يلا ياليلى
كان يزرع غرفة مكتبه ذهابا وإيابا ممسكا بهاتفه المحمول ينظر له كل دقيقة حتى رن هاتفه باسم والدته وضعه على أذنه مباشرة وقال: ها طمنيني يا ماما.. عملتي إيه !! مش تقولي طيب مساء الخير ولا سلام عليكم.. آسف يا أمي انتي عارفة انا قاعد على أعصابي.. بس طمنيني عملتي إيه ! لما تيجي على الغدا هحكيلك. بقي كدة يا ماما بتلوي دراعي عشان آجي أتغدي معاكي.. على العموم ماشي ساعة وهكون عندك. ضحكت زهرة وقالت: متتأخرش مستنياك. حاضر سلام.
لا تعلم إذا كان ما ستفعله صحيح أم لا.. ولكن يجب عليها أن تصحح له ما رآه بعينه.. يجب أن يعلم حقيقة الأمر حتى لا يشك أنها نقضت عهدها معه. وقفت بسيارتها أمام بناية فاخرة بحي المعادي.. صعدت نحو شقة بالدور الأرضي ووقفت أمام بابها ودقت الجرس مرة تلو الأخرى وليس من مجيب.. خرجت نحو حارس البناية وقالت: هي مش دي شقة الدكتور يوسف الدالي !! أه هي دي يا آنسة.. بس هو مش موجود دلوقتي تحبي أبلغه حاجة لما يجي؟ توجهت نحو سيارتها وأمسكت بالهاتف وهي تحاول الاتصال به ولكن كعادته في الآونة الأخيرة لا يجيب عليها !! زفرت بضيق وهي تلقي الهاتف بعنف على الكرسي وتسمح لدموعها بالهطول.. كم أشتاقت إليه.
نظرت إلى شقيقتها الجالسة أمامها وهي تقطب حاجبيها وتقول بضيق: فطبيعي مش هتتقبل كلام منك ولا انتي ولا الممرضات اللي بيأدوا وظيفتهم بس متنسيش ان دي طفلة يعني... هزت ليلي راسها بالنفي لتبتسم نور وهي تنهض وتوقل: انا مش هتكلم أكتر من كدة انا هسيبك انتي تفكري في الكلام بس مش هطلب منك غير انك تخليني أزورها كل أسبوعين حتى يمكن اكون سبب في ان حالتها تحسن. ماشي يا نور.. بس مش محتاجة أفكُرك أن محدش يعرف حاجة عن زياراتك دي.. متقلقيش أنا لازم امشي دلوقتي عشان اتأخرت. تمام لما آجي بالليل هعرف انتي روحتي فين. طيب يلا سلام. سلام.
كان عائدا من العمل وهو منهك تماما لا يعلم لم لا يجيب عليها ليريح حاله وريحها !! دخل إلى بنايته ليجد الحارس يقف وهو يلقي التحية عليه ويقول: في واحدة حت سألت عن حضرتك النهاردة يا دكتور يوسف. واحدة !! طيب ما قلتش اسمها إيه ! يعني هي قصيرة شوية وشعرها طويل وبني ورفيعة و... طيب خلاص.. اتفضل أنت. دلف نحو شقته وارتمي بجسده على الأريكة وهو يعلم تماما ان من أتت له هي هنا. سمع صوت هاتفه يعلن عن استقبال رسالة ليمسك به ويقرا رسالة محتواها: "يوسف انت ممكن تكون شايفني منفذتش وعدي ليك بس انت لازم تفهم قبل ما تحكم عليا عشان انا والله ماحبتش حد قد ما حبيتك.. وحياتي عندك رد عليا وافهمني." تنهد بضيق وكتب...
