حماتي استغلت تعب مراتي حكايات صافي هاني
وحسيت إن الغضب بيغلي جوايا؛ أمي ما كانتش صاحبة الخطة كلها، كانت جزء منها. لكن مين الرجل؟
فتشت في كل الأوراق لحد ما لقيت اسم متكرر اسم مؤسسة طبية، واتضح إن والد كلارا كان ليه علاقة بيها.
اتصلت بأمل وقلت أنا لقيت الاسم... المؤسسة اللي كان عم كلارا بيحول فلوس منها. سكتت ثم قالت إنت متكد؟ أيوه. يبقى إحنا لازم نروح هناك.
في اليوم التالي، أنا وأمل رحنا للمكان؛ دخلنا الاستقبال وطلبنا مقابلة المسؤول. بعد انتظار طويل، خرج رجل كبير في السن، وأول ما شافني قال إنت ابن إليانور؟
وقفت مكاني إنت تعرف أمي؟ أعرفها. مين إنت؟ أنا الدكتور اللي كان بيتابع حالة يوسف.
حسيت إني اتصدمت. أمل بصت لي. الدكتور قال أنا كنت فاكر إن الحقيقة هتفضل مدفونة. أي حقيقة؟ يوسف ما ماتش بسبب إهمال أي حد. إحنا عرفنا.
هز راسه لأ. إنتوا ماعرفتوش كل حاجة. إيه اللي مش عارفينه؟ أمك عرفت الحقيقة بعد الوفاة. إزاي؟ أنا قلت لها. وليه استمرت في اتهام الناس؟ لأنها كانت في حالة صدمة... لكن بعد سنوات، رجعت لي. إمتى؟ قبل ولادة ليو.
قلبي دق ليه؟ كان بتسألني عن مضاعفات الولادة. كل ده؟ وكان معاها شخص. مين؟
الدكتور سكت ثم قال والد كلارا.
أمل قالت يعني كانوا متفقين؟ الدكتور قال أنا مش هقدر أقول متفقين على إيه... بس كانوا مع بعض. سألته وكانوا عايزين إيه؟ كانوا بيسألوا عن حالة كلارا الصحية. ليه؟ لأنهم كانوا عايزين يعرفوا هل حالتها بعد الولادة هتخليها قادرة على رعاية طفلتها.
اتجمدت يعني كانوا بيخططوا للحضانة؟ الدكتور قال أنا مش محامي... بس كان في كلام عن إن الأم هتكون غير قادرة على رعاية الطفلة. أمل قالت وماما؟ مامتك كانت جزء من الخطة.
رجعت البيت وأنا مش قادر أتكلم. كلارا كانت قاعدة على الكنبة، وأول ما شافتني قالت في إيه؟
قعدت جنبها وقلت لازم أحكيلك.
حكيت لها كل حاجة. كانت ساكتة، وبعد ما خلصت قالت أنا طول عمري فاكرة إن بابا بيكرهني... لأنه اختفى من حياتي. طلع مش اختفاء... كان بيراقبني من غير ما أعرف.
مسكت إيدها وقلت مش هياخدوها... حتى لو حاولوا.
وبعد أسابيع، الأمور بدأت تهدأ؛ أمي بدأت تتلقى مساعدة نفسية بسبب الصدمة القديمة اللي كانت عايشة فيها، وأمل كانت بتزورها، وأنا وكلارا بدأنا نبني حياتنا من جديد، لكن علاقتنا بأهل كلارا انتهت.
وفي يوم، جالي اتصال من رقم غريب رديت؛ كان والد كلارا قال عايز أقابلك. مفيش كلام بينا. لازم تعرف حاجة. قول. أنا غلطت... لكن عم كلارا هو اللي كان بيدفع. بيدفع ليه؟ كان عايز ليو. ليه؟ لأن عنده مشكلة في العيلة. إيه المشكلة؟ مش قادر أقولها في التليفون.
قفلت، وما رجعتش له، لأننا كنا أخيرًا بدأنا نعيش من غير خوف.
بعد شهر، كلارا بقت أقوى، وخرجنا أول مشوار عائلي مع ليو. وقفنا في الحديقة وكلارا كانت شايلة بنتها. بصيت لها؛ كانت بتضحك ضحكة حقيقية، مش زي الأيام اللي كانت فيها بتعيط وهي بتطلب بنتها.
