يلا ياليلى
الفصل الأول
يلا يا ليلي.. الطيارة مفضلش عليها غير ساعة.. هنبدأ تأخير من أولها !! جاية يا بابا.. خلاص أهو. هبطت برشاقة على الدرج وهي تنظر إلى والدها الواقف أمام حقائبها بهيئته الصارمة وتقول بإعتذار: أسفة يا بابا.. صحيت متأخر. ليلي.. الحياة في أوروبا مفيهاش هزار، الحياة في أوروبا عايزة انضباط وجد ومواعيد مظبوطة.. لو مش هتعملي كدة يبقي عمرك ما هتنجحي وتقعدي هنا أحسن.. لا لا.. أنا هبقي منضبطة والله.. أنا أسفة. طيب يلا أتفضلي قدامي قبل ما الطيارة تفوتنا !! سارت بجانب والدها وهي تتنفس الصعداء.. كم بذلت من الجهد حتى جعلته يوافق على سفرها هذا.
وقفت أمام السيارة وهي تنظر تجاه منزلهم لأعلى نحو شقيقاتها الباكيات اللائي ينظرن لها أنها قاسية القلب متبلدة المشاعر حتى تستطع تركهن وتغادر لمدة ليست بالقصيرة.. ولكن دائما ما كان تفكير ليلي مختلفاً؛ دائما ما كانت تتطلع إلى كثير من النجاحات والطموحات.. فبمجرد أن وصلت إلى المرحلة الثانوية أخذت تلح على والدها بطلب سفرها إلى ألمانيا لتكمل دراستها وتلتحق بكلية الطب. أهدوا يا حبايبي هي كل ٣ شهور هتنزل تقعد معانا.. يعني مش هتفضل مسافرة على طول. هنتزل تقعد معانا ٣ أيام بالعدد صح.. أنا بجد بكره ليلي عشان هي سابتني يا ماما. قالت هذا فاطمة وهي تخرج منصرفة باكية.. فدائما ما كانت مرهفة الإحساس، تجعل مشاعرها هي التي تتحكم بها. نظرت مرفت بأسى نحو ابنتها المنصرفة لتنظر نحو الفتاتان الأخرتان قائلة: حبايبي مفيش حد بيكره أخوه.. أنتم بس عارفين فاطمة دايما بتقول كلام ملوش معنى لما بتكون زعلانة.. لكن ليلي اختكم بتحبكم.. بس هي سافرت عشان تبني مستقبلها.. صح ولا أية !!! أطرقت الفتاتان ينظران أرضا وهما يومئان بالإيجاب والحزن باد على ملامحهما لتأخذهما مرفت وتتجه للداخل.
نداء.. على جميع الركاب المسافرين على الرحلة رقم ٧١٢.. التوجه إلى البوابة رقم ٥.. والاستعداد للركوب على متن الطائرة. بهذه الكلمات كانت بداية لمرحلة جديدة في حياتها.. بداية لحياة مختلفة كلياً.. حياة رائعة كما في مخيلتها.. لكن لا أحد يعلم الغيب !!
كانت صوت بوق السيارات من حولها هو المنقذ لها من بحر ذكرياتها الغريق.. البحر الذي كلما تذكرته كلما شعرت أنها تتمزق بين شعورين متناقضين.. الحنين والنفور. صفت سيارتها في الجراج الخاص بفيلا ليلي زين سويلم. أهلاً دكتور ليلي.. أهلاً يا محمد.. خير في حاجة؟ البوكيه دة جه لحضرتك النهاردة يا دكتور. مدت يدها لتأخد منه الباقة وتنزع منها البطاقة المكتوب عليها هذه الكلمات التي فصلتها عن الواقع لتعود إلى الماضي المرير: "كان لك معايا أجمل حكاية في العمر كله.. سنين بحالها مافات جمالها على حب قبله.." دقات قلب تتسارع.. وعيون تدمع ويد ترتعش.. كل هذا يحدث بمجرد أن شمت عطره المفضل! شكرا يا محمد.. متعرفش مين اللي جاب الورد دة يا محمد؟ اللي جابه عامل في المحل يا دكتور. طيب متعرفش اسم المحل دة إيه ولا هو فين؟ أه أعرف هو في المهندسين اسمه... شكرا يا محمد. العفو يا دكتور !!