وقفت بسيارتها أمام فيلا مكتوب عليها فيلا الدكتور محسن عدلي.. صفت سيارتها جانبا ووقفت أمام البوابة وهي تدق جرسها ليخرج الحارس مهرولا وهو ينظر لها غير مصدقا وهو يقول: نور هاانم.. يا ألف نهار ابيض !! ابتسمت برقة وقالت: اهلا يا عم سمير.. بخير.. ازيك انتي يا هانم. قالها الحارس بسرور وهو يفتح تلك البوابة الضخمة ويشير بيده لها للداخل لتدلف نور وهي تقول: هو دكتور محسن مش موجود ! لا مو.. لم يستطع ان يكمل جملته لتخرج سيدة يبدو انها في بداية الثلاثينات من عمرها.. ذات طول فارع شعر عسلي طويل إلي حد ما وقالت: في حاجة يا سمير.. مين دي ! زفر الحارس بضيق وهو يقول بسره: سلام قول من رب رحيم! دي نور هانم. وتطلع إيه نور هانم دي يعني عايزة إيه ! رفعت نور حاجبها باستغراب وهي تقول: مين دي يا سمير؟ أنتي اللي مين ان شاء الله وجاية بيتي ليه ! بيتك ! اه بيتي. سمير لو سمحت بلغ دكتور محسن اني مستنياه !! استني عندك يا سمير.. قوليلي انتي مين الاول. لا اله الا الله.. وانتي مالك.. لو سمحت يا سمير خلصني !! وانا قولت سمير مش هيروح في حتة الا لما تقوليلي انتي مين ! عايزة تعرفي انا مين.. انا ست البيت اللي أنتي بتقولي عليه بيتك انا مرات حسام !!
نعم.. مرات حسام مين انا مراته !! مرااته !! قالتها نور بصدمة وقد بدأ طبول قلبها بالدق.. لتسمع صوت بوق سيارة آت من خلفها لتلتفت وتجدها سيارة حسام.. دخل بسيارته إلى الفيلا وأوقفها وخرج منها وهو ينظر نحو نور وسما بقلق.. فقال باضطراب وتوتر: نوور !! مين دي يا حسام.. دي بتقول أنها مراتك أنت مش قولتلي انك طلقتها !! أخذ نفس عميق ومن ثم أغمض عينيه لتقول نور بألم باد في صوتها: عمري ما كنت اتخيل ان العلاقة توصل بينا كدة يا حسام في يوم من الأيام !! نور ممكن تهدي وتفهمي. لا انا اصلا مكنتش جيالك.. ومش عايزة اتكلم معاك انا كنت جاية لأنكل محسن يا ريت تخليني أقابله لأن الهانم مراتك مش راضية تدخلني. نظر نحو سما بغضب وقال: مين دي اللي مش راضية تدخلك أنتي ست البيت دة.. اتفضلي يا نور. دلفت نور إلى داخل الفيلا مع زوجها وجلست لتمنع حديثه قبل أن يتكلم بقولها: لو سمحت يا حسام انا جاية لأنكل محسن يا ريت تندهه وتمشي لأنك مهما عملت مش هتكلم معاك علي الأقل دلوقتي يا نور طيب أفهميني.. مش قالتلك انها مش عايزة تتكلم معاك يا حسام دلوقتي.. سيبها براحتها !! نظر حسام إلى والده بنظرة رجاء ليردف الأخير: سيبونا لوحدنا دلوقتي.. صعدوا جميعا واتجه محسن نحو نور وربت على كتفها بحنية لتنفجر هي في البكاء قائلة: أتجوز !!.. للدرجادي هنت عليه اومال بقي فين الحب اللي كان بيحكي عنه !! متعيطيش يا نور.. أنا قولتلكم ميت مرة قبل كدة أن البعد يولد الجفا استحملوا بقا انتم الاتنين.. مش انتي لوحدك اللي موجوعة هو كمان موجوع زيك !! موجوع و لما هو موجوع راح اتجوز ليه ها !.. مين دي أصلا؟ دي بنت خالته يا نور. اه وإيه سبب جوازهم يعني وبعدين دة مفهمها أنه طلقني !! طيب أهدي بس كدة عشان أفهمك !!
يجري في غابة طويلة عريضة.. ليس لها حدود وهي تجري أمامه وكأنها تحاول الهروب منه.. كلما اقترب منها كلما ابتعدت عنه تركض وتركض حتى سقطت في حفرة عميقة ليصرخ هو باسمها: ليلي.. ليلي! استيقظ فارس من هذا الكابوس الذي يطارده منذ أن ابتعدت ليلي عنه. حبيبي شو بك ! مفيش يا لينا.. أنتي لسة موجودة لحد دلوقتي ليه ! كنت مشتاقتلك كتير ما قدرت بعد عنك !! طيب اتفضلي قومي عشان تمشي. ماشي حبيبي. نهضت وهي تختال في سيرها ليشعل هو سيجارة وهو ينفث دخانها بغضب.. أمسك بهاتفه وقام بعمل اتصال ووضعه على أذنه ينتظر الإجابة.. بعد مرور دقيقة أتي إليه صوت أنثوي نائم قائلا: ألو. صباح الخير يا نور أسف لو ازعجتك. مين حضرتك ! أنا فارس طليق ليلي. فاارس !!!
