منزل حماتي
إن والدك توفي.
شعرت بدموعي تنزل دون أن أسترعيها؛ طوال سنوات كنت أظن أن وفاة والدي كانت حادثًا مؤلمًا، لكن الآن أصبح كل شيء موضع شك. قلت لجلال إنت قتلته؟، فلم يجب، فصرخت جاوبني!. قال لا، لكن صوته لم يكن مقنعًا، ثم أضاف والدك مات بسبب قراراته. شعرت بالغضب يعني إيه؟، قال هو كان سيكشف كل شيء. سألت إيه كل شيء؟، فنظر إلى الذاكرة الإلكترونية لو فتحتي باقي التسجيلات، هتعرفي. قلت إذن افتحها، فضحك لن تفعلي، وأخرج هاتفه.
وفي اللحظة نفسها وصلتني رسالة الشرطة وصلت. نظر جلال إلى الباب حيث كانت سيارات عدة قد توقف أمام المنزل. دخل رجال الأمن إلى المكان وتقدم أحدهم وقال السيدة ليلى؟. أومأت نعم، فقال نحن نحتاج إلى التحدث معك. أشرت إلى جلال هو الشخص الذي يجب أن تتحدثوا معه. حاول جلال الاعتراض هذا سوء تفاهم، لكن أحد الضباط أوقفه سنحدد ذلك بعد سماع الجميع، واقتادوه إلى الخارج بينما نوال انهارت في مقعدها. نظرت إليها ولم أشعر بالانتصار، بل شعرت فقط بأنني فقدت سنوات من حياتي وأنا أعيش وسط أكاذيب.
بعد ساعات، كنت في مكتب المحامي حسام وضعت أمامي الذاكرة الإلكترونية وقلت أريد أن أرف الحقيقة كاملة. قال سنفتحها. فتح الملف الثاني؛ ظهر تسجيل آخر لوالدي يقول فيه ليلى، إذا وصلتي إلى هذا الجزء، فمعنى ذلك أنك اكتشفتِ مشروع النورس. ثم ظهرت وثائق على الشاشة؛ تحويلات مالية ضخمة وأسماء شركات وتواريخ. قال والدي هذه الأموال لم تكن ملكًا لجلال وحده، ثم ظهرت أسماء أخرى ومن بينها اسم نوال. قال لكن الشخص الذي أريدك أن تحذري منه ليس جلال. توقفت، وظهر اسم آخر على الشاشة فؤاد رشدي، المحاسب الذي ظننا أنه مجرد شريك صغير في الخطة. قال والدي فؤاد كان يدير الحسابات، وكان يعرف أين ذهبت الأموال.
نظرت إلى حسام يعني هو العقل المدبر؟، فقال ربما. وتابع التسجيل إذا حدث لي شيء، ابحثي عن الحساب الأخير، ثم قال جملة جعلتني أشعر بقشعريرة لأن المال الذي اختفى من مشروع النورس لم يختفِ... لقد انتقل إلى حساب باسم شخص قريب منك. توقفت الصورة ونظرت إلى حسام مين الشخص القريب مني؟، فلم يجب بل فتح الملف الأخير ليظهر اسم الحساب، وشعرت بشبه صدمة شديدة؛ كان الحساب باسم كريم المنشاوي.
رفعت عيني إلى حسام كريم؟، فقال يبدو أن والدك كان يعرف أن الأموال وصلت إلى حساب زوجك قبل سنوات من زواجكما. جلست في صمت، لكن شيئًا واحدًا لم يكن منطقيًا؛ إذا كان كريم متورطًا منذ البداية، فلماذا حذرني من والده؟ ولماذا كشف لي الحقيقة؟ ثم لاحظت تاريخ آخر تحويل؛ كان قبل زواجي من كريم بثلاثة أشهر فقط!
رفعت رأسي ببطء وقلت كريم لم يكن هو الذي اختارني. نظر إليّ حسام ماذا تقصدين؟، فأجبت هم اختاروا كريم ليتزوجني... لكنهم لم يتوقعوا أنني سأكتشف كل شيء. وفي تلك اللحظة وصلني إشعار جديد على هاتفي، رسالة من رقم مجهول أنتِ اكتشفتِ نصف الحقيقة فقط... اسألي حسام عن آخر صفحة في ملف والدك. نظرت إلى حسام فتغير وجهه فورًا.
ظللت أنظر إلى حسام بينما بقيت الرسالة مفتوحة على شاشة هاتفي. قلت بهدوء إيه الموجود في آخر صفحة يا أستاذ حسام؟، فلم يجب، وهذا الصمت كان إجابة كافية. أغلقت هاتفي وقلت أنا وثقت فيك من أول يوم. تنهد حسام ثم فتح درج مكتبه وأخرج ملفًا رفيعًا قال والدك طلب مني ألا أعطيك هذه الصفحة إلا إذا وصلتِ إلى هذه المرحلة بنفسك.