كانت جالسة أمامه تهز قدمها بعصبية واضحة: والد أنا ما شايف داعي للي أنتي بتعمليه دة!! يعني أنا مجنونة يا أحمد.. قصدك كدة! يا ستي أنتي ست العاقلين.. بس ممكن تهدي شوية. قالها لتهدأ قليلاً وهي تقول: ممكن بقا أفهم أنت كنت واقف مع الزفتة دي ليه! واحدة لقيتها جاية تسلم عليا. آه طبعا ودي ما صدقت أنك سلمت عليها ووقفت تحكي معاك صح.. دي بني آدمة خطافة رجالة أصلا.. انتي عارفة يا فاطمة أنا نفسي في حاجة واحدة بس.. أنك تثقي فيا !! أدمعت عيناها وقالت بصوت متهدج: أنا واثقة فيك والله.. بس أنا خايفة تسيبني زي كل اللي بحبهم ما سابوني.. ليلي وبعدين بابا.. خايفة !! والله العظيم أنا ما أقدر أسيبك.. روحي متعلقة بيكي.. وبعدين ليلي مسبتكيش يا فاطمة.. ليلي جنبك أهي... وعمو زين الله يرحمه في مكان أحسن دلوقتي.. الله يرحمه.. بس ليلي مش معايا يا أحمد.. ليلي مش هي ليلي اللي كنت أعرفها من خمستاشر سنة..
ولكني لست مريضا.. ولا أعلم لألمي هذا نهاية يا معذبتي.. كان ينفث دخان سيجارته بملل.. فمنذ فراقها والساعات أصبحت كالسنوات.. الوقت يمر ببطء شديد.. الحياة مملة ليس لها معنى ولا غاية.. برغم كل هذا الثراء والجاه والسلطة.. لم أعد أرغب في الحياة.. الآن فقط اقتنعت بحديث زين سويلم حينما كان يقول: "لا فائدة للأموال دون وجود من تحبه !!" أفاق على صوت هاتفه.. وضعه على أذنه قائلا: ايوة يا يوسف.. ها عملت إيه في اللي قولتلك عليه !! كله تمام يا فارس.. كل اللي انت قولتلي عليه حصل.. تقدر من دلوقتي لو عايز تنزل الفيلا اللي انت كنت عايز تشتريها.. وبكرة الساعة 8 في معاد مع مدير المستشفي عشان نمضي العقود... ابتسم برضا وقال: تمام يا يوسف.. اتفضل أنت نام عشان تبقي معايا الصبح واحنا بنمضي العقود. تمام.. مع السلامة.
ممكن تهدي بس يا حبيبتي.. هي قالت خارجة مع صحابها وزمانها راجعة.. بقولك إيه متعمليش نفسك خايفة علينا أووى كدة.. احنا مش بنأكل من الشويتين بتوعك دول!! أتاها صوت فاطمة هذا من خلفها لتستدير قائلة: لو مش هخاف عليكم يا فاطمة هانم هخاف على مين؟ قولتلك أنا مش بأكل من الكلام دة.. روحي شوفي نور اللي بتضحكي عليها بكلمتين يا دكتور ليلي.. انا لا!! مبتكليش من الكلام دة !!.. أنا مش عارفة يا فاطمة أنتي أمتي بقا هتبطلي تتعاملي معايا كدة؟ بس.. كفاية منك ليها بس... قالتها مرفت صارخة بهم وهي على وشك الانهيار.. فمنذ وفاة زوجها الحبيب زين وهي تعاني من تفرق فتياتها وعنادهن، وعلى وجه الخصوص ليلي وفاطمة اللتان لا تنتهي مشاجرتهما سوياً دائماً. أهدي يا ماما.. خلاص أهدي.. ممكن بقا تهدي يا فاطمة أنتي وليلي حرام عليكم ماما مبقتش قادرة على اللي أنتم بتعملوه. قالتها نور في محاولة منها لتهدئة الوضع. أنا اسفة يا ماما.. أسفة أن أنا بخاف على أخواتي.. أسفة... عن أذنكم !! انتي هتفضلي لحد أمتي مش بتحسي.. مش كفاية أنها لحقتنا كلنا من البلاوي اللي كنا هنقع فيها بعد موتك أبوكي.. وكفاية أنها شايلة حملنا كلنا على أكتافها ومبتتكلمش.. شايلة الشركة علي دماغها.
