اخترت أكون أم

لمحة نيوز

اللي كنت فاكرة في بدايتها إني لازم أعيشهم بأي شكل. لكنهم في النهاية كانوا الأربع أيام اللي غيروا شكل بيتنا كله. لأن حسام لما رجع، ما لقيش زوجته منهارة ومستنية منه ينقذها. لقى زوجته واقفة. وأم بناته واقفة. وبيت كامل واقف. وعمه قاعد على كرسيه المفضل. ومن يومها، الكرسي ده ما بقاش بتاع حسام لوحده. بقى مكان بيقعد عليه كل حد ساعد البيت ده يفضل واقف. وعمي صبري كان أول واحد.
وفي ليلة هادية بعد سنتين، كنا قاعدين كلنا في الصالة. ليلى كانت بتذاكر. وفاطمة كانت بتلون. وحسام في المطبخ بيحاول يعمل العشا. وفجأة نادى مريم! قلت نعم؟ قال أنا محتاج مساعدة. ضحكت. ورديت عليه دبّر نفسك يا حسام. سكت ثانيتين. وبعدين سمعت ضحكته العالية. وقال لأ يا ستي، اتعلمت الدرس.
دخل الصالة. وشاور على المطبخ. وقال أنا بطلب المساعدة أهو. قمت وأنا بضحك. ولما دخلت المطبخ، لقيته حاطط طبق كبير على السفرة. بصلي وقال إيه رأيك؟ قلت كويس. كويس بس؟ ممتاز. ابتسم. وقال كده أحسن.
وبص للبنات. وبعدين بصلي. عارفة؟ إيه؟ أنا كل ما أفتكر اليوم ده بحمد ربنا إنك ما سمعتينيش بس. قلت سمعتك. أمال؟ قلت نفذت كلامك بالطريقة اللي فهمتك بيها إن البيت مش بيتبني بشخص واحد. سكت. وبعدين قال وأنا اتعلمت. قرب مني. وقال بس في حاجة واحدة لسه مضايقاني. إيه؟ إن عمي صبري لحد دلوقتي بيقول إن كرسيي بقى كرسيه. ضحكت. ومن الصالة سمعنا صوت عمي صبري علشان هو فعلًا بقى كرسيي! حسام صرخ عمي! ضحكنا كلنا.
وفي اللحظة دي عرفت إن بعض الأزمات مش بتيجي علشان تهد البيت. أحيانًا بتيجي علشان تكشف لك مين شايل البيت معاك. ومين كان واقف جنبك من غير ما تتوقعي. ومين لازم يتعلم. ومين لازم يعتذر. ومين لازم يفهم إن الأم مش آلة. وإن الأب مش ماكينة فلوس. وإن البيت مش مكان كل واحد فيه يعمل اللي عليه وخلاص. البيت شراكة. والأطفال مسؤولية. والحب مش كلمة بتتقال قبل ما تقفل الباب وتمشي. الحب الحقيقي هو إنك تفضل موجود لما اللي قدامك يكون تعبان. هو إنك تشيل بنتك لما أمها ما تبقاش قادرة. هو إنك تقول لمراتك نامي وأنا هتصرف. وهو إنك لما تكتشف إنك غلطت، ما تدورش على ألف مبرر. تقول ببساطة أنا غلطت. وبعدين تثبت إنك فهمت.
أما أنا، فكل ما حد يسألني إيه اللي حصل في الأربع أيام اللي حسام سافرهم، بقول نفس الجملة أنا ما عملتش حاجة خارقة. أنا بس دبرت نفسي. بس الحقيقة إن الأربع أيام دول علموني إن الست ممكن تكون مرهقة جدًا ومع ذلك تقدر تقف. لكن ده مش معناه إنها لازم تقف لوحدها. وعلموا حسام إن وجود الأب مش رفاهية. وإن المسؤولية مش بتتقسم حسب مين عنده شغل ومين قاعد في البيت. وعلمونا إحنا الاتنين إن الجواز مش إن واحد يأمر والتاني ينفذ. الجواز إن اتنين يتعبوا. واتنين يساعدوا بعض. واتنين يعتذروا. واتنين يكملوا.
وفي آخر الليل، لما البنات ناموا، حسام وقف عند باب أوضتهم وبص عليهم. وبعدين رجعلي. قال مريم. نعم؟ لو رجع بي الزمن لليوم ده، كنت هسافر؟ بصيتله شوية. وبعدين قلت إنت عارف الإجابة. هز راسه. أيوه. قرب مني. وقال بس لو رجع الزمن، كنت هعمل حاجة تانية. إيه؟ كنت هقعد جنبك الساعة ٧ الصبح. وبعدين؟ أشيل واحدة من البنات. وبعدين؟ وأقولك نامي. ابتسمت. وبعدين؟ ابتسم. وأعمل قهوة جديدة بدل اللي سخنتيها مرتين. ضحكت.
ولأول مرة من سنين، حسيت إن الجملة اللي بدأت بيها الحكاية ماتت. لأن الراجل اللي قال لي إنتِ اللي اخترتي تبقي أم، دَبري نفسك. بقى هو نفسه الراجل اللي بيصحيني الساعة ٦ الصبح ويقول نامي إنتِ، أنا واخد البنات النهارده.
وساعتها بس فهمت إن الأربع أيام ما غيرتش حياتي أنا لوحدي. هي غيرت حسام كمان. وأحيانًا الإنسان مش محتاج يخسر بيته علشان يعرف قيمته. محتاج بس يبص حواليه قبل ما البيت يوصله لمرحلة ما يعرفش يرجع منها. وحسام لحق. وأنا كمان لحقت. والبنتين كبروا وسط أب وأم اتعلموا إن أقوى بيت مش البيت اللي مفيهوش مشاكل. أقوى بيت هو اللي لما تحصل فيه مشكلة، أهله يقرروا يصلحوها بدل ما يسيبوا بعض.
