اخترت أكون أم
اخترت أكون أم
جوزي بصلي في وشي وأنا بالعافية واقفة على حيلي من قلة النوم وقاللي إنتِ اللي اخترتي تبقي أم، يبقى ابتدي اتصرفي كأم ودبري نفسك. بعد أربع أيام بس هيرجع يفتح باب بيتنا ويكتشف إني فعلًا عملت اللي قاله بالحرف بس بطريقة عمره ما كان يتخيلها. والراجل اللي كان قاعد مستنيه على كرسيه المفضل ماكانش غير بداية اللي حسام كان على وشك يفهمه. أنا اسمي مريم واليوم اللي حسام استهان بيا فيه كان هو نفس اليوم اللي دمر فيه شكل جوازنا اللي كان فاكر إنه هيستحمل أي حاجة.
يوم الخميس بدأ الساعة ٤١٧ الفجر لما ليلى صحيت تصرخ. وبعدها الساعة ٥٠٢ فاطمة صحيت وبدأت تعيط هي كمان. لحد الساعة سبعة كنت غيرت خمس حفاضات وغسلت تلات ببرونات وشغلت الغسالة وسخنت نفس فنجان القهوة مرتين وعيطت مرة واحدة في البانتري علشان محدش يشوفني. وبعدها حسام نزل من فوق. مستحمي. حالق دقنه. وريحته كلها برفان غالي. شنطته كانت محطوطة جنب باب الشقة. بصيت لها. وقلتله إنت فعلًا هتسافر؟ قاللي مريم إحنا اتكلمنا في الموضوع ده قبل كده. لأ. هو اللي كان بيتكلم. رحلة البحيرة كان حاجزها من حوالي سنة تقريبًا قبل ما نعرف أصلًا إن في قلبين صغيرين ظاهرين في السونار. أربع أيام في شرم الشيخ مع تلاتة من أصحابه من أيام الجامعة. صيد. وخروجات. وسهر. ومن غير زوجات. ومن غير أطفال.
لما البنات اتولدوا كنت متأكدة إنه هيلغي الرحلة. ولما بقوا عندهم تلات شهور بطلت أتوقع وبدأت أسأله بشكل مباشر. وفي كل مرة كان بيرد ويقول نشوف الدنيا هتبقى عاملة إزاي وقتها. ودلوقتي إحنا عرفنا الدنيا عاملة إزاي. ليلى عندها ارتجاع وبدأت تسنن بدري. وفاطمة بعد ما كانت بتنام خمس ساعات متواصلة بقت تصحى كل ساعتين تقريبًا. وأنا كنت مرهقة لدرجة إني كنت هنام وأنا قاعدة وأنا برضع فاطمة الساعة تلاتة الفجر.
بصيت لحسام وقلتله حسام أنا بطلب منك ماتسافرش. اتنهد وقال أنا دفعت نصيبي خلاص. قلتله أنا مش فارق معايا الفلوس. قال بقالنا سنتين مااتجمعناش كلنا سوا. في اللحظة دي ليلى عيطت من الصالة. غمضت عيني. وقلتله أنا بجد مش عارفة هقدر أعمل الأربع ليالي لوحدي دلوقتي ولا لأ. المفروض الكلام ده كان يكفي. بس ماكفاش. قال دول عيال صغيرة يا مريم. بصيتله. وقلت أنا عارفة. قال أمي كانت بتربي تلات عيال. قلتله وأمك كان معاها أبوك.
بص على ساعة الميكروويف. العربية اللي هتيجي تاخده هتوصل بعد اتناشر دقيقة. قال عايزاني أعمل إيه؟ أكلم أصحابي الصبح وأقولهم مش هقدر أروح علشان مراتي تعبانة؟ الطريقة اللي قال بيها كلمة تعبانة خلت حاجة جوايا تبرد. قلتله أنا عايزاك تقول إن بنتينك اللي عندهم ست شهور محتاجين أبوهم وأمهم جنبهم دلوقتي. رد بمنتهى البرود دي أربع أيام بس. قلت عارفة. قال إنتِ تقدري تستحملي الأربع أيام. بصيتله وقلت أنا بقولك إني مش متأكدة إني أقدر.
شد فكه بعصبية. وبعدين شال شنطته. وقاللي إنتِ اللي اخترتي تبقي أم. مسك الشنطة وقال يبقى ابتدي اتصرفي كأم ودبري نفسك. ما رديتش. في اللحظة دي سمعنا كلاكس العربية برا. قال بصي أنا ماكنتش أقصد قاطعته بهدوء عربيتك وصلت. قرب من البنتين وباسهم. وبعدين باسني على خدي. وقال أنا بحبك. ما رديتش. باب الشقة اتقفل.
وبعد تلاتين ثانية بس ليلى بدأت تصرخ. وفاطمة لحقت بيها. وأنا وقفت بين سريرين البنات وأنا شايلة كل واحدة في دراع وببص من الشباك على عربية صاحب حسام وهي بتبعد في الشارع.
أربع أيام عدوا. وفي اليوم الرابع بالليل نور العربية انعكس على حيطة الصالة. باب العربية اتقفل. والمفتاح دخل في كالون باب الشقة. حسام دخل وهو بيبتسم. لكن أول ما رفع عينه شاف راجل قاعد على كرسيه المفضل وشايل واحدة من بناته وهي نايمة على صدره. الشنطة وقعت من إيده. وقال بصوت مليان صدمة مين ده؟
الراجل رفع راسه وبصله. ملامح حسام اتغيرت في لحظة. لأنه كان عارفه كويس جدًا. قال حسام بصوت واطي عمي صبري؟! الراجل قام من على الكرسي بهدوء وهو لسه شايل ليلى. وقال أيوه يا حسام. حسام فضل واقف مكانه كأنه مش قادر يستوعب. بصلي. وبعدين بص لعمه. وقال إنتِ جبتيه هنا؟ رديت بهدوء أيوه. إزاي؟ ببساطة. ببساطة إيه يا مريم؟! قرب خطوة. إنتِ عارفة إن عمي صبري مش بيدخل بيتنا من سنين.