فاليوم هو صباح مختلف... فأي شيء سيقربه إلى محبوبته.. فسيسعي إليه بكل قوة حتى وإن كان سيكلفه حياته. ألف مبروك فارس... أنا واثق أن المستشفي على أيدك هتوصل لمكان عالي جداً.. تمام يا فارس... على ما حضرتك تخلص قهوتك هكون أنا عملت اجتماع لدكاترة المستشفي.. بس استفسار لو دكتور ليلي سألتني على الشريك اللي بعتلوا نصيبي أقولها إيه.. ومعلش سؤال كمان هو ليه حضرتك مش عايز تظهر قدامها دلوقتي!! دكتور ليلي... دكتور محمود عامل اجتماع عاجل في مكتبه.. اجتماع عاجل !! من أمتي محمود بيعمل اجتماعات من غير ما يقولي ! معرفش والله يا دكتور.. هو بس بيقول لحضرتك تيجي بسرعة لأنه عايز يتكلم معاكي على أنفراد قبل ما الدكاترة ما يجوا... نهضت ليلي ودهشتها تزداد.. فهي ومحمود شركاء في هذه المشفي منذ أربع سنوات. دلفت إلى مكتبه وهي تنظر إلي التوتر البادي على ملامحه لتقول: خير... مش مستريحالك !! بصي يا ليلي أنا عارف أنك مبتحبيش اللف والدوران.. وعشان كدة أنا هاجي معاكي دغري... أنا بيعت. نعم.. أنت إزاي تعمل حاجة زي كدة من ورايا... يا ليلي أنا بقالي فترة قايلك أني برتب نفسي عشان أإسفر لمراتي وأولادي في فرنسا وأستقر هناك.. وأكيد كان لازم أبيع نصيبي. طيب ما انا قولتلك أني أنا هشتري منك نصيبك.. يا ليلي أنتي مش هيفرق معاكي خصوصا أن أنا أصلا نصيبي ٢٥٪ من المستشفى.. أنا جمعتكم النهاردة عشان أعرفكم أن النهاردة آخر يوم ليا في المستشفى هنا !!!
كان يتجول في مكانهما القديم الذي كانت تفضله كثيراً باحثاً بعينيه عنها.. بلهفة وشوق بعد غياب خمس سنوات.. ومازال وعدها له يتردد في أذنه. دق قلبه بعنف عندما تذكر آخر كلماته إليه.. ولكن سرعان ما انسحب الخذلان يجتاحه.. شعور لأول مرة يراوده. ربما كان يهيئ لها.. لكنها قالت بهدوء: ثواني يا مروان وهرجعلك. خرجت مهرولة علها تلحق هذا الطيف الذي رأته.. وبالفعل لم تكن مجرد تهيؤات.. تنفس بعمق وهو يقول بلهجة جاهد لكي تكون ثابتة: هنا... أزيك ! ك ك.. كويسة.. ما وحشتكش !! اممم.. أكيد وحشتيني أنتي وطنط مرفت وأخواتك كمان.. ليس هذا ما تريده منه.. أخذت عيناها تتجول ما بين مقلتيه العسليتان وهو واقف أمامها واضع يديه بجيبا بنطاله كجبل الجليد الذي لا يتحرك له ثابت. يوسف أنت مالك بتتكلم كدة ليه !! انا !.. بتكلم ازاي يعني.. عادي.. أظن كمان يا هنا أن هو دة كلامنا مع بعض أصلا لا أكتر ولا أقل. وعن يوسف.. الموضوع مش زي ما انت فاهمة.. ممكن تقعد عشان أفهمك.. قاطع حديثها قائلا: مفيش حاجة تتفهم يا هنا.. عن أذنك بقي لأن أنا كدة أتأخرت.. ربنا يوفقك في حياتك... تركها في صدمتها هذه واستقل سيارته وانطلق لتقف هي متأملة في محله الذي كان يقف فيه ودموعها تنساب على وجنتيها بخفة كحبات من الألماس متدحرجة على سطح مطلي بالذهب.. حتى لحظة ابتعادهما وانفصالهما شهد عليها.
