مزرعتي والضيفة الحامل ​بقلم: إنجي الخطيب

لمحة نيوز

وصوتي طالع بالعافية، كأنه جاي من تحت الأرض أنتي مين؟ والصورة دي بتعمل إيه معاكي؟ وجورنال الدم ده قاصد إيه؟ أنتي مش جاية هنا بالصدفة يا كريمة!.
كريمة نزلت راسها في الأرض، ودمعة سخنة نزلت على وشها، وقالت بصوت مخنوق بس ثابت أنا مش كريمة يا أبو نور.. أنا رحمة، بنت توفيق الهواري.. بنت خال نور.
وقعت الكلمة عليا زي الصاعقة، رجعت خطوة لورا وسندت على الرف، مش مصدق اللي بسمعه بنت توفيق؟ توفيق اللي كان عايز يدفني صاحي؟ وأنتِ إيه اللي جابك هنا؟ ومين اللي قتله؟.
قربت خطوة وهي بتنهج وتعب الحمل باين عليها، وقالت جوزي.. جوزي اللي كان شغال سواق عند أبويا. أبويا رفض يجوزهولي لما عرف إننا بنحب بعض، وطردني ورماني في الشارع . جوزي اتجنن، راح لُه المكتب عشان يترجاه يرجعني حصلت خناقة وزقّه.. أبويا مات، وجوزي هرب ومش عارفة طريقه. أنا مكنش قدامي غيرك.. أبويا قبل ما يطردني كان عمال يشتم فيك ويقول إنك فلاح جربوع وقاعد في أطراف الفيوم، وحفظت المكان من الصور القديمة اللي كان شايلها عنده عشان يراقبك. جيتلك وأنا عارفة إنك الوحيد اللي دمك من دم بنتي اللي في بطني، وإنك رغم كل اللي أبويا عمله فيك، أصلك طيب ومش هترميني للكلاب في السكك.
قاطعتها وأنا بصرخ بصوت واطي عشان نور متسمعش برة والسواق؟ جوزك القاتل؟ فاكراني هأوي في بيتي عيلة قتالين قتلا؟ أنا عندي بنت عايز أربيها! أنتي جيبتيلي الموت لحد عندي!.
رحمة عيطت بحرقة ووقعت على ركبتها في الأرض، ومسكت في رجلي وهي بتقول والله العظيم ما يعرف مكاني، ولا أنا أعرف طريقه! أنا هربت بجلد ابنك اللي في بطني.. أنا جيت أخدمك بلقمتي وأموت هنا بس ابني يتولد في أمان ويمسك في عيلة حنينة. لو عايز تسلمني للحكومة سلمني، بس بلاش ترميني في الشارع ينهشوا فيا وفي ابني.. ارحمني يرحمك ربنا.
في اللحظة دي، الباب اتفتح على آخره، ونور كانت واقفة، عينيها ومبرقة ودموعها نازلة، كانت سامعة كل حاجة. جيرت على رحمة وحضنتها وهي بتعيط وتقول بلاش تمشيها يا بابا.. دي طنط كريمة اللي بتسرحلي شعري وبتحكيلي حواديت بالليل.. بلاش تمشيها يا بابا عشان خاطري.
بصيت لنور، وبصيت لرحمة اللي ساندة على الأرض ببطنها الكبيرة وشكلها يقطع القلب، وبصيت للصورة القديمة اللي في إيدي. الدينا دارت بيا، تصفية حسابات قديمة، ودم، وهرب.. بس قصاد ده كله، فيه روح جديدة بتتنفس في البيت، ودفا مكنش موجود من سنين. أخدت نفس طويل، وجمعت فيه كل حيرتي وقوتي، ووطيت شيلت رحمة من على الأرض وقعدتها على السرير، وبصيت في عين نور وقولت لرحمة أنتي اسمك كريمة.. وهتفضلي كريمة لحد ما تولدي وتقومي بالسلامة، واليوم اللي ابنك هيتولد فيه، هيكون ليه رب اسمه الكريم.. اجهزي عشان الأكل على النار هيتحرق. لفت ضهري وخرجت للجنينة وأنا حاسس إن الحِمْل بقوا حملين، بس لأول مرة من سنين، حاسس إن لوعر الطريق نهاية، وإن ربنا مبيبعتش حد لحد بالصدفة.
عدى شهرين على الليلة دي، والبيت حاله اتقلب ميت حتة. رحمة.. أو كريمة زي ما بقينا نناديها قدام الناس، بطنها كبرت أكتر، وحركتها تقلت، بس كانت شايلة البيت شيل. ونور بنتي مبقتش تفارقها، كأنها صدقت ما لقت تلاقي أم أو أخت كبيرة تعوضها عن السنين اللي عاشتها في ضل راجل خشن زيي مبيعرفش غير لغة الفأس والتراب.
أنا مكنتش بنام. كل ما الليل يليل، وصوت الصراصير يملى الغيط برة، كنت أقعد في الصالة، حاطط بندقيتي القديمة على رجلي، وعيني على البوابة. كنت خايف من كل حاجة.. خايف السواق جوزها يوصل لهنا، خايف الشرطة تيجي تقلب الدنيا، وخايف أكتر من طيف توفيق الهواري اللي حسيته رجع يطاردني في أرضي بعد ما افتكرت إني دفنت سيرته وسيرة عيلته من سنين.
وفي ليلة، كانت المظاهر كلها بتقول إن العاصفة قربت. الهوا كان شديد برة، والشبابيك الخشب بتترزع، وفجأة سمعت صوت صرخة مكتومة جاي من أوضة كريمة. جيرت أنا ونور، لقيتها ساندة على الحيطة، وشها عرقان وبتنهج وبتقول بصوت مقطوع الحقني يا أبو نور.. أنا بولد!.
الدنيا اسودت في عيني. البلد بعيدة، والوقت متأخر، ومفيش دكتور هيرضى ييجي المزرعة في وقت زي ده وفي الساقعة دي. بصيت لنور وقولتلها بصوت حازم جري على بيت أم السعد الداية اللي في أول المدق، قولي لها كريمة بتموت.. هاتيها وتعالي جري يا نور!. نور من كتر الخوف مجادلتش، خطفت شالها وجريت في الضلمة.
فضلت أنا مع رحمة، مش عارف أعمل إيه. الراجل الفلاح اللي بيواجه دياب الغيط وقف عاجز قدام الروح اللي بتطلع للدينيا. كانت بتصرخ وتستغفر، وتمسك في إيدي بكل قوتها وتقول لو جرى لي حاجة.. ابني يا عمي.. ابني في رقبتك.. متسلموش لوعر الطريق.
ساعتها، وف وسط الصريخ وصوت الهوا، سمعت خبط رزع على البوابة البرانية. الدم هرب من عروقي. الخبط مكنش خبط نور وأم السعد.. ده كان خبط قوي، خبط حد عايز يهد البوابة. سبت رحمة وجريت على الصالة، خطفت البندقية، وعمرتها، ووقفت ورا الباب وأنا قلبي بيدق في رجلي.
فتحت شباك الباب الصغير وبصيت.. لمحت خيال راجل واقف في الضلمة، مبهدل، وهدومه مقطعة،
تم نسخ الرابط