منزل حماتي

لمحة نيوز

منزل حماتي
وصلتُ إلى منزل حماتي مساء السبت قبل الموعد بقليل. كان المنزل ممتلئًا بالسيارات وأصوات أفراد العائلة تتعالى من الداخل، أضواء الحديقة كانت مضاءة، والطاولة الكبيرة في الفناء مزينة بعناية وكأن المناسبة احتفال حقيقي لا علاقة له بما أعرفه. استقبلتني نوال عند الباب بابتسامة واسعة ثم عانقتني أمام الجميع قائلة أهلًا يا ليلى... كنت متأكدة إنك هتيجي. ابتسمت لها بهدوء طبعًا. دي مناسبة عائلية، ومينفعش أغيب. لمحت كريم خلفها؛ كان يحمل كوبًا بيده، لكنه ما إن رآني حتى تجمد للحظة، ثم اقترب مني وهمس مبسوط إنك جيتي. نظرت إليه وقلت وأنا كمان، لكنه لم يعرف أن كلماتي كانت تحمل معنى مختلفًا تمامًا.
دخلت إلى غرفة المعيشة وجلست بين أفراد العائلة. كان الجميع يتحدثون ويضحكون، بينما كانت نوال تتحرك بينهم بثقة غريبة. بعد نحو نصف ساعة، اقتربت مني وجلست بجواري وقالت بصوت منخفض الليلة هتكون مهمة جدًا يا ليلى. نظرت إليها ليه؟، فابتابتسمت وقالت هتعرفي قريب، ثم نهضت وتركتني. لم أتحرك، كنت أراقب كريم. بعد دقائق، اقترب منه أحد أقاربه وتحدث معه سرًا، ثم اتجه كريم نحو غرفة المكتب، فعرفت فورًا أن الأمر بدأ.
كان مخططهم بسيطًا سيعرضون التسجيل الذي صورته الكاميرا القديمة لإقناع الجميع بأنني أخفي شيئًا أو أتصرف بطريقة غير طبيعية، وبعدها سيقدم كريم الأوراق المزورة باعتبارها دليلًا على أنني غير قادرة على إدارة ممتلكات والدي. لكنهم لم يعرفوا أن التسجيل الذي سيعرضونه لم يعد موجودًا بالشكل الذي يتوقعونه.
بعد دقائق، أطفأت نوال بعض الأضواء وقالت بصوت مرتفع يا جماعة، عايزة أوريكم حاجة مهمة. ساد الصمت واتجهت الأنظار نحو التلفاز الكبير في منتصف الغرفة. وقفت نوال بجواره وكان كريم يقف خلفها، ثم أمسكت جهاز التحكم وقالت قبل ما نتعشى، لازم كل واحد يعرف الحقيقة. نظرت إليّ مباشرة وابتسمت، ثم ضغطت الزر. اشتعلت شاشة التلفاز ليظهر تسجيل للحمّام، لكن الصورة كانت سوداء تمامًا لا شيء سوى الظلام.
تغير وجه نوال فضغطت زرًا آخر ثم آخر، ولا شيء. قالت بعصبية استنى... الملف المفروض يكون هنا. نظر إليها كريم بقلق ماما، إيه اللي حصل؟. بدأت تبحث بسرعة في الجهاز ثم التفتت إليّ بانفعال إنتِ عملتي حاجة؟. رفعت حاجبي أنا؟ أعمل إيه؟، فقالت الكاميرا!.
ساد الصمت ونظر أفراد العائلة إليها باستغراب وسأل أحدهم كاميرا إيه؟. تغير لون وجهها بينما بقيت أنا جالسة في مكاني، وقال كريم بسرعة ماما، اهدي، لكن أحد أفراد العائلة عاد ليسأل إيه حكاية الكاميرا؟. لم تجب نوال، فقلت بهدوء يمكن أقدر أساعدكم.
التفت الجميع نحوي. أخرجت هاتفي من حقيبتي ووضعت جهازًا صغيرًا على الطاولة، وقلت دي نسخة من التسجيلات اللي اتعملت من الكاميرا اللي كانت مخفية في بيتي. شهقت نوال وحدق كريم في وجهي. أضفت لكن التسجيل ده مش هو المفاجأة، المفاجأة الحقيقية موجودة في مجلد تاني.
بدأت أشغل الفيديو؛ ظهر منزل نوال، غرفة الطعام، ثم كريم جالسًا إلى جانبها وبدأت المحادثة. وفجأة سمع الجميع صوت نوال وهي تقول بمجرد ما يشوفوا فيديو الحمّام، هيصدقوا إنها مش مستقرة. ساد صمت ثقيل، ثم ظهر كريم وهو يتحدث عن المستندات، وعندما ذُكر اسم منزل والدي، وضعت إحدى قريباتي يدها على فمها. نظر كريم إلى نوال وقال اقفلي الفيديو!، لكنني لم أوقفه وقلت لسه بدري.
استمر التسجيل ليظهر المستند المزور على الطاولة، ثم سُمع صوت نوال هنبدل الورقة الأصلية، ومحدش هيعرف. تراجعت نوال خطوة إلى الخلف وقالت ده متفبرك!. أجبتها كنت متوقعة إنك هتقولي كده، ثم أخرجت ملفًا آخر من حقيبتي وأكملت عشان كده، كل ملف عندي متسجل ببصمته الرقمية، والنسخ الأصلية محفوظة في مكان آمن.