في تمام التاسعة صباحا كانت تقف أمام البناية الذي يقطن بها عازمة على إنهاء هذة المهزلة.. فإما أن يعودا لبعضهما... وإما.. الوداع !! وقفت أمام باب منزله وهي تدق الجرس مرات متتالية وقالت بصوت عال لأنها تعلم أنه بالداخل ولا يريد أن يفتح الباب لها: يوسف.. افتح يا يوسف متهربش زي العيال الصغيرة.. افتح عشان خاطري وافهم مني ولو معجبكش كلامي ارميني برة.. عشان خاطري يا يوسف. بدأ صوتها يتخلله الدموع وهو خلف الباب لا يعلم أيستمر بتعذيبها أم ينهي كل هذا ويسمع مبرراتها !!! وأخيرا فتح الباب ليراها أمامه بهيئتها الباكية حاول أن يتماسك وهو يقول: اتفضلي اغسلي وشك وبطلي عياط. ابتسمت من بين دموعها ودلفت وهي تقول: فين الحمام؟ أشار لها بيده وهو يقول: في آخر الطرقة على أيدك الشمال. دلف هو إلى المطبخ وهو يعد قهوته الصباحية لتخرج هي بتوتر وتقف بجانبة قائلة: هعملهالك انا. لا انا هعملها. مدت كفها لتأخذ منه الملعقة وهو ينظر لها متعجب لتقل هي: اقعد و انا هعمل القهوة وهجيبهالك عشان نعرف نتكلم مع بعض. لم يتحدث كثيرا وفعل مثلما قالت واتجه ليجلس على الأريكة المقابلة للمطبخ وهو يشاهدها أشتاق إليها كثيرا.. انهت القهوة واتجهت إليه وهي تحملها وجلست بجانبه.. قال هو: اتفضلي احكي يا هنا.. سمعيني الأسباب اللي تخليكي تبقي مع راجل تاني غيري !! كنتي بتعملي إية.. لما الاقيكي مع راجل غيري دة معناه إيه ها !! شغل.. هههه.. شغل هي دي طريقة جديدة في الشغل يا هنا هانم ولا إيه ! افهمني يا يوسف أنا شركتي كانت داخلة مناقصة لصالح وزارة العدل وشركته كانت دخلة منافسة مع شركتي و.. نظر نحوها بصدمة وقال وهو يحثها على استئناف حديثها: كملي. واضطريت أني أعرض عليه فلوس واتصاحب عليه كام يوم عشان يجيبلي المعلومات اللي في الملف اللي هتقدمه شركتهم عشان أكسب المناقصة. هز رأسه محاولا أن يستوعب ما تقوله وقال: أنتي أكيد بتقولي أي كلام وخلاص عشان أسامحك الكلام دة مش صح !! أنتي لا يمكن تكوني هنا اللي أعرفها.. إيه اللي جرالك اتحولتي من ملاك لشيطان !!! عشان سبتني لوحدي وسط وحوش ميعرفوش الرحمة متعرفش إية اللي حصلي ولا الايام السوداء اللي شوفتها في حياتي كانت عاملة إزااى... هتفت هنا بانهيار من وسط دموعها لينهض يوسف وهو يقول بصوت مثل زئير الأسد: مش مبرر مبرراتك كلها واهية يا هنا... طيب عشان خاطري تسامحني والله يا يوسف مش هعمل كدة تاني بس سامحني وانا مستعدة أسيب شغلي لو عايز بس والله انت مكنتش بتغيب عن بالي ولا لحظة كنت مستنية وبعد الدقايق عشان ترجعلي أنت اللي مشيت وقطعت أخبارك عني !! نظر لها وهي ترتجف وتبكي بشدة.. يعلم حجم الخطأ الذي ارتكبته ويعلم أيضا أنها وصلت لمرحلة سيئة وتملك منها الجشع والطمع.. ولكن لا مفر من حبها يحبها وسيظل يحبها فعليها تحمل عواقب ذلك وعليه مساعدتها لتخطي تلك المرحلة.