انتفضت من محلها وعيناها متسعتان بخضة عندما فتح الباب واصطدم بالحائط بقوة وهي تنظر لشقيقتها سارت حتى أصبحت أمامها مباشرة وهتفت ببرود أعتادت عليه خاصة عند معاملة كلا من فاطمة هنا: أولاً الطريقة اللي أنتي دخلتي بيها دي طريقة الناس الهمجية بس يا بشمهندسة، ثانياً لو اللي حصل دة أتكرر تاني يا هنا متزعليش مني، ثالثاً بقى والأهم أن أنا معرفش أن فارس أصلا رجع من السفر وحتي لو أعرف دة شيء ميهمنيش ومش ظن برضه أنه يهمك.. لا يهمني.. كان لازم أعرف أن يوسف رجع.. رفعت حاجبها بسخرية وقالت: أها.. فهمت عشان تلحقي تبعدي عن شوية الصيع اللي انتي ماشية معاهم.. هو شافك معاهم ولا إيه ! هتفت بصوت مرتفع ونبرة تشوبها الغضب: بطلي بقا برود شوية.. ومتكدبيش لأني واثقة انك كنتي عارفة أن فارس رجع ومقولتليش.. وانا هكدب ليه بقي.. هخاف منك مثلا.. بس احب اقولك اني فعلا اول مرة اعرف ان فارس رجع مصر منك دلوقتي.. ولو مش عايزة تصدقي فالحيطة قدامك أهي. ماشي يا ليلي بس خليكي فاكراها.. لقد عاد مرة أخري.. ترى هل عاد لها.. أم عاد لقضاء عمل له ويذهب مرة أخرى.. وإن كان عاد لقضاء عمله، فلم بعث لها بهذه الورود إذاً! أسئلة كثيرة تدور بذهنها ولم تجد مفر منها.
كان جالس يتابع العمل على الحاسوب الخاص به وهو ينظر إلي يوسف بطرف عينيه منتظر أن يتحدث بما فيه بدلا من جلوسه شارد هكذا لكنه لا يفعل.. حتى قال فارس: مالك ! ترك فارس ما بيده واتجه ليجلس أمامه مباشرة وهتف وهو يضع كفه على كتفه: مقولتليش عملت إية النهاردة؟ في إيه بالظبط ! رفع فارس حاجبه بتعجب وقال: أنت مش روحت النهاردة عشان تقابل هنا.. عملت إيه معاها ! تنهد يوسف بحسرة على حبها الوحيد وقال بابتسامة سخرية: ولا حاجة.. معملتش ولا حاجة.. من الواضح أنها بدأت حياة جديدة.. ربنا يوفقها.. قطب فارس حاجبيه بدهشة وقال: معرفش !! هتف بها يوسف وهو ينظر إلى اللا شيء.. لينظر له فارس باستغراب وهو يقول: بقولك إيه أنا مش فاهم منك حاجة.. هطلب كوبيتين قهوة وصحاب معايا كدة واحكيلي. دائما ما أكره الحكم والنصائح التي تكون من نوع... فالفترة التي عرفتك فيها كانت مليئة الألم.. لتدخل أنت إلى حياتي وأظن أن الألم سينتهي ولكني كنت ساذجة حينما أتقدت ذلك.. فقد كانت بداية جديدة لمرحلة أشد ألما... أغلقت الدفتر الخاص بها بعدما انتهت من كتابة تلك الكلمات التي تخرج بها الألم الكامن في قلبها.. تنهدت وهي ترجع ظهرها إلى الخلف لتعود أيضا بذاكرتها نحو الماضي.