مددت يدي وأخذتها؛ كانت عبارة عن ورقة واحدة فقط وفي أسفلها توقيع والدي. قرأت ليلى، إذا وصلتِ إلى هنا، فلا تبحثي عن شخص تنتقمين منه. ابحثي عن الحقيقة التي تحميك. ثم كانت هناك قائمة بأسماء جلال، نوال، سامي، فؤاد، وكريم. لكن بجانب اسم كريم كانت هناك ملاحظة مختلفة هو أخطأ، لكنه ليس العقل المدبر.
رفعت رأسي يعني كريم ما كانش هو اللي بدأ كل ده؟، قال حسام لا. سألت إذن ليه الأموال دخلت حسابه؟، فقال لأنه كان واجهة... فؤاد استخدم حسابك عفواً حسابه دون أن يعرف كريم الصورة كاملة. سألت وليه كريم ساعدهم؟، فقال لأنه عرف الحقيقة متأخرًا، وخاف من والده ومن فؤاد.
تذكرت كل ما حدث؛ الكاميرا، الأوراق المزورة، التسجيلات، والليلة التي حاولوا فيها إحراجي أمام العائلة. فهمت أخيرًا أن كريم لم يكن بريئًا، لكنه لم يكن صاحب الخطة كلها أيضًا. قلت وموت والدي؟، فصمت حسام ثم قال والدك اكتشف تحويلات الأموال وقرر كشفها. سألت وماذا حدث؟، فقال واجه فؤاد... وفي طريق عودته تعرض لحادث. قلت هل كان حادثًا مدبرًا؟، فهز رأسه لم نستطع إثبات ذلك.
لكن قبل أن أنهي كلامي، وصل إشعار جديد من حساب البنك وكان هناك ملف مرفق. فتحته؛ كانت صورة قديمة التقطت في الليلة التي توفي فيها والدي، وظهر فيها جلال وفؤاد أمام مكتب والدي، وفي الخلفية كان هناك شيء لم ألاحظه في البداية ساعة الحائط، وكانت تشير إلى وقت مختلف تمامًا عن الوقت الموجود في التقرير الرسمي للحادث! رفعت الصورة أمام حسام يعني تقرير الوفاة فيه وقت غلط، فأومأ يبدو ذلك.
في اليوم التالي، بدأت التحقيقات الرسمية من جديد؛ تم استدعاء جلال وفؤاد ونوال، كما تمت مراجعة جميع المستندات والتحويلات القديمة، أما سامي فقد قدم شهادته كاملة. وبعد مراجعة الأدلة الرقمية، ظهرت الحقيقة تدريجيًا فؤاد استخدم حساب كريم لتحريك جزء من الأموال، جلال أخفى علاقته بالمشروع سنوات طويلة، نوال شاركت في خطة الضغط عليّ والاستيلاء على ممتلكاتي، أما كريم فقد أخطأ عندما اختار الصمت، لكنه في النهاية قرر أن يقول الحقيقة.
بعد عدة أشهر، انتهت الإجراءات القانونية المتعلقة بالممتلكات؛ تم إبطال الأوراق المزورة وحُفظت ملكية منزل البحيرة باسمي، أما مشروع النورس فقد بدأت الجهات المختصة في مراجعة حساباته القديمة. وفي أحد الأيام، ذهبت إلى منزل البحيرة وحدي وجلست أمام المكان الذي كان والدي يحب الجلوس فيه. أخرجت رسالته الأخيرة وقرأتها مرة أخرى لا تبحثي عن الانتقام. ابتسمت وأنا أمسح دمعة من عيني، وكان أبي يعرفني جيدًا؛ لم أكن بحاجة إلى تدمير أحد، بل كنت بحاجة فقط إلى أن أخرج من القصة دون أن أفقد نفسي.
بعد أسابيع، قابلت كريم للمرة الأخيرة. وقف أمامي طويلًا دون أن يتكلم ثم قال أنا آسف. نظرت إليه عارفة، فقال هل في أي فرصة نرجع؟. صمتُّ قليلًا ثم قلت يمكن الإنسان يسامح، لكن ده مش معناه إنه يرجع يعيش نفس الحياة. خفض رأسه فاهم، فقلت أنا سامحتك عشان أرتاح أنا، مش عشان أنسى اللي حصل. ثم غادرت.
بعدها بأيام، وصلتني رسالة من رقم مجهول فتحتها لأجد جملة واحدة والدك كان فخورًا بك. لم أعرف من أرسلها، لكنني لم أبحث عن صاحبها. وضعت الهاتف جانبًا ووقفت أمام نافذة منزلي؛ لأول مرة منذ سنوات شعرت أن المكان أصبح ملكي فعلًا لا كاميرات مخفية، لا أوراق مزورة، لا أسرار خلف الأبواب. فقط أنا... وحياتي التي بدأت من جديد.
وفي تلك الليلة، أغلقت باب المنزل وابتسمت لنفسي؛ لقد حاولوا أن يجعلوني أبدو ضعيفة أمام عائلتي، لكنهم لم يدركوا أن صمتي لم يكن ضعفًا، بل كان هو السبب في أنني اكتشفت الحقيقة كاملة.