لا تعلم إن كان قرارها بمقابلته صحيحة أم لا ولا تعلم أيضا لم طلب مقابلتها سريعا وبدون إخبار ليلي فكرت أنه يسعي ليرد ليلي إليه مرة أخرى.. فإذا كان ماتفكر به صحيح فستفعل أي شيء في سبيل إسعاد شقيقتها. نظرت إلى ساعة يدها لترى الوقت فقد تأخر كثيرا.. زفرت بملل لترفع عينيها وتراه يقف أمامها ابتسمت بصدق وقالت: اهلا يا فارس. أهلاً بيكي يا نور أزيك عاملة إيه؟ قالها فارس وهو يجلس على الكرسي المقابل لها لترد نور قائلة: تمام طول عمري أعرف أن مواعيدك مظبوطة.. بس اللي أنا شيفاه غير كدة من الواضح أن أنت حصلك تغيير جامد عن زماان !! اللي ليلي عملته غيرني ٣٦٠ درجة أكيد أنتي فاهمة ! نظرت إليه بندم على ما فعلته شقيقتها وقالت: فاهمة بس كماان فيه حاجة انت لازم تفهمها كويس.. الظروف اللي ليلي اتعرضتلها مفيش واحدة تقدر تستحملها صدقني هي استحملت كتير. مفيش داعي نفتح في القديم يا نور خلاص ليلي اختارت حياتها وأنا كمان هعيش حياتي زي ما هي ما عاشت حياتها.. أنا كنت جايالك عشان موضوع تاني خاالص... إيه هو ! بنتي !!
استيقظت باكرا على صوت والدتها وهي تقوم بفتح ستائر الشرفة وتقول: يلا يا فاطمة أحمد علي وصول يلا علشان تلحقي تجهزي لأن يومك النهاردة طويل !! شوية يا ماما بس بليز. يلا مفيش وقت قومي. قالتها مرفت وهي ترفع الغطاء عنها لتتأفأف فاطمة وهي تنهض بتكاسل وتقول: يعني يا ماما كان لازم تديه معاد بدري كدة حراام والله !! بتقولي حاجة يا فااطمة? لايا ماما.. بقول هدخل آخد شاور بسرعة قبل ما أحمد يجي. مرت أقل من ساعة استعدت فاطمة فيها لمقابلة أحمد حيث كانت تقف أمام المرآة لتضع آخر لمساتها من مستحضرات التجميل حينما سمعت صوت بوق سيارته أنتفضت من مكانها وهي تهرول خارج غرفتها.. لتراها والدتها وتهتف قائلة: فاطمة انتي يا بنت انتي رايحة فين !! لم تستمع إلي نداءات والدتها المتتالية وهرولت إلى الخارج لتفتح باب القصر لتصطدم به وهو يحمل باقة من الزهور وصندوق مغلف بطريقة تجذب الناظر إليه نظرت له ثم إلى يده التي تحمل... أمك واقفة وراكي يا مجنونة !!! ابتعدت عنه ما إن سمعت هذه الجملة ويبدو أنها نست كل شيء بمجرد ان سمعت بوق سيارته.. ابتلعت ريقها بخجل وقد احمرت وجنتيها لتقول والدتها: اللي يشوفك دلوقتي ما يشوفكيش وأنتي بتقولي سيبيني انام شوية يا ماما ! ضحك أحمد لتردف مرفت: أتفضل يا حبيبي إيه هتفضلي سايبة خطيبك واقف على الباب كدة !! دخلوا جميعاً لتجلس والدتها وتبدأ التحدث مع أحمد وهي تقول: طلعي الحاجات اللي في أيديكي دي أوضتك وكملي لبس عشان تنزلوا يلا. بتوزعيني يا ماما على العموم ماشي ! صعدت فاطمة نحو غرفتها ووضعت باقة الزهور جانبا وأمسكت بهذا الصندوق متوسط الحجم وفتحته ارتفع جانب بسخرية وتعجب حينما وجدت عدد هائل من كرات الفلين الصغيرة تملأ الصندوق.. فكرت قليلا ومدت يدها داخل الصندوق لتلمس يدها شيء صلب أمسكته وقامت بإخراجه لتجده صندوق لهاتف محمول جديد.. ابتسمت بفرح ومدت يديها مرة أخرى لتخرج هدايا كثيرة أخرى كمستحضرات التجميل وأنواع الشيكولاتة التي تحبها. صفقت بيديها مثل الأطفال لتدخل عليها هنا وقد ارتسم الفرح على معالم وجهها هي الأخرى لتتجه نحوها فاطمة: بيحبني يا هنا والله بيحبني.. فيه إيه يا مجنونة انتي.. مين دة اللي بيحبك !! مين غيره يعني يا هنا أحمد !! جلست هنا واضعة ساق فوق الأخرى وراحتها حاجبها بدهشة وقالت: وانتي كنتي متخيلة أن هو مش بيحبك يا فاطمة يعني كل اللي عمله معاكي قبل كدة دة مدكيش إحساس أنه بيحبك.. عارفة يا فاطمة أنا ساعات بحس أنك أنانية !! أما في الدور السفلي في هذه الفيلا كانت مرفت جالسة أمام أحمد وهي تقول: بص يا أحمد أنا مش محتاجة أقولك أنك زي ابني بس أنا هوصيك وصية ومهما حصل انت لازم تنفذها. طبعا أتفضلي يا طنط ! مبدأيا كدة.. فاطمة.. أنتم ان شاء الله كتب كتابكم بعد أسبوع ولحد كتب الكتاب أنا عايزاك تستحمل أي حاجة منها بعد الجواز هي هتبقي مراتك وتقدر تحكم عليها وأنا واثقة من حبك ليها وأنك لا يمكن تأذيها فاطمة بنتي أنانية فاكرة ان الحياة اتخلقت عشان تتسخر ليها وأنا عايزاك انت تعالج الموضوع دة عندها. إزاي يعني ! قلل دلعك ليها دة شوية متحسسهاش أنك مضمون في أي وقت ممكن تلاقيك.. هي لازم تحس بنعمة وجودك جنبها وبعد موتي استحملها هي مش هيبقي ليها غيرك يا أحمد.. بعد الشر عن حضرتك يا طنط !! دي أول حاجة ثانيا بقي... ليلي وهنا ونور اعتبرهم زي أخواتك أقف جنبهم هما ملهمش حد في الدنيا دي أنت ابن حلال وعشان كدة أنا مأمناك على بناتي.. أقف جنبهم في اي محنة يا أحمد حتى لو أنت وفاطمة ملكمش نصيب في بعض. ربنا يديكي طولة العمر يا طنط وان شاء الله تشوفي ولادي أنا وفاطمة !! ان شاء الله يا حبيبي بس محدش ضامن عمره والناس بقت وحشة ودول بنات لوحدهم من غير حد في ضهرهم.. أوعدني يا أحمد انك هتنفذ كلامي تحت اي ظرف من الظروف. أوعدك يا طنط !!!
كانت تسير ما بين طرقات المشفي وهي تطمئن على المرضى الشيء الوحيد الذي ينسيها هم العالم هو عملها الذي تعشقه وبشدة.. تفاجأت بممرضة أمامها تأتي مهرولة وهي تقول: دكتور ليلي يا دكتور ليلي !! التفتت لها وقالت: نعم يا فاتن. في واحد مستني حضرتك فوق في مكتبك. واحد مين اسمه ايه يعني !! بيقول انه شريك حضرتك الجديد في المستشفي. اخيرا شرف طيب اتفضلي انتي يا فاتن. صعدت ليلي نحو مكتبها ودلفت لتجد السكرتير الخاص بها بمفرده وليس معه أحد لتقول: هو كان فيه حد عايز يقابلني يا مراد !! أه دة في مكتب حضرتك. مكتب حضرتي!!.. دة مين اللي أداه الأذن يدخل ان شاء الله ! يا دكتور هو قالي أنه الشريك الجديد في المستشفي وانا مقدرتش امنعه انه يدخل مكتب حضرتك !! تركتها ليلي واتجهت نحو غرفة مكتبها وفتحت الباب لتصطدم أنفها بتلك الرائحة الرجولية التي تعرفها جيدا توقف نبض قلبها لثواني.. نظرت أمامها لتجد رجل يعطي لها ظهره.. طويل القامة شعره متوسط الطول ناعم الخصلات... ارتعشت وحاولت ان تقنع حالها ان الماثل أمامها ليس فارس.. ولكن صوته هدم كل آمالها حينما قال وهو مازال موليا ظهره لها: هتفضلي واقفة عندك كدة كتير يا دكتور ليلي ولا إيه ادخلي دة حتى مكتبك !! نظرت له بصدمة حينما استدار اتسعت عيناها وهي تنظر إلي ذلك التغير الواضح على ملامحه حتى معظم خصلات شعره تحولت إلى اللون الأبيض.. تقدم منها وهو يسير ببطء وكل خطوة يخطوها كأنها على أوتر قلبها أصبح أمامها مباشرة.. نظر في تلك الأعين البندقية اللتان كانتا تأسرانه بشكل غير طبيعي.. ولم يقول كانتا فمازال تأثيرهما واضح عليه حتى الآن !!! تنهد بعمق وقال بهمس: وحشتيني !!