قلت لها فاكرة أول يوم رجعنا فيه البيت؟ مستحيل أنساه.
بصت لليو وقالت تعرف إيه أكتر حاجة اتعلمتها؟ إيه؟ إن الأم مش لازم تثبت لأي حد إنها أم... كفاية إنها تحب بنتها وتحميها.
مسكت إيدها وقلت وأنا اتعلمت إن السكوت وقت الظلم مش حياد. قالت وأنا اتعلمت إن الثقة لازم يكون معاها حدود.
ضحكنا، وفي اللحظة دي ليو بدأت تضحك؛ كل حاجة سكتت، كأن الدنيا أخيرًا قررت تسيبنا في حالنا.
لكن وأنا ببص على بنتي، افتكرت التسجيل الأول، وافتكرت كلارا وهي على الأرض وإيدها ممدودة وهي بتقول هاتيهالي.
وفهمت إن أصعب حاجة في الحياة مش إنك تكتشف إن حد بيؤذيك؛ الأصعب إنك تكتشف إن الشخص اللي كنت فاكره بيحميك، هو نفسه اللي كان بيحاول يسلب منك الأمان. وأمي كانت واحدة من الناس اللي ضيعوا سنين من حياتنا بسبب خوف قديم. لكن في النهاية، هي اعترفت، وكلارا نجت، وليو فضلت مع أمها.
أما السر اللي بدأ من وفاة طفل صغير، فقد انتهى باعترافات متأخرة وحقيقة كان لازم تظهر من سنين. ومن يومها، ما بقيناش نسمح لأي حد يستخدم الحب كذريعة للسيطرة، ولا لأي حد يخوف أم على بنتها، ولا لأي شخص يقنعنا إن الضعف المؤقت معناه إن الإنسان فقد حقه في حياته.
وقبل ما أطفي النور، كلارا قالت على فكرة... لو في يوم ليو سألتني مين كان بيحميها وهي صغيرة، هقول لها إن أبوها وقف جنب أمها.
ابتسمت وقلت وأنا هقول لها إن أمها كانت أقوى مما كل الناس افتكرت.
وضمينا بعض. ومن يومها، بقى عندنا قانون واحد في بيتنا مفيش حد، مهما كان قريب، له الحق ياخد طفل من حضن أمه بالقوة، ومفيش خوف قديم يسمح له يقرر مستقبل عيلة جديدة، ومفيش حب حقيقي يتحول لسيطرة.
أما إليانور، فبعد شهور من العلاج والمواجهة، رجعت تزورنا لأول مرة. وقفت عند الباب وما دخلتش وقالت لكلارا لو مش عايزاني أدخل، همشي.
كلارا فضلت ساكتة ثم فتحت الباب أكتر وقالت ادخلي.
أمي عيطت، لكن كلارا قالت لها أنا سامحتك... بس السماح مش معناه إن كل حاجة ترجع زي الأول.
هزت أمي رأسها وقالت فاهمة.
ثم قربت من ليو، وقفت بعيد وما مدتش إيدها واستنتظرت؛ كلارا هي اللي قربت ليو منها وقالت لو عايزة تشيليها، اسأليني الأول.
أمي دموعها نزلت وقالت حاضر.
شالت ليو بحذر وبصت لها ثم قالت أنا ضيعت وقت كتير. كلارا ردت المهم ما تضيعيش اللي باقي.
ومن اليوم ده، بدأت علاقتهم تتصلح ببطء، مش لأننا نسينا، لكن لأن الحقيقة ظهرت، ولأن كل واحد فينا عرف حدوده، ولأن ليو كبرت في بيت مفيهوش خوف.
أما التسجيل اللي بدأت منه الحكاية، ففضل محفوظ عندي؛ مش علشان أستخدمه ضد أمي، ولا علشان أفضحها، لكن علشان يفضل عندي تذكير واحد أحيانًا الإنسان لازم يشوف الحقيقة بعينه قبل ما يصدق قلبه، وأحيانًا الشخص اللي بيقول لك أنا بحميك ممكن يكون محتاج هو نفسه يتعلم يعني إيه حماية.
وفي النهاية، كلارا ما كانتش محتاجة حد يثبت لها إنها أم، كانت محتاجة بس حد يصدقها. وأنا، بعد ما تأخرت، صدقتها. وده كان أول يوم فعلًا بدأت فيه عيلتنا تتعافى.