مزرعتي والضيفة الحامل ​بقلم: إنجي الخطيب

لمحة نيوز

لاقيت عند بوابة مزرعتي ، بنت واقفة ملامحها صغيرة في السن، كانت حامل في الشهور الأخيرة، وفي إيدها شنطة سفر قديمة ومتبهدلة. بصت لي و التعب باين على وشها بس بكل كبرياء قالت لو وافقت تقعدني عندك، هطبخلك وهنضفلك البيت. أنا كنت أب ل بنت، ومكفي بيتي بالعافية ومحتار في الدنيا لوحدي، بس مقدرتش أرفض ودخلتها. أسبوع كامل، كان طبيخها ونفسها في الأكل يرد الروح للبيت وحسسنا بدفا العيلة من تاني. كنت فاكر إني يدوب أنقذت بنت غلبانة وهربانة من ظروف صعبة.. لكن في الليلة السابعة، فتحت شنطتها بالصدفة، وساعتها الدم جمد في عروقي.
البنت الحامل اللي كانت واقفة عند البوابة، شادة في إيدها شنطة قديمة، وعلى كتفها شنطة قماش، والتراب مغطي جزمتها من مشوار الطريق. كان باين عليها إنها مشيت مسافة طويلة قوي، ومبقاش ليها مكان تاني تروحه في الدنيا.
كنت خلاص هرفضها وأمشيها، بس لما قربت وبصيت في وشها بجد، رجعت في كلامي.
الشمس كانت خلاص بتغيب ورا جبال الفيوم البعيدة وأنا واقف في الأرض بالفأس في إيدى، ووقفت فجأة مش عشان تعبت، لا، عشان بنتي نور اللي عندها عشر سنين وقفت فجأة مكانها جنب السور ومتحركتش.
قالت لي بصوت واطي بابا.. فيه حد واقف عند البوابة برة.
كانت ست واقفة هناك لوحدها. لا بتقدم ولا بتمشي، يادوب ساندة إيدها تحت بطنها من ثقل الحمل، وكأنها بتجمع كل قوتها عشان تفضل واقفة على رجليها. كانت حامل في أواخرها، وصغيرة.. صغيرة قوي على إنها تشيل كل الهم ده لوحدها.
مشيت ناحية البوابة براحة، وأنا عمال أحسبها في دماغي وبدور على أي حجة عشان أقولها لا. المزرعة على قدها، والبيت ضيق، والفلوس يادوب ومأثرة معانا. وعندي بنت عايز أحميها، ومواشي عايزة تأكل، وأرض محتاجة مراعاة، وكوم فواتير مستنياني.. يعني مش ناقص وجع دماغ ولا مشاكل.
لما وقفت قدامها، رفعت راسها وبصت في عيني.
مساء الخير يا فندم.
مساء النور.
بلعت ريقها وصوتها مكنش فيه أي حيلة ولا تمسكن وقالت لو سيبتني أقعد هنا، هشتغل بلقمتي.. هطبخلك وأنضفلك البيت.
الهوا كان بيصفر بين حديد البوابة، ومن بعيد كان صوت الغربان طالع وسط الشجر. نور بنتي مكنتش بتتكلم، بس كنت حاسس بنظراتها ومراقبتها لكل ثانية بتعدي.
كان المفروض أقول لا.
كنت عايز أقول لا.
بس فيه حاجة في الست دي دبت في قلبي ووقفتني.
مكنش عطف ولا شفقة، كانت وقفتها اللي كلها تعب وهلكة بس من غير انكسار. كانت بتطلب السكن كأنها بتعرض اتفاق وتجارة عادلة، مش بتشحت لقمة. كرامتها كانت الحاجة الوحيدة اللي غبرة الطريق مقدرتش تاخدها منها.
سألتها اسمك إيه؟.
قالت كريمة
بصيت في عينيها ثانية كمان، وبعدين فتحت البوابة.
اتفضلي ادخلي.
هي الكلمة دي وبس.
كريمة بصت لي وكأنها مش مصدقة ودنها، وبعدين خطت جوة البوابة وهي كابشة في الشنطة بإيدها الاتنين. ومشينا احنا التلاتة ناحية البيت من غير ولا كلمة.
ليلتها، طبخت من مفيش.. شوية دقيق وبصل وتوم وفاصوليا ناشفة، وحتة لحمة من الفريزر كنت مطلعها ومستخسرها. بس الأكل اللي طلع من المطبخ مكنش ريحته أكل عادي ، كانت ريحته دفا بيت منسي بدأ يتنفس تاني.
أكلنا مع بعض ليلتها على الطبلية القديمة من غير كلام كتير، بس مكنش سكوت عادي .. كان سكوت تلاتة لسة مش عارفين مكان بعض إيه في البيت، بس بدأوا يطمنوا.
الأيام اللي بعد كده مرت وكل حاجة بدأت تاخد مكانها من غير ما نقعد ونتفق.
أنا بقيت أنزل الأرض وأراعي الزرع والمواشي، وكريمة بقت تطبخ وتغسل الهدوم، وتحط ورد بلدي ونعناع في شباك المطبخ، كأن البيت كان مستني طول عمره حد يفتكره باللمسة دي.
وكان المفروض الحكاية تقف لحد هنا.
غريبة ومحتاجة امان و سكن.
فلاح وعمل استثناء لمرة واحدة.
وطفلة بدأت تطمن وتصاحب الست دي.
بس على آخر الأسبوع، لقيت حاجة جوة شنطة كريمة القديمة خلت الدم يجمد في عروقي.. وفجأة فهمت إنها مكنتش وصلت لباب مزرعتي بالاصدفة!
الدم جمد في عروقي وأنا باصص جوة الشنطة القديمة المتبهدلة اللي كانت مفتوحة مواربة على السرير في أوضة الخزين، الدُنيا لفّت بيا واليوم السابع اللي كان المفروض يبقى نهاية أسبوع مليان دفا، اتشطب عليه في ثانية وبقى بداية كابوس. أنا مكنتش بفتش وراها، كنت داخل أجيب علبة مسامير من الرف اللي فوق السرير، وكوعي خبط الشنطة وقعت على الأرض واتفتحت، ووقعت منها ورقة جورنال قديمة مطبقة، وصورة فوتوغرافية مكسور زجاج بروازها الخشب. شيلت الصورة من على الأرض وأنا بنفض من عليها التراب، وعيني جت على الوشوش اللي فيها. كنت أنا.. ومراتي الله يرحمها، ونور بنتي وهي لسة لحمة حمراء في اللفة، واقفين قدام نفس البوابة دي من عشر سنين! لفيت ورقة الجورنال بسرعة وأنا إيدي بترتعش، لقيت خبر معمول عليه خط أحمر بحبر جاف مقتل المقاول توفيق الهواري في ظروف غامضة، والشرطة تبحث عن السائق الخاص الهارب. توفيق الهواري ده يبقى أخو مراتي الكبير، الراجل اللي قاطعنا من سنين وعشنا هنا في الفيوم بسببه بعد ما هددني بالقتل لو قربت من عيلتهم تاني.
سمعت صوت خروشة ورايا، لفيت بسرعة وأنا هطق من الجنان، لقيت كريمة واقفة ساندة على الباب، وشها أصفر زي الليمونة، وإيدها على بطنها بتترعش، وعينيها مليانة دموع بس لسة فيها نفس الكبرياء.
سألتها

تم نسخ الرابط