كانت تعيش فترة مؤلمة.. فالآن قد مر شهر على وفاة والدها.. أقرب شخص لها في هذه الحياة.. مرشدها ومعلمها فارقها إلى الأبد.. اعتزلت العالم وصارت وحيدة لا تغادر غرفتها، وهي تسبح في ذكرياتها مع والدها وتتحسر على الأيام التي لن تعود.. حين سمعت صوت باب غرفتها وهو يفتح لتدلف إليها شقيقتها ذات البطن المنتفخ وهي تجر قدميها وهي بالكاد تستطيع السير لتجلس أمامها وهي تتحدث بصوت متحشرج باكٍ. رفعت نظرها نحوها وهي تنظر إلى حالتها التي يرثى لها والحزن الذي أنهكها ولم تصدر أي تعليق.. عادت الأخيرة إلى البكاء والنحيب وهي تقول بصوت متقطع من وسط دموعها: طيب قولي أي حاجة.. طيب قولي حتى أنك بتكرهيني ومش بتحبيني !! تنفست بعمق وهي تعصر عيناها بقوة في محاولة منها للتماسك لتقول بصوت منهك: أنا عمري ما هكرهك يا ليلي.. مفيش حد بيكره أخوه.. ما بالك بقي لو توأمه!!! طيب ليه مش بتكلميني.. ليه بتعملي زيهم؟ أنا.. أنا بس لحد دلوقتي مش مصدقة أن بابا مش معانا.. لا يا ليلي.. دة عمره ومكتوبله.. أنتي مش سبب أبدا في موته.. اوعي تقولي كدة تاني !! لو مكنتش زعلته مكنش هيجيله القلب ومكنش هيحس ومكنش هيتموت.. استغفري ربك... دة قدر ومكتوب ومحدش يقدر يغيره !! بدأت الحياة تسير وهي الوحيدة التي مازالت قاطنة بمحلها.. لا تتحرك.. رجل ستيني.. يغلب على شعره الخصلات البيضاء التي تعطيه وقار يذكرها بوالدها.. ازيك يا آنسة نور... تمام. قالتها بصوت خفيض وعيون زائغة كأنها ضائعة وسط بحر لا يوجد فيه قارب للنجاة. هز رأسه بتفهم لحالتها وقال: باباكي الله يرحمه توفي بقاله قد إيه؟ بقاله خمس شهور.. الله يرحمه.. زين بيه كانت سمعته طيبة جدا. هو حضرتك كنت تعرفه.. حقيقة أنا معرفهوش معرفة شخصية لكن ابني هو اللي شركته ليها تعاملات معاه.. وبصراحة كان دايما بيشكر فيه ويثني على أمانته.. بجد.... وكان بيحكي لحضرتك إيه كمان عليه ! بدأت حالتها تحسن وهي تستشعر حنان الأب بهذا الطبيب الذي لا يعاملها كمريضته بل كابنة له.. وبعد عدة زيارات متتالية: شوفي بقا أنا صابر عليكي قد إيه.. لازم بقا تنفذي وعدك وتبدأي تحكيلي.. ابتسمت له وقالت برقتها المعهودة: من أول لما أنتي تحسي أنك عايزة تحكي.. من أول لما تحسي أن المشكلة بدأت.. اه.. توأمي. امم.. كملي.. إيه المشكلة اللي بدأت مع سفر ليلي؟ سفر ليلي أصلا هو اللي كان مشكلة.. وضحي أكتر يا نور.. أحكي كأنك بتفتكري مع نفسك كأني مش موجود.. متستنيش أني أقولك كملي.. احكي وبس. أحنا أربع بنات توأم... أنا وليلي وفاطمة وهنا.. أحنا كنا متعلقين ببعض بطريقة خرافية... بنحب بعض جدا.. مكناش متخيلين أن في حاجة ممكن تبعدنا عن بعض.. لحد ما خلصنا الاعدادية وكنا داخلين ثانوي كانت بتبص لمستقبلها.. مقدرش أتأهمها بالأنانية زي ما فاطمة ما أتهتمتها.. لأنها كانت أكتر واحدة متعلقة بليلي.. لكن اللي حصل بعد كدة أن فاطمة بدأت تدخل في حالة اكتئاب ومكنتش متقبلة سفر ليلي.. وبدأت فاطمة تبقي عدوانية جدا مع ليلي في كل إجازة هي بتنزل فيها... لدرجة ان ليلي مبقتش عايزة تنزل إجازات. مش فاهمة قصد حضرتك.. يعني ممكن تكون غيرة مثلا أن والدكم سفرها هي بس وأنتم لا أو حاجة زي كدة.. لا لا... مش دة تفكير فاطمة نهائي... لأن فاطمة عارفة كويس أنها هي كمان لو طلبت من بابا يسفرها هي... تمام كملي. بعد دخولنا الجامعة كانت إجازات ليلي قليلة قوي عشان دراستها إلي جانب طبعا انها مش بتنزل مصر تجنبا للخناقات اللي بتحصل بينها هي وفاطمة.. فكنا كل كام شهر بنسافرلها أنا وهنا.... في تاني زيارة لينا ليلي قالتلنا أنها بتحب... فرحنا.. طبيعي فرحنا ما هي توأمنا يعني.. بس بعد كدة فرحنا بدأ يتحول لخوف لما تخيلنا رد فعل بابا لما قالتلنا أن هي بتحب دكتورها في الجامعة.. طبعا كانت صدمة بالنسبالنا.. دة أكبر منها بخمستاشر سنة..