ومن يومها، كل ما حسام يسافر في شغل، قبل ما يقفل باب البيت، كان يقف عند الباب ويسألني إنتِ محتاجة حاجة؟ وأنا أقول أيوه. فيقول إيه؟ أرد ترجع بالسلامة. فيبتسم ويقول هارجع. وفعلًا كان بيرجع. مش بس للبيت. كان بيرجع لينا.
بعد ما قفلت باب البلكونة ودخلت الصالة، لقيت حسام لسه واقف مكانه وباصص ناحية أوضة البنات. كان واقف ساكت. والغريب إن سكوت حسام المرة دي ماكانش سكوت غضب ولا عناد ولا هروب. كان سكوت واحد بيفكر. قربت منه وقلت مالك؟ لف وبصلي. ولا حاجة. أمال واقف كده ليه؟ ابتسم ابتسامة صغيرة. وقال بحاول أفتكر أنا كنت بفكر إزاي زمان. ضحكت. قبل ما تتعلم؟ هز راسه. قبل ما أفهم.
قعد على طرف الكنبة. وقال مريم، أنا ساعات بحس إن اليوم اللي سافرت فيه ده كان أغبى يوم في حياتي. قعدت جنبه. يمكن. بس في نفس الوقت كان أكتر يوم علمني. إزاي؟ سكت شوية. لأني لما رجعت وشفت عمي صبري قاعد هنا، افتكرت إنك عملتي حاجة علشان تغيظيني. بصيتله. وطلعت؟ طلعتِ كنتِ بتحاولي تنقذي نفسك. سكت. ودي كانت أول مرة أفهم إن الإنسان لما يوصل لآخر طاقته، مش بيكون محتاج حد يقوله استحمل. بصلي. بيكون محتاج حد يشيل معاه. ما رديتش. لأني كنت عارفة إن الجملة دي لوحدها كانت كفاية.
حسام مد إيده ومسك إيدي. أنا آسف. قلت عارفة. بس أنا لسه بحس إني لازم أقولها. قولها لو محتاج. قال آسف يا مريم. سكت. آسف على كل مرة رجعت فيها البيت وأنا شايف التعب في عينيكي واعتبرته حاجة عادية. سكت. آسف على كل مرة كنت بتكلم عن شغلي كأنه أهم من شغلك في البيت. دموعي بدأت تنزل. وآسف إني كنت فاكر إنك طول ما إنتِ في البيت يبقى إنتِ مرتاحة. مسحت دموعي. وقلت وأنا كمان غلطت. بصلي باستغراب. إنتِ؟ هزيت راسي. أيوه. في إيه؟ إني كنت بسكت كتير. ليه؟ علشان كنت بخاف إن كلامي يتحول لخناقة. وطلع السكوت عمل إيه؟ قلت خلاني أوصل لمرحلة ما بقيتش عارفة أطلب فيها المساعدة غير بعد ما انهرت.
سكت. قال يبقى نتفق. على إيه؟ مفيش سكوت لحد الانفجار. ضحكت. يعني لو أنا تعبانة أقول. ولو أنا تعبان أقول. ولو حد فينا زعلان؟ يتكلم. ولو اختلفنا؟ نختلف. وبعدين؟ نرجع نتكلم. ابتسمت. ولو اتخانقنا؟ قال نخلي البنات بعيد. هزيت راسي. اتفقنا.
وفجأة سمعنا صوت حاجة وقعت في أوضة البنات. قمنا إحنا الاتنين في نفس اللحظة. دخلنا. لقينا ليلى واقفة جنب السرير، وفاطمة قاعدة على الأرض، واللعبة وقعت جنبها. حسام شال فاطمة. وأنا شلت ليلى. قالت ليلى بابا. حسام وقف مكانه. بصلي. سمعتي؟ ضحكت. أيوه. قالت بابا. عارفة. حضنها. وقعد على الأرض. كانت أول كلمة واضحة تقولها له. فضل يضحك وهي بتبصله مستغربة. قال قوليها تاني. سكتت. بابا. ضحكت. بابا. قربها من وشه. أنا هنا. الجملة دي هزتني من جوايا. أنا هنا. يمكن دي كانت الجملة اللي كنت محتاجاها من زمان. مش أنا بحبك. ولا أنا تعبان. ولا عندي شغل. ولا بعد أربع أيام. كنت محتاجة أسمع أنا هنا.
فضلنا قاعدين على الأرض وسط الألعاب. حسام كان ماسك فاطمة. وأنا ماسكة ليلى. وفجأة قال تفتكري هما لما يكبروا هيبقوا فاكرين اليوم ده؟ قلت لا. طب إحنا هنحكي لهم؟ ابتسمت. يمكن. أنا هحكيلهم. بصيتله. هتحكيلهم إيه؟ قال هقول لهم إن أبوهم كان غبي. ضحكت بصوت عالي. حسام! قال دي الحقيقة. ما تقولش لبناتك إن أبوهم غبي. هقول لهم كان غبي واتعلم. بصيتله. قال وهقول لهم إن أمهم كانت أقوى واحدة شفتها في حياتي. قلت بلاش. ليه؟ علشان أنا مش عايزة بناتي يتعلموا إن الست لازم تبقى قوية طول الوقت. سكت. كملت عايزة يتعلموا إن من حقها تتعب. حسام هز راسه. صح. وعايزة يتعلموا إن من حقها تقول لأ. صح. وإن من حقها تطلب مساعدة. صح. وإن الجواز مش معناه إن طرف يشيل والتاني يتفرج. صح. ابتسم. إنتِ بتدي
تم نسخ الرابط