اخترت أكون أم
المحتويات
إيه؟ قلت ممكن تجوع بعد شوية. طب أعمل إيه؟ الرضعة جاهزة في التلاجة. فتح بقه. وقبل ما يتكلم قلت تسخنها في طبق مية دافية. مش في الميكروويف. بصلي. وقال إنتِ بتتكلمي معايا كأني أول مرة أشوف بنتي. قلت لأنك أول مرة هتتعامل معاها لوحدك. الكلمة نزلت عليه تقيلة. مريم قاطعته أنا مش عايزة خناقة. وأنا كمان. يبقى اسمعني. سكت. أنا الأربع أيام دول عملت اللي طلبته مني. إزاي؟ دبرت نفسي. أنا شايف. لأ. بصيت في عينه. إنت لسه مش شايف.
وقفت. دخلت المطبخ. طلعت ورقة وحطيتها قدامه على الترابيزة. قال إيه دي؟ قلت جدول. جدول إيه؟ جدول البيت. بص في الورقة. كان فيها مواعيد الرضاعة. مواعيد النوم. الأدوية البسيطة اللي وصفها الطبيب لليلى. مواعيد التنضيف. أرقام تلات ستات من منطقتنا. رقم عم صبري. رقم والدتي. ورقم جارتنا أم أحمد.
قال إنتِ عملتي شبكة مساعدة؟ قلت أيوه. من إمتى؟ من أول يوم. مين قالك تعملي كده؟ قلت إنت. رفع عينه. أنا؟ أيوه. إمتى؟ لما قلتلي دَبّري نفسك. سكت. أنا فهمت كلامك حرفيًا. حسام قعد. حط إيده على جبهته. أنا كنت أقصد قاطعته عارفة كنت تقصد إيه. طب؟ كنت تقصد إن مسؤولية البنات مسؤوليتي. لا. كنت تقصد إن السفر أهم من إنك تقعد معانا. لا. كنت تقصد إن الأربع أيام مش مشكلة. أنا غلطت.
كانت أول مرة يقولها. ببساطة. من غير تبرير. ومن غير ما يضيف بعدها كلمة بس. أنا سكت. هو كمل أنا غلطت. قعدت قدامه. وأنا مش هطلب منك تعتذر عشان أسامحك. بصلي. أنا عايزة أعرف إنت فهمت إيه. قال إنك كنتِ تعبانة. بس؟ وإن البنات محتاجيننا. بس؟ هز راسه. وإن أنا اتعاملت مع الموضوع كأنه مشكلتك لوحدك. سكت. قلت كمل. قال وإن البيت ده مش فندق أرجعله وقت ما أحب. سكت. وإن وجودي مش مجرد فلوس ومصاريف. سكت. وبعدين قال وإنك مش خدامة عندي. كانت الكلمة الأخيرة صعبة عليه. لكن قالها. أنا بصيت في الأرض. لأني كنت مستنية الجملة دي من شهور. مش عشان أسمعها. عشان أصدق إنها وصلت له.
وفجأة ليلى بدأت تعيط. حسام قام بسرعة. أنا مدتش إيدي. قلت روح لها. راح. وقف جنب سريرها. حاول يشيلها. ليلى زادت في العياط. قال هي ليه بتعيط؟ قلت ممكن تكون جعانة. الرضعة؟ أيوه. راح المطبخ. فتح التلاجة. طلع الرضعة. بصلي. أحطها في طبق؟ هزيت راسي. حط مية دافية. فضل مستني. وبعدين اختبر حرارتها. رجع لها. قعد على الكنبة. وحاول يرضعها. ليلى كانت بتعيط. إيده اتوترت. قلت ارفع راسها شوية. عمل كده. بهدوء. عمل كده. وبعد دقايق سكتت. حسام بص للبنت. ولأول مرة من شهور، شفت عينه بتلمع. قال هي بتكبر. قلت أيوه. أنا فاتني كتير. أيوه.