رمشت عدة مرات غير مصدقة أنه واقف أمامها الآن... نظرت له وهي تدقق في ملامحه.. تشعر بتغير كبير اجتاحه إنه ليس فارس الذي تعرفه.. شخص آخر ربما يمتلك نفس ملامحه!! لكنه ليس هو.. ليست نفس نظراته الحنونة التي تحتويها. أفاقت من دوامة التفكير التي أطاحت بها وهي تقول: أنت إيه اللي جابك هنا يا فارس !! وضع يده بجيبا بنطاله وقال بغموض: تفتكري أنتي إيه اللي ممكن يكون جابني أكيد أنا مش راجع عشانك مثلا يا ليلي !! طيب من غير لف و دوران بقي.. جاي هنا ليه !! ضحك هو بصوت صادح وقال وهو يتجه ليجلس على كرسي مكتبها وحالة من الصدمة تتملك من ليلي: هما ما عرفوكيش أن انا الشريك الجديد اللي معاكي في المستشفي !!
أعلم أن الله دائما ما يخبئ لنا الأمور الصالحة ولا أستطيع أن أنكر النعم التي يغدقها علينا.. لكن في مثل هذه الظروف التي نمر بها لا أرى إلا ان الوضع يصير أسوأ فأسوأ.. لا أستطيع أن أدرك هل هذا اختبار من الله أم عقاب منه على شيء لا أعلمه !! طوال تلك السنوات السابقة حاولت أن أقيم حالي أن الوضع سيتطور أننا سنجتاز كل هذه المحنة.. لكن عقلي توقف مع كل هذه الوعود التي أعطيها له ولا تتحقق !! حاولت أيضا أن أرفع إن كان الخطأ مني أم لا ولكني لم أري نفسي مخطئة يوما ما.. فيا ترى من المخطئ ومن المتسبب في كل هذا ! تركت نور القلم من يدها وتنهدت وهي تفكر في حديث فارس معها.. صوت طرقات الباب على غرفتها أيقظها لترد هي قائلة: أدخل. دلفت الخادمة وهي تقول: مرفت هانم عايزاكي في أوضتها يا نور هانم. طيب يا سمر روحي دلوقتي. نهضت نور وتوجهت نحو غرفة والدتها ودقت باب الغرفة لتسمع الأذن بالدخول.. دلفت لتجد والدتها جالس على الفراش الخاص بها اقتربت منها وقبلت يديها لتمسد والدتها على شعرها وهي تقول: مالك يا نور حساكي مخبية حاجة عني.. تنهدت بعمق وكأن هناك جبل من الهموم ملقى على عاتقها وقالت بحزن دفين: حسام أتجوز يا ماما ! نظرت لها والدتها وهزت رأسها بعد رضا عن الوضع الذي وصلت إليه ابنتها لتقول: ومفهمتيش إيه اللي خلاه يعمل كدة يا نور? انا مش عايزة أفهم منه حاجة.. أنا اللي عايزاكي دلوقتي اني أطلق منه. مينفعش الكلام دة انا طول عمرى بقول عليكي اعقل واحدة في اخواتك.. فكري بعقلك وحاولي ترجعي جوزك ليكي قبل ما يروح منك يا نور !! وهو ما رحش مني يا ماما خلاص حسام مبقاش بتاعي !! يا حبيبتي انتي بس عشان زعلانة فبتوقلي كدة متفكريش بقلبك يا نور.. فكري بعقلك. يعني أعمل إيه يعني أروح أقوله والنبي ارجعلي احسن هموت من غيرك يا ماما ولا أعمل إيه !! لا طبعا مش قصدي كدة انتي بس خدي وقتك عشان تهدي وبعدين نشوف هنعمل إيه فالموضوع دة !! المهم انا كنت عايزاكي في موضوع مهم. خير يا ماما ! نظرت مرفت بجانبها ومدت يدها نحو مصحف موضوع على منضدة بجانبها وأمسكته ووضعته أمام نور وقالت: قبل ما أقول أي حاجة احلفي على المصحف دة انك هتنفذي كل اللي هقولك عليه ومحدش هيعرف الكلام اللي بينا دة !!
