مزرعتي والضيفة الحامل ​بقلم: إنجي الخطيب

لمحة نيوز

الدنيا.
الحج كمال التفت ليا، ومسك إيدي وباسها وهو بيقول أنا مش عارف أشكرك إزاي يا أبو نور.. أنت صنت عرضنا وحميت لحمنا في وقت الدنيا كلها باعتنا. اطلب اللي أنت عايزه.. الأرض دي، المزرعة دي، أي فلوس تطلبها هتبقى تحت رجلك.
سحبت إيدي براحة وابتسمت وقولت له بكبرياء الفلاح اللي مبيقبلش تمن لمعروفه يا حج كمال، أنا مبعملش تجارة في لحمي. رحمة بنت أخت مراتي الله يرحمها، يعني بيتي بيتها، والدم عمره ما يبقى مية. أنا منقذتش غريبة، أنا رجعت الدفا لبيتي اللي كان هيموت من الوحدة.
رحمة قربت مني، وعينيها بتلمع، وقالت بصوت كله حنية أنا عمري ما هنسى إنك فتحت لي البوابة دي وأنا ملية تراب وهم يا عمي.. ومهما عشت وفي أي مكان، المزرعة دي هتمتن بيتي الأول، وأنت ونور عيلتي اللي ملناش غيرها.
اتفقنا إن رحمة هترجع مع عمها عشان تاخد حقها وحق ابنها وتعيش في العز اللي تتحقه، بس على شرط.. إن كل إجازة وكل موسم، البيت ده يتفتح وتيجي تقعد وسطنا.
يوم سفرها، وقفت عند نفس البوابة وأنا ماسك إيد نور بنتي، وبنبص لعربيتهم وهي ماشية وبتختفي وسط الخضرة والزرع. نور بصت لي وقالت هتوحشني قوي يا بابا.. البيت هيرجع يفضى تاني؟.
ضميتها لحضني وقولت لها وأنا باصص للأرض والسمّار اللي فيها عمر ما البيت هيفضى يا نور.. اللي بيزرع خير وبيفتح بابه للمحتاج بالستر، ربنا بيملا قلبه وبيته بالبركة اللي متبتخلصش.. كريمة مشيت، بس سابت جوة كل حيطة هنا حكاية دفا هتعيش معانا العمر كله.
ومرت السنين.. نور كبرت وبقت عروسة زي الفل، ودخلت كلية الزراعة عشان تفضل جنبي وتساعدني في الأرض اللي ربنا طرح فيها البركة من يوم ما كريمة خطت عتبتها. المزرعة الصغيره مبقتش صغيرة؛ الحج كمال وفي بوعده، وساعدني أشتري الأرض اللي جنبنا، وبقى اسمنا معروف في السوق كله بالخير والأمانة.
توفيق الصغير بقى راجل في طبع جده وعمه، بس بقلب أمه.. كل أجازة، وأول يوم في العيد، تلاقي العربية السودا الفخمة داخلة من المدق، وينزل منها الحج كمال ورحمة اللي وشها رجع ينور تاني وبقى باين عليها العز والراحة، ويجري توفيق يترمي في حضني وهو بيقول وحشتني يا جدي أبو نور.
وفي ليلة من ليالي الشتا، كنا قاعدين كلنا في صالة البيت الجديد اللي بنيته جنب البيت القديم بس سيبت البيت القديم زي ما هو.. قفلناه وسبنا فيه حاجتنا وذكرياتنا. كنا لمتنا مالي المكان، وصوت الضحك والدفا راجع يملى الحيطان تاني.
الحج كمال بص لي وهو بيشرب الشاي بالنعناع وقالي تعرف يا أبو نور.. أنا كل ما باجي هنا بحس إن روحي بترد ليا. القاهرة بزحمتها وفلوسها وعزها ميسووش ليلة واحدة وسط اللمة والأصل دي.
رحمة بصت لي وابتسمت، وقالت ونور ساندة راسها على كتفها الأصل مبيتشرى بفلوس يا عمي.. الراجل ده فتح لي بابه وأنا هربانة بجلدي، وفي ليلة صعبة وقف في وش الدنيا كلها وحماني وحمى ابني وهو ميعرفش إحنا مين.. الخير اللي إحنا فيه ده كله، مزروع هنا.. في طين المزرعة دي.
قمت من وسطهم ومشيت ناحية الشباك، وبصيت للبوابة القديمة اللي كانت منورة تحت ضوء القمر. الهوا كان بيصفر براحة بين شجر الموز، بس المرة دي مكنش فيه خوف، ولا كان فيه صوت غربان.. كان فيه صوت الرضا وسكينة النفس.
افتكرت الليلة الأولى، والشنطة المتبهدلة، والدم اللي جمد في عروقي.. وضحكت في سري وقولت سبحانك يا رب.. بتبعت المحنة وفي بطنها المنحة، وبتسبب الأسباب عشان تجمع القلوب الطيبية على مائدة واحدة.
توفيق الصغير جِه وقف جنبي، ومسك إيدي وبص معايا للبوابة وقالي بتفكر في إيه يا جدي؟.
طبطبت على كتفه وقولت له بصوت كله راحة بفكر في كرم ربنا يا ابن الغالية.. بفكر إن البيوت اللي بتتبني على الستر والأصل، عمر الحيطان بتاعتها ما تقع، وعمر الدفا ما يخرج منها.
وتوتة توتة، خلصت الحدوتة.. بس الخير اللي بدأ بكلمة اتفضلي ادخلي، هيفضل عايش وممتد، جيل ورا جيل، يعلم الناس إن ابن الأصول بيفضل أصيل، وإن ربنا دايماً بيجبر بخاطر اللي بيجبر بخاطر عباده.
تمت

تم نسخ الرابط