مريم. نعم؟ أنا آسف. سكت. قال مش على السفر بس. بصيتله. على كل مرة سيبتك لوحدك وإنتِ محتاجاني. ما رديتش. وعلى كل مرة قلتلك دي مسؤوليتك. سكت. وعلى إني خليتك تحسي إنك لازم تثبتي إنك أم علشان تستحقي مساعدة. نزلت دمعة من عيني. مسحتها بسرعة. قال أنا عايز أصلح ده. قلت الإصلاح مش كلمة. عارف. ومش هيتصلح في ليلة. عارف. ومش هقبل إنك تبقى كويس أسبوع وبعدين نرجع لنفس الكلام. هز راسه. مش هرجع.
بصيت للبنتين. وبعدين قلت بكرة الصبح عندنا دكتور. ليلى؟ الاتنين. أنا هاجي. عندك شغل. هأجل. بصيتله. متأكد؟ قال أيوه. ولأول مرة ما حسيتش إنه بيعمل حاجة علشاني. حسيت إنه بيعمل حاجة علشان هو أبوهم.
الليلة دي كانت مختلفة. حسام نام في الصالة. مش لأنه طردته. هو اللي اختار. قال أنا عايز أصحى لو واحدة فيهم عيطت. قلت مش هتسمعهم. قال هتعلم.
وفعلًا. الساعة ١٤٠ بالليل، ليلى بدأت تعيط. حسام قام قبل ما أنا أفتح عيني. سمعته بيتخبط في الترابيزة. وقال آه آه حاضر. ضحكت وأنا مغمضة. راح للبنت. وبعد دقايق سمعت صوته مريم قلت نعم؟ هي عملت حفاضتها. غيرها. أنا مش عارف. فتحت عيني. وقلت تعالى. قال لأ. ليه؟ أنا اللي هعمل.
قمت. وقفت عند باب الصالة. وهو بدأ يحاول. اتلخبط. فتح الحفاضة بالعكس. قفلها غلط. البنت بدأت تضحك بطريقة الأطفال الصغيرة. حسام ضحك. وقال إنتِ بتضحكي عليا يا ليلى؟ بصيتله. وقلت دي أول مرة أشوفك بتغير حفاضة. قال آخر مرة مش هتكون. وفعلًا ما كانتش آخر مرة.
الأيام اللي بعدها بدأت تتغير حاجات صغيرة. حسام بقى بيرجع من الشغل بدري يومين في الأسبوع. وبقى يعرف مين ليلى ومين فاطمة من غير ما يسأل. بقى يعرف إن ليلى بتحب تنام على جنب معين. وإن فاطمة لما تتعب بتحرك إيدها اليمين. وبقى يحفظ مواعيدهم.
لكن أهم حاجة حصلت بعد أسبوع. حسام رجع من الشغل. وقال مريم. نعم؟ أنا عندي اقتراح. قول. أنا هجيب حد يساعدك. سكت. قال مش خدامة. عارفة. مساعدة منزلية كام ساعة في اليوم. مش محتاجة. إنتِ محتاجة. بصيتله. أنا مش هرفض المساعدة. ابتسم. يبقى اتفقنا. قلت بس بشرط. إيه؟ إنك تفضل أب. سكت. قلت المساعدة مش هتربي بناتك بدالك. قال ولا إنتِ هتربيهم بدالي. ابتسمت. اتفقنا.