اقترب كريم مني ليلى، اسمعيني...، فرفعت يدي وقلت متقولش حاجة، فتوقف. قلت أمام الجميع أنا سمعت كل حاجة. وعرفت كل حاجة، ثم نظرت إلى نوال مباشرة وعرفت ليه حطيتي الكاميرا في حمّامي. إنتِ ما كنتيش بتدوري على فضيحة ليا، كنتِ عايزة تصنعي فضيحة. نظرت إلى كريم عشان تستخدموها ضدي، وتاخدوا ممتلكات والدي.
ساد صمت تام، ثم قال أحد أفراد العائلة كريم... الكلام ده صحيح؟. لم يجب، وكانت تلك اللحظة التي فهمت فيها أن كل الأكاذيب التي بنوها بدأت تنهار. لكنني كنت قد احتفظت بمفاجأة أخيرة؛ وضعت ظرفًا على الطاولة وقلت وده أصل وثيقة الملكية، والوثيقة اللي عندكم... مجرد نسخة مزورة. شهقت ولم تجد نوال أي كلمة تقولها. لكنني لم أكن قد انتهيت بعد، لأنني كنت على وشك كشف الشخص الذي ساعدهما في تنفيذ الخطة كلها.
ظل الجميع صامتين والكل يتجه بنظراته إلى نوال وكريم، بينما بقيت واقفة بجوار الطاولة والظرف الذي يحتوي على الوثيقة الأصلية أمامي. قال كريم بصوت منخفض ليلى، ممكن نتكلم لوحدنا؟. ضحكت ضحكة قصيرة بلا فرح لوحدنا؟ بعد ما كنتوا مخططين تعرضوا حياتي كلها قدام العيلة؟. اقترب إحدى قريبات كريم وقالت جاوبنا الأول... إنت كنت عارف بالكاميرا؟. لم يرد، وهذا الصمت كان كافيًا.
صرخت نوال كريم ما عملش حاجة! كل ده كان عشان نحمي العيلة!. نظرت إليها تحموا العيلة من إيه؟ من الحقيقة؟. أخرجت هاتفي مرة أخرى وقلت لسه في تسجيل ما شغلتوش. تغير وجه كريم فورًا ليلى، بلاش. سألت ليه؟، فلم يجب. ضغطت زر التشغيل؛ ظهر تسجيل قصير من كاميرا مخفية في مكتب نوال حيث كان كريم يجلس أمامها، لكن هذه المرة لم يكن الحديث عن المنزل فقط بل عن مستندات والدي. قال في التسجيل لازم نخلص قبل ما ليلى تراجع الأوراق مع المحامي، فردت نوال أنا رتبت كل حاجة.
ثم ظهر صوت رجل ثالث توقف أفراد العائلة عن التنفس تقريبا لسماعه؛ كان لرجل يدعى فؤاد رشدي، المحاسب الذي كانت نوال تعتمد عليه في إدارة بعض شؤون الأسرة. قال التوقيع الموجود على النسخة هيخليها تبدو صحيحة، ومحدش هيفكر يدقق فيها. التفت الجميع إلى نوال، وسأل أحد أفراد العائلة فؤاد كان مشارك معاهم؟، فأجبت أيوه، والأهم إن عندي إثبات على التحويلات المالية اللي تمت بينه وبين نوال. فتحت ملفًا على هاتفي وعرضت صورًا من كشوف الحسابات؛ أرقام وتواريخ وأسماء، وكان كل شيء موثقًا.
جلست نوال على أقرب كرسي بينما ظل كريم واقفًا كأنه لا يعرف ماذا يفعل. قلت كنتوا فاكرين إني لما اكتشفت الكاميرا هواجهكم فورًا. لكن لو كنت عملت كده، كنتوا هتمسحوا الأدلة، وعشان كده سبت الكاميرا البديلة مكانها. اقترب أحد أفراد العائلة من الشاشة يعني إنتِ كنتِ بتسجلي محاولاتهم؟، فأومأت بالضبط.
قال كريم بغضب إنتِ كنتِ بتجسسي علينا!. نظرت إليه بهدوء أنا لم أضع كاميرا في بيتك، أنا اكتشفت كاميرا زرعتها أنت وأمك في بيتي، واستبدلتها بجهاز لا يصور أي شيء، لكنه يسجل محاولات الدخول والأوامر. لم يجد ردًا.
في تلك اللحظة رن هاتف نوال؛ كان المتصل فؤاد. لم تجب، لكن الهاتف استمر في الرنين. قالت إحدى القريبات ردي عليه، ونوال لم تتحرك، فقلت خليه يتصل. رن الهاتف مرة أخرى، وهذه المرة ضغطت نوال زر الرفض، وبعد ثوانٍ وصلت رسالة قرأتها من مكانها وتحول وجهها إلى اللون الشاحب. قالت مش ممكن.... سألتها إيه اللي حصل؟، فلم تجب بل أخذت هاتفها بسرعة وحاولت الخروج من الغرفة، لكن كريم أمسك بذراعها ماما، استني. التفتت إليه فؤاد عرف إننا اتكشفنا، فقال كريم يعني إيه؟، فردت بصوت مرتجف هو بيقول إنه عنده نسخة من الأوراق.
توقفت للحظة ثم فهمت؛ فؤاد لم يكن مجرد شخص يساعدهما، بل كان يحتفظ بأوراق إضافية لنفسه وخان شريكيه أيضًا. قلت هو كان ناوي يستخدم الأوراق ضدكم لوحده. نظرت نوال إليّ بصدمة إنتِ عرفتي ده؟، فأجبت من التسجيلات، وعشان كده كنت مستنية اللحظة دي. جلس كريم على الأريكة

تم نسخ الرابط