يا له من ماض مؤلم.. أخرجتها منه صوت الدقات على الباب حينما سمعت صوتها الدافئ هاتفاً: نور.. نوري.. أنتي صاحية؟ ابتسمت بدفء وهي تستمع إلى شقيقتها الحبيبة لتقول: أدخلي يا ليلي.. عاملة إيه ! تنهدت وهي تنظر أرضا وتحدثت بحزن دفين قائلة: فارس رجع !!! كان ينظر إليه وهو قاطب حاجبيه وقال بسخط: ومسمعتهاش ليه يا فالح !! مش يمكن عندها مبرر يا يوسف.. نظر له وكأنه كائن فضائي وقال: مبرر!!... يعني أنت لو كنت... يوسف... وضع يده على كتفه وهو يقول معتذرا: مش قصدي يا فارس.. بس أنا فيا اللي مكفيني.. متخيل لما تقعد أكتر من خمس سنين حاطط أملك في حد ويخذلك... متخيل يا يوسف.. بس أنت كنت لازم تبقي أهدي من كدة.. كنت لازم تسمعها.. مش تقعد تعذب في نفسك وتحط ايدك على خدك وتتخيل سيناريوهات مش موجودة أصلا. اللي حصل حصل.. المهم تعرف أنت هتعمل إيه. هستني شوية أشوف هي هتعمل إيه.. وبعد كدة أحدد أنا هعمل إيه. نظرت لها بتفكير وقالت: طيب وأنت محاولتش تشوفه أو تكلمه؟ هزت رأسها لها باستفهام وقالت: أشوفه ليه.. وهو مين اللي قالك يا نور أني ناوية أرجع لفارس أصلا.. الموضوع انتهي من زماان. لا يا ليلي الموضوع ما انتهاش.. انتم الاتنين بتحبوا بعض.. واللي حصل زماان انتهي.. وأنتي الغلطة الوحيدة اللي غلطتيها أنك سبتي فارس. ومين قالك أصلا أن أنا بفكر فيه.. أنا ميهمنيش دلوقتي غير شغلي وبس.. اقتربت منها وهي تنظر في عيناها وتقول بابتسامة: عينيكي بتقول عكس اللي انتي بتقوليه يا ليلي... أنتي بتكدبي عليا !! جلست على الفراش بإنهاك وهي تقول: اه بفكر فيه ونفسي أشوفه والمسه حتى ولو لمرة واحدة.. بس مش هينفع... أنا كسرته يا نور.. مش هيبقي ليا عين أقف قدامه.. غير بقا اني حتي لو فكرت أرجعله صورة بابا مش هتفارقني وتأنيب الضمير هيفضل عندي طول عمري.. فالوضع دة هو الاحسن لينا احنا الاتنين.. كفاية مشاكل الشغل عليا.. متزوديش الهم بالله عليكي يا نور. ليه أنتي عندك مشاكل في الشركة! لا في المستشفي. فيه إيه؟ محمود باع نصيبه.. طيب وإيه المشكلة في كدة يا ليلي !! المشكلة ان هو كلمني في الموضوع دة قبل كدة وانا قولتله أن انا هشتري نصيبه بس يصبر عليا يكون معايا سيولة.. بس الباشا مصبرش وراح باعها ومش بس كدة دة بيقول أنه باعها لواحد كويتي بيقول أنه مش هيقدر ينزل مصر دلوقتي.. يعني أنا كدة مش عارفة مين اللي مشاركني.. ومش عارفة آخد أي قرار لأن في أوراق واقفة على إمضته.. طيب وبعدين هتعملي إيه... هعمل إيه يعني... هستني لما سيادته ينزل مصر وأحاول معاه انه يبعلي نصيبه. بس في حاجة غلط في الموضوع.. محمود نصيبه ٢٥٪ يعني مين يعني اللي هيبقي عايز يشتري ٢٥٪ من مستشفي !! معرفش.. لسه بفكر في اللي حصل لأني حاسة ان الموضوع دة فيه حاجة غلط!!