عمه بص له وقال وأنا ما دخلتش غير لما مريم طلبت مني. حسام لف ناحيتي. إنتِ اتصلتي بيه؟ هزيت راسي. أيوه. ليه؟ بصيت على ليلى اللي كانت نايمة في حضن عمها. وقلت علشان إنت قلتلي أدبر نفسي. سكت. وأنا كملت فدبرت نفسي.
حسام حط إيده على رأسه. مريم، إنتِ فاهمة إنتِ عملتي إيه؟ قلت فاهمة. إنتِ جبتي عمي هنا من غير ما تقوليلي؟ ابتسمت ابتسامة صغيرة. وإنت سافرت أربع أيام من غير ما تسألني أنا هعمل إيه. اتجمد مكانه.
عمه صبري مد إيده ناحية ليلى وقال هاتها يا مريم، أنا هحطها في سريرها. قلتله خليها شوية. وبعدين بصيت لحسام. إنت تعبان؟ قال بعصبية أنا؟! آه. أنا راجع من سفر. قلت عارفة. أربع ساعات على الطريق. قلت عارفة. وأول ما أدخل بيتي ألاقي راجل غريب قاعد على كرسيي؟ ضحكت لأول مرة من أربع أيام. وقلت هو مش غريب. عمه صبري ابتسم. وحسام قال بالنسبالي غريب. رد عمه بهدوء علشانك قاطعني من تمنتاشر سنة.
الصالة سكتت. حتى ليلى حركت راسها في حضن الراجل. حسام بصله. عمي إحنا مش هنفتح الكلام ده دلوقتي. قال صبري أنا ما فتحتش حاجة. وبصلي. مريم هي اللي طلبت مني أجيلها. حسام قرب مني. طلبتي منه يعمل إيه؟ قلت ولا حاجة. ولا حاجة؟ ساعدني. في إيه؟ في إن البيت يفضل واقف على رجليه. ضحك ضحكة قصيرة مليانة عصبية. أنا مش فاهم. قلت طبيعي. وسكت شوية. وبعدين قلت لأنك طول عمرك فاكر إن البيت ده واقف عليك لوحدك. اتغيرت ملامحه. قلت وأنا اكتشفت في الأربع أيام اللي فاتوا إنه واقف على حاجات كتير جدًا.
عمه صبري حط ليلى في سريرها. وفاطمة كانت نايمة في السرير التاني. البيت كان هادي. نضيف. مرتب. ريحة أكل طالعة من المطبخ. الغسيل متطبق. الأطباق متغسلة. الحفاضات متحطوطة في درج مخصوص. والرضعات متحضرة. حسام بص حوالين الصالة. وبعدين سأل إنتِ عملتي كل ده؟ قلت أنا وعمي صبري. قال عمي صبري؟ أيوه. هو قعد هنا الأربع أيام؟ أيوه. كل الأربع أيام؟ أيوه. سكت. وبعدين قال ومين كان بيجيب الأكل؟ قلت طلبنا. ومين كان بيهتم بالبنتين بالليل؟ قلت أنا وعمي صبري. إنتِ نمتي؟ بصيتله. وقلت آه. لأول مرة من شهور كنت أقدر أقولها بصدق. نمت.
حسام فضل باصصلي. يمكن لأول مرة شافني من غير ما يشوفني كجزء من أثاث البيت. شافني ست مرهقة. بس مش مكسورة. شافني أم. بس مش لوحدها. شافني إنسانة قدرت تنقذ نفسها من الانهيار لما هو قرر يسيبها.
عمه صبري لبس جزمته. وقال أنا هروح. حسام قال استنى. صبري وقف. حسام بصله وقال إنت ليه وافقت تيجي؟ قال علشان هي طلبت. بس أنا قاطعه إنت ما طلبتش مني حاجة يا حسام. سكت. صبري قرب منه. وقال بس افتكر حاجة. حسام رفع عينه. إيه؟ أبوك لما مات، إنت كنت عندك تمنتاشر سنة. ملامح حسام اتشدت. أنا فاكر. وأنا اللي وقفت جنبك. حسام ما ردش. وأنا اللي كنت بدفع مصاريف كليتك لما أمك كانت مش قادرة. فاكر. وأنا اللي كنت بوصلك الشغل أول سنة. فاكر. وبعدين حصلت خناقة بينا. حسام قال خلاف. صبري هز راسه. سمه زي ما تحب.
وبعدين بصلي. أنا مش جاي آخد مكان أبوها. بص لحسام. ولا جاي آخد مكانك. وسكت لحظة. أنا جيت علشان مريم ما كانتش عارفة تنام وهي شايلة بنتين، وإنت كنت في شرم بتتصور قدام البحر. حسام وشه احمر. عمي. أنا مش بهاجمك. بس بتلومني. أنا بوصف اللي حصل. حسام سكت. صبري فتح الباب. وقبل ما يخرج قال وأنت يا حسام، لو عايز تعرف مريم عملت إيه في الأربع أيام، اسألها. وبعدين خرج. الباب اتقفل.
فضلنا أنا وحسام لوحدنا. أو المفروض كده. لأن ليلى بدأت تتحرك. وفاطمة طلعت صوت صغير. حسام بص عليهم. وقلت ماتصحّيش فاطمة. قال هي محتاجة