لماذا عاد ! أيعقل أن يتحول الحب إلى كره وانتقام.. هذا ما تراه في نظرات عيونه القاسية وقسمات وجهه التي تصدر تعبيرات مخيفة !! نعم يعقل فما فعلته به ليس بقليل ما فعلته به قادر على ترك جرح دامي ذات أثر ومفعول طويل في قلب أي رجل.. وإنه ليس أي رجل بل راجل عاشق.. استندت بكفيها على المكتب الذي يترأسه وهي تقول بصدمة: إيه اللي انت بتقوله دة يا فارس !! شريكي إزااى يعني? هو إيه اللي شريكك إزااي دي مفيهاش إزاي.. الفلوس بتعمل أي حاجة يا ليلو.. وخصوصا بقا ان محمود طلع بيحب الفلوس وافق انه يخدعك. قالها فارس وهو ينهض من على كرسي مكتبها ليسير حتى يتقدم منها وهي ثابتة فأصبح الفاصل بينهما خطوة واحدة فقط.. ويا ليته بالفعل الفاصل بينهما خطوة واحدة.. بل الفاصل بينهما بحور من النيران المتوهجة لا شيء يستطيع عبورها ولا حتى إخمادها !! هزت رأسها غير مصدقة رفعت يديها تضغط على رأسها بقوة وهي تجبر عقلها على إستيعاب تلك المصيبة التي ترمي على عاتقها فوق جبل من الهموم.. وكلما ازداد هذا الجبل قوة كلما ازدادت الأرض الحاملة له تصدعا !! انت بتعمل كدة ليه يا فارس.. احنا اللي بينا انتهي.. لو في بينا حاجة حلوة متضيعهاش انت باللي ناوي تعمله ! هتفت بها ليلي بنبرة يشوبها شيء من الرجاء لا يدل على ضعفها.. بل يدل على رغبتها في احتفاظها بذكرياتهما معا. ليلوي هو جانب شفتيه بسخرية وهو يقول: أي حاجة كانت حلوة بينا انتهت يا ليلي بمجرد ما عملتي اللي عملتيه !! ازداد خوفها وأيضا تيقنها مما هو مقبل على فعله.. فالقسوة التي تتسلل بين كلماته تنذر بعاصفة لا يستطيع إيقافها سوى الخالق !!! طيب ممكن أفهم أنت ناوي على إيه دلوقتي ! عادي انا بقيت شريكك في المستشفي.. يعني هدير معاكي المستشفي زي ما محمود ما كان بيعمل. ثم هبط لمستواه وأردف بلهجة خاصة بهما فقط: وممتنسيش ان أنا أستاذك برضو. انا مش مصدقاك انت لا يمكن تكون فارس اللي انا اعرفه.. انت مجرد مسخ شايل جسمه بس روحه ضاعت.. يا خساره يا فارس!!! لمعة عيناه بضعف سرعان ما محي أي أثر له وقال بجدية: أظن بقا كفاية كلام عن الماضي لحد كدة يا دكتور ونبدأ شغل و عايزة اقولك علي حاجة مهمة.. انا هنا شريكك وبس يعني مفيش مجال لأي علاقات اجتماعية يا دكتور.. فهماني طبعا! ظلت متسمرة في محلها فزفر هو بضيق وأردف: يا ريت بقا تفوقي من الصدمة اللي انتي فيها دي وتتفضيلي معايا دلوقتي عشان توريني مكتبي.. ماشي يا فارس. قالتها بصوت متحشرج.. ليلتفت هو لها بعد أن كان على وشك المغادرة وهي تسير خلفه ليصطدم بها فيلتقطها وهي على وشك السقوط.. نظرة قاسية يد حديدية لا تحمل أي لين قسمات وجه مخيفة.. لا يدل هذا على أي عاطفة حب يكنها لها!! قال بصوت كفحيح الأفعى: اسمي دكتور فارس.. هزت رأسها برعب.. ليلي سويلم التي لا تخشي أحد ويخشاها الجميع.. تخشي أقرب شخص إلى قلبها تخشي فارسها!!! يا له من زمن غادر... فمن يصدق أن قصة حبهم الخرافية تحول إلى كره وخوف!
