابروا.
أما حسام، فكل ما يشوف كرسيه المفضل فاضي، يضحك ويقول ده كرسي عمي صبري. وأنا أقول له ما أنت اللي خليته كرسيه. فيرد لا، إنتِ اللي خليتيه شاهد على اليوم اللي اتعلمت فيه معنى البيت. وأنا أضحك. لأن الكرسي فعلًا فضل موجود. نفس الكرسي. نفس البيت. لكن الناس اللي حواليه اتغيروا. واللي كان زمان مكان بيقعد عليه حسام لوحده، بقى ذكرى بتفكرنا إن البيت مش ملك شخص واحد. البيت مكان يتسع للكل. للتعب. للخلاف. للاعتذار. للمساعدة. للضحك. للأطفال. وللحاجات الصغيرة اللي بتخلي الإنسان يحس إنه في أمان.
وفي آخر كل يوم، لما البنات يناموا، كنت أبص لحسام وأقول تصبح على خير. وكان يرد وإنتِ من أهله. وبعدين يسألني نفس السؤال اللي بقى جزء من حياتنا محتاجة حاجة؟ فكنت أقول لا. وبعدين أبتسم وأضيف بس خليك هنا. فيقول أنا هنا. ودي كانت كفاية. لأن في النهاية، أنا ما كنتش محتاجة حد ينقذني. كنت محتاجة شريك. وهو ما كانش محتاج زوجة تستحمل كل حاجة. كان محتاج يتعلم إنه شريك. واتعلمنا إحنا الاتنين.
ويمكن ده كان أعظم شيء خرجنا بيه من الأربع أيام دول. إن الجواز مش إنك تلاقي شخص ما يتعبش. الجواز إنك تلاقي شخص لما تتعب، ما يسيبكش. ولما يقع، ما تسيبوش. ولما تختلفوا، ما تهدوش كل اللي بنيتوه. ولما تغلطوا، تعترفوا. ولما تتعبوا، تتكلموا. ولما الحياة تضغط عليكم، تفتكروا إنكم في صف واحد. مش كل واحد ضد التاني.
وفي النهاية، حسام ما احتاجش يرجع يفتح باب البيت علشان يعرف اللي حصل. لأنه من اليوم ده، بقى كل ما يفتح باب البيت يعرف بالضبط هو داخل على إيه. داخل على بيته. على بناته. على مراته. على مسؤوليته. وعلى المكان اللي ما بقاش مجرد شقة. بقى عيلة. وبقيت أنا مريم. مش الست اللي استنت جوزها يرجع. ولا الست اللي حاولت تنتقم منه. ولا الست اللي انهارت لما سافر. أنا الست اللي اتعلمت تقول أنا تعبانة. والست اللي عرفت تقول أنا محتاجة مساعدة. والست اللي لما جوزها قال لها دبري نفسك. دبرت نفسها فعلًا. لكنها في الطريق علمته هو كمان إزاي يدبر نفسه. وإزاي يبقى أب. وإزاي يبقى زوج. وإزاي يبقى موجود.
ومن يومها، لما حسام يسألني إنتِ اخترتي تبقي أم؟ أبصله وأقول أيوه. فيقول وأنا اخترت أبقى أبوهم. وأقول يبقى نربيهم سوا. فيبتسم. ويقول سوا.
وكانت الكلمة دي هي النهاية الحقيقية لكل اللي حصل. مش انتصار مريم على حسام. ولا انتصار حسام على مريم. لكن انتصار بيت كامل على فكرة إن واحد لازم يشيل لوحده. ومن ساعتها، ما بقاش عندنا مسؤوليتي ومسؤوليتك. بقى عندنا مسؤوليتنا. ويمكن دي كانت أول مرة فعلًا أحس إن الجواز بدأ يومها من جديد. مش يوم كتبنا الكتاب. لكن يوم فهمنا معنى إننا اتنين. اتنين في التعب. اتنين في الفرح. اتنين في الخوف. اتنين في التربية. اتنين في البيت. واتنين في الحياة.
ولما أفتكر دلوقتي صوت المفتاح وهو بيدخل في باب الشقة بعد الأربع أيام، وأفتكر حسام واقف قدام عمي صبري ومش فاهم، ببتسم. لأن أكتر حاجة كانت مخوفاه وقتها، الراجل اللي كان قاعد على كرسيه المفضل، طلع مش هو المشكلة. المشكلة الحقيقية كانت إن حسام لأول مرة شاف بعينه إن البيت قدر يكمل من غيره. وده اللي خلاه يفهم بعدها إن البيت مش محتاج وجوده علشان يفضل واقف. البيت محتاجه علشان يبقى أب. والفرق بينهم كبير.
ومن يومها، حسام ما بقاش يسأل البيت محتاج إيه؟ بقى يسأل إنتوا محتاجين إيه؟ وأنا ما بقيتش أخاف أجاوب. لأني عرفت إن الإجابة مش هتكون عبء عليه. هتكون مشاركة.
وفي آخر ليلة من كل سنة، لما نقعد نفتكر اللي حصل، حسام دايمًا يقول أنا مدين لأربع أيام. وأنا أقول وأنا مدينة لنفسي. فيضحك ويسألني لنفسك ليه؟ أقول علشان في اليوم اللي كنت فاكرة إني هقع فيه، اكتشفت إني أقدر أقف. وبعدين أبص للبنات وأقول بس دلوقتي مش محتاجة أقف لوحدي. فيبصلي حسام. ويمد إيده. وأمسكها. ونقفل النور. ونسيب البيت هادي. لأننا أخيرًا فهمنا إن الهدوء مش معناه إن مفيش مشاكل. الهدوء معناه إنك عارف إن حتى لو حصلت مشكلة، فيه حد هيكون جنبك. وفيه بيت ترجع له. وفيه إيد تمسك إيدك. وفيه صوت يقول أنا هنا. وكان صوت حسام في كل مرة بيقولها، بيخليني أفتكر أول مرة خرج فيها من الباب. وأفتكر قد إيه كنت خايفة. وقد إيه كنت منهارة. وقد إيه كنت فاكرة إن الأربع أيام هتكون أطول أيام حياتي. لكنها عدت. وعدى بعدها سنين. وكبروا البنات. وكبرنا إحنا معاهم. واتعلمنا. وغلطنا. واتصالحنا. وعشنا. وفي الآخر، كل اللي فضل من اليوم ده جملة واحدة أنا هنا. ويمكن دي كانت كل اللي محتاجاه من البداية.

تم نسخ الرابط