ومرت الشهور. كنت فاكرة إن اللي حصل في الأربع أيام دي انتهى. لكن بعد حوالي شهرين، حسام دخل البيت ومعاه ظرف بني. قال مريم، محتاج أكلمك. قلبي اتقبض. في إيه؟ قعد. الشغل عندي حصل فيه مشكلة. مشكلة إيه؟ الشركة داخلة في إعادة هيكلة. يعني؟ ممكن أخسر منصبي. سكت. وممكن المرتب يقل. قربت منه. إنت خايف؟ قال أيوه. كانت أول مرة يقولها. قلت طب تعال. قعد جنبي. قلت فاكر لما قلتلي دَبري نفسك؟ ابتسم ابتسامة حزينة. فاكر. دلوقتي دوري أقولك نفس الجملة. بصلي. دبّر نفسك. ضحك. إنتِ بتنتقمي؟ ضحكت. لأ. وبعدين حطيت إيدي على إيده. بس المرة دي مش هتدبر نفسك لوحدك. بصلي. هنعملها سوا. سكت. وبعدين قال إنتِ عارفة إن أنا ما استاهلش واحدة زيك؟ هزيت راسي. ما تقولش كده. ليه؟ علشان أنا مش جايزة. ضحك. أومال إنتِ إيه؟ قلت شريكتك. فضل باصصلي. وقال أنا ضيعت سنتين وأنا فاكر إن الرجولة إني أجيب فلوس وأرجع البيت. قلت وإيه اللي اكتشفته؟ قال إن الرجولة إني أشيل مع اللي شايلني.
مرت سنة كاملة. ليلى وفاطمة بقوا يمشوا. البيت بقى مليان لعب. الحياة بقت أسرع. وأصعب. لكن ما بقيتش لوحدي.
وفي يوم عيد ميلاد البنات الأول، حسام عمل حاجة ما توقعتهاش. جمع أهله. وعمه صبري كان موجود. وأول ما شافه، راح حضنه. وقال سامحني. صبري ربت على ضهره. وقال أنا كنت مستنيك تقولها. حسام ضحك.
وبعدين بصلي. مريم. نعم؟ عايز أقول حاجة قدام الكل. بصيتله. قال من سنة أنا قلت لمراتي إنتِ اللي اخترتي تبقي أم، دَبري نفسك. الكل سكت. حسام كمل والحقيقة إن اللي كان محتاج يتعلم معنى الأبوة وقتها هو أنا. عمه صبري ابتسم. حسام قرب مني. وقال هي دبرت نفسها فعلًا. وبص للبنتين. بس بدل ما تسيبني وراها، علمتني ألحق بيها.
دموعي نزلت. ليلى كانت ماسكة بالونة. وفاطمة بتضحك. والبيت كله كان مليان صوت.
بعد الحفلة، لما الناس مشيت، قعدنا أنا وحسام في البلكونة. الليل كان هادي. قال فاكرة أول ليلة رجعت فيها؟ ضحكت. أنساها إزاي؟ أنا دخلت لقيت عمي قاعد على كرسيي. كان كرسيك فعلًا. لسه مش قادر أنسى منظري. ضحكت. كنت شبه واحد دخل بيته بالغلط. قال أنا فعلًا كنت داخل بيتي لأول مرة. بصيتله. يعني إيه؟ قال قبلها كنت فاكر البيت مكان برجعله. وسكت. بعدها فهمت إنه مكان أنا مسؤول عنه.
بصيت للبنات اللي نايمين جوه. قلت وإنت عرفت ليه عمي صبري كان موجود؟ قال أيوه. إيه؟ ابتسم. لأنك ما كنتيش بتعاقبيني. لأ. إنتِ كنتِ بتورييني إن الإنسان لما يرفض المساعدة، مش بيبقى أقوى. سكت. وأنا كنت فاكر إن طلب المساعدة ضعف. قلت وطلع إيه؟ قال الضعف إني أسيب اللي بحبهم محتاجين وأنا واقف أتفرج.
فضلنا ساكتين. وبعدين حسام قام. دخل الصالة. رجع بعد ثواني شايل فاطمة. قال هي صحيت. قلت هاتها. قال لأ. ليه؟ ابتسم. دوري. بصيتله. هتعمل إيه؟ قال أتصرف كأب. ضحكت. وهو رجع يقعد وهو شايلها.
في اللحظة دي افتكرت أول جملة قالها لي. افتكرت الساعة ٧ الصبح. افتكرت شنطته. افتكرت العربية وهي بتبعد. افتكرت دموعي وأنا واقفة بين سريرين. وافتكرت الأربع أيام. الأربع أيام
متابعة القراءة