كانت تظن أنها تملك زمام الأمور جيدا حتى ظهر هو وعَبَثَ بقلبها فانفلتت منها الأمور مجدداً.. خرجا معا وتوجهت ليلي نحو أحد العمال قائلة: عم سلامة.. معلش عيزاك تجهزلي أوضة المكتب اللي في الدور الرابع. كاد ذلك العامل أن يتحدث فقاطعه فارس بلهجة صارمة أخافته قائلا: لا انا عايز أوضة مكتب اللي كانت بتاعة محمود اللي جنب مكتبك.. نفس عميق.. يدان مرتعشتان.. قلب متمرد يكاد يغادر تلك الأضلاع.. فيبدو أنه على علم تماما بكل خطوة يخطوها.. فقد علم أن هذه الغرفة التي يطالب بها مطلة على مكتبها.. بمعنى أن بها باب داخلي يؤدي لمكتبها. لم ترد مجادلته.. فهي تعلم جيدا أن أي نقاش بينهما سيستحوذ هو عليه نتيجة لاطلاعه على عقلها وامتلاك قلبها! طيب يا عم سلامة.. جهز المكتب اللي الدكتور قالك عليه. ثم توجهت إلى السكرتير الخاص بها وقالت بنبرة جاهدت لتخرج بذلك الثبات: انا عايزة اجتماع عاجل يا مراد. ثم التفتت إلى فارس وقالت: اتفضل في مكتبي يا دكتور لحد الاجتماع ما يجهز.
كانت عيناها زائغة والصدمة استحوذت عليها وهي تتذكر حديثها مع الطبيب منذ أقل من ساعة... إلى جانب مرضها بالقلب الذي يتآكلها يوما تلو الآخر.. كانت قد بدأت أعراض أخرى تظهر عليها.. فمهما زاد قسطها من الراحة دائما ما تشعر بالتعب الشديد تنزف بسهولة تظهر كدمات في مناطق مختلفة في بدنها دون أن تتعرض لأي كدمة!! كان لا بد من معرفة نهاية لذاك التعب.. فتوجت إلى المشفي وقام الطبيب بعمل فحوصات كثيرة وقد بدأ القلق يتسلل إلى قلبها.. وبعدها بأيام معدودة ذهبت مرة أخرى لتعرف نتيجة تلك الفحوصات. ها طمني يا دكتور! بلل الطبيب شفتاه وقال بتلعثم: انا مش هقدر أخبي عليكي يا مرفت هانم... نظرت له بتوجس فخفض هو الآخر بصره.. فبماذا يخبرها ! أخبرها أن مرضها يزداد! أم يخبرها أن أيامها أصبحت معدودة في هذه الحياة!! أكمل حديثه بتوتر باد: حضرتك مريضة باللوكيميا.. سرطان دم!! شهقة لا إرادية صدرت منها وهي تضع يدها على شفتيها.. ليردف هو متخلصا من ذاك العبء: وأسف إني أقول لحضرتك كدة.. بس المرض في حالة متأخرة وكمان مع مرض حضرتك بالقلب العلاج أصبح شبه مستحيل!! دمعة حارة سقطت منها وشعور لا يوصف وهي تنهض تاركة الطبيب متجاهلة لنداءاته: مرفت هانم.. يا مرفت هانم!! إذا كان عمري سينتهي قريبا فلا بد من فعل أشياء كثيرة جدا.. ففتياتي أهم من أي شيء آخر!!
عودة للواقع... كانت داخل سيارتها حينما انتبهت لحديث سائقها الخاص الذي يقول متعجبا من تلك الحالة التي انتابتها: هنطلع على فين يا مرفت هانم! اطلع على العنوان اللي هقولك عليه دة يا سيد. فهد بيه دكتور ليلي اتصلت وقالت إن معادها مع حضرتك هيبقي النهاردة الساعة 5 في المستشفي. ابتسامة حالمة ظهرت على وجهه وهو يرفع راسه من الأوراق المنكب عليها ويقول: طيب اتفضل انتي يا مني.. لمحة حزن ظهرت على وجه تلك المسكينة ما إن رأته يبتسم وهو يسمع اسم ليلي.. يبدو أنه اسم يؤرق العديد.. فقد امتلكت قلبه منذ الوهلة الأولى.. أصبح يتمنى أن يقضي بقية حياته بجانبها وكأنها تمتلك العصا السحرية التي وجهتها نحوه لتسرق قلبه ورسمت دوائر محاطة بطلاسم سحرية تمنعه من رؤية أحد غيرها.. يا لها من ماكرة !! إيه يا مني هتفضلي واقفة مكانك ولا إيه! ها لا انا خارجة اهو يا فهد بيه!! قالتها بتلعثم وهي تخرج مهرولة فقد جرفها تيار تفكيرها بعيدا عن الواقع بكثير.. إلى أعماق الخيال الغريقة!!