ترى هل مازال يفكر بها... هل مازال يحبها.. لا تعرف بم تفسر له وجوده مع مروان.. هل تخبره أنها تفعل هذا حتى تكسب المناقصة التي تخوضها شركتها.. وبدلا من أن تنال رضاه تسقط من نظره. أعتدلت بجلستها حينما خطر ببالها... ليس هذا ما كانت تفكر به حينها.. فقد كان كل همها أن تأكد أنه سيجعل شركتها تفوز بتلك المناقصة. لعنت تفكيرها الساذج وطمعها... وجدت باب مكتبها يفتح بدون أذنها فقطبت حاجبيها بغضب وهي تراه يدخل بهمجية وسكرتيرتها خلفه تحاول منعه من الدخول.. فقالت بغضب: إيه اللي أنت بتعمله دة يا مروان !!! أنتي مش بتردي عليا ليه يا هنا.. قالها بصوت مرتفع وبملامح ساخطة... لتقول سكرتيرتها: أتصل بالأمن يا بشمهندسة. لا اتفضلي يا مروة انتي دلوقتي. التفتت له وقالت وهي تقف أمامه ضامة يدها: انا عايزة أفهم إيه اللي أنت بتعمله دي ! انا اللي عايز أفهم أنت مش بتردي عليا ليه.. مطنشاني ليه.. ولا عشان المناقصة رسيت علي شركتك خلاااص بحح !! اه.. تقدر تقول كدة.. عشان كدة بقا مش عايزة أشوف وشك ولو بالصدفة يا مروان.. انت فاهم.. لا مش فاهم يا هنا.. مش مروان العجاتي اللي يحصل معاه كدة. اطلع برة. ماشي يا هنا.. بس صدقيني انتي هتندمي وهتيجي تبوسي رجلي علشان أرحمك ومش هرحمك. قولت برة.. بررة. نظر إليها نظرة أخيرة وانطلق خارجا.. لتجلس وهي تلعن اليوم الذي رأته فيه فلا شيء يسير على ما يرام منذ أن تعرفت عليه.
كانت تستقل معه السيارة وهي تتراقص على أنغام الموسيقى التي تعشقها.. وهو ينظر لها مبتسماً، فلا شيء يسعده في هذه الحياة سوى رؤيتها سعيدة... وصلنا. ابتسمت بارتباك وهي تبتلع ريقها قائلة: كنت عايزة اكلمك في موضوع يا أحمد.. طيب خلينا نتكلم لما نطلع.. كدة هنتأخر على العشا وماما هتزعل !! أحم.. أصلي عايزة اتكلم معاك لوحدنا. طيب نتعشي ونقعد مع ماما شوية وبعد كدة ندخل البلكونة نقعد لوحدنا.. إيه رأيك !! تمام.. يلا. صعدا سوياً نحو منزل الذي تقطن فيه والدته.. فقد توفي والده منذ أن كان صغيرا وتركه هو ووالدته بميراث ليس بالقليل ليشب أحمد ويقوم بافتتاح شركة خاصة بالأسمنت ومواد البناء.. وكانت شركته تتعامل مع شركة شقيقتها هنا.. وبدأت فاطمة تراه بشركة شقيقتها كثيراً..