مزرعتي والضيفة الحامل بقلم: إنجي الخطيب
المحتويات
وواقف يتلفت وراه كأنه هربان من ديابة. عرفته من غير ما أشوف ملامحه.. ده السواق! جوزها! الدم حن، والقاتل جِه يدور على مراته وابنه.
رحمة صرخت جوة صرخة هزت الحيطة، والراجل برة سمعها، وبدأ يزعق رحمة! أنا عارف إنك جوة! افتحي يا رحمة أنا هربان والشرطة ورايا!.
وقفت في مكاني، حاطط صباعي على الزناد. الخيار كان بين اتنين أفتح الباب وأسلمه مراته وابنه وأخلص من الوجع والتهديد اللي دخل بيتي، ولا أحمي الروح اللي بتولد جوة وأحافظ على العهد اللي أخذته على نفسي قدام بنتي؟
بصيت للسما، وقولت يا رب.. أنت اللي بعتتها لحد عندي، ورفعت البندقية لفوق، وضربت طلقة في الجو هزت الغيط كله. الراجل برة اتفزع ورجع لورا، وقفت وبصيت له من الشباك وقولت بصوت زي الرعد المزرعة دي مفيهاش حد بالاسم ده.. والمكان هنا ملوش يد بدم ولا بهروب.. لِف ضهرك وارجع من مطرح ما جيت، وإلا الطلقة الجاية هتبقى في صدرك، والفيوم واسعة والشرطة على أول المدق!.
الراجل بص للمكان برعب، وصوت الوجع اللي جوة كان مالي الدنيا، فهم إن ملوش مكان هنا، وإن المركب اللي هرب فيها ملهاش بر.. لف ضهره وجري وسط شجر الموز واختفى في الضلمة كأنه مكنش موجود.
بعدها بعشر دقائق، الباب انفتح ودخلت أم السعد ومعاها نور وهما بينهجوا. دخلوا الأوضة وقفلوا الباب، وفضلت أنا واقف برة، ساند ضهري على الحيطة، والبندقية في إيدي، وعرقي نازل يغرق الأرض.
ساعة كاملة مرت كأنها سنة.. لحد ما السكوت حل فجأة، وبعده طلع صوت بكا صغير.. بكا طفل بيبدأ دنيته. الباب اتفتح، وأم السعد خرجت وعلى وشها ابتسامة وقالت مبروك يا أبو نور.. جابت ولد زي الفل، وكريمة شديدة وقامت بالسلامة.
دخلت الأوضة براحة، لقيت رحمة قاعدة على السرير، وشها تعبان بس عينيها فيها لمعة نصر وفرحة مكنتش موجودة من يوم ما شفتها. نور كانت قاعدة جنبها وبتبص للطفل اللي متلفوف في حتة قماش بيضا بنظرة كلها حب.
رحمة بصت لي، والدموع في عينيها، وقالت بصوت واطي سميته توفيق.. على اسم أبويا، يمكن ربنا يغفر للي فات، ويجعل الولد ده بداية جديدة لاسم عيلتنا.
هزيت راسي، ووطيت بصيت للطفل الصغير اللي كان بيتحرك براحة وسط الدفا. بصيت لرحمة وقولتلها توفيق توفيق.. ويتربى في عزنا يا كريمة. الأرض اللي برة دي هتكبر، واللقمة اللي كنا بنقسمها على اتنين، هتكفينا احنا الأربعة.. طول ما البيوت مقفولة على أهلها بالستر والأصل، ربنا مبيضيعش حد.
ومن الليلة دي، اتقفلت صفحة الدم والخوف، واتفتحت صفحة جديدة في المزرعة.. صفحة بدأت ببنت غريبة واقفة على البوابة بشيل تقيل، وانتهت بعيلة حقيقية، اتولدت من رحم التعب والأمان.
الشهور جريت ورا الشهور، وتوفيق الصغير بقى يملى البيت بضحكه ولعبه، ونور بقت زي أخته الكبيرة، مبتمشيش خطوة من غيره. رحمة أو كريمة زي ما ثبت اسمها في البلد بقت هي الوتد اللي شايل البيت، زرعت جنينة صغيرة قدام المطبخ كلها ريحان ونعناع، والبيت اللي كان على طول ضلمة وكئيب بعد وفاة مراتي، بقى ينبض بالحياة والدفا.
أنا من ناحيتي، كنت نزلت المدينة وسألت بطرقي من بعيد لبعيد عن قضية المقاول الهواري. عرفت إن الحكومة قبضت على السواق على حدود مرسى مطروح وهو بيحاول يهرب برة البلد، واعترف بكل حاجة واتحكم عليه، والموضوع اتقفل تماماً. طمنت رحمة، وحسيت إن جبل كان شايل على ضهري ونزل، وبقيت أنزل أرضي وأنا بالي مرتاح، والرزق بدأ يزيد ويبان في إيدينا، كأن الواد الصغير ده جِه وجاب رزقه معاه.
وفي يوم، والدنيا عصر وشمس الصيف حامية بس الهوا بتاع الفيوم بيرد الروح، كنت راجع من الغيط وفأس على كتفي. أول ما قربت من البوابة، لقيت عربية سودا فخمة قوي، من بتاعة أعيان ومقاولين مصر، واقفة برة المدق، ونازل منها راجل ستيني، لابس جلباب صعيدي فاخر من الصوف العالي، وواقف يبص للمزرعة وللبيت بنظرات كلها حيرة وألم.
قلبي نقح عليا، نزلت الفأس من على كتفي وقربت منه وعيني في عينه خير يا فندم؟ بتدور على حد هنا؟.
الراجل بص لي، وعينيه كانت مليانة دموع محبوسة، وطلّع من جيبه صورة قديمة لرحمة وهي صغيرة، وقال بصوت يترعش أنا عم رحمة.. الحج كمال الهواري. بقالي سنتين بقلب عليها الدنيا بعد ما أخويا توفيق مات والشرطة قبضت على السواق. أخويا ظلمها ورمى لحمه، وأنا جاي أدور على بنت أخويا وابنها.. المحاميين بتوعنا وصلوا لآخر خيط ليها هنا في أطراف الفيوم. قولي يا ابني.. هي هنا؟.
قبل ما أنطق بكلمة، الباب الخشب بتاع البيت اتفتح، وخرجت رحمة وهي شايلة توفيق على كتفها ونور جنبتها. أول ما عينيها جت على الراجل، الشنطة القماش اللي في إيدها وقعت، ودموعها نزلت من غير صوت.
الحج كمال جِري عليها وحضنها وهو بيبكي زي الأطفال سامحينا يا بنتي.. أخويا الله يرحمه عمّاه الغرض والجهل، بس احنا ملناش غيرك.. أنتي وابنك ورث توفيق كله، وعز الهواري مستنيكم في مصر.
رحمة كانت بتعيط، بس وهي في حضن عمها، لفت وشها وبصت لي.. نظرة طويلة كلها امتنان وفضل كأنها بتفتكر الليلة الأولى اللي وقفت فيها عند البوابة دي بشنطة متبهدلة وكربرياء مكسور، والليل اللي حاميتها فيه من جوزها ومن
متابعة القراءة