حماتي وفاتوره كهربا حكايات رشا
المحتويات
يحسبوا مصاريف البيت، اكتشفوا إن الموضوع أكبر بكتير من فاتورة كهرباء.
الأكل، والمنظفات، والغاز، والإنترنت، وبعض الأدوية، ومصاريف حاجات كتير كانت نهى بتجيبها من غير ما حد يسألها عن تمنها.
والأصعب إن كريم كان متعود يصرف جزء كبير من مرتبه على أقساط موبايله وعربيته وخروجاته، لأنه كان عارف إن نهى بتساعد في مصاريف البيت.
منى كمان كانت متعودة تطلب منها حاجات كتير، من غير ما تفكر إنها بتكلفها فلوس.
ومع ذلك، الحاجة سعاد أصرت على موقفها
والله ما هكلمها. هي اللي غلطانة، وهي اللي ترجع تعتذر.
في اليوم التالت، كنت في مكتبي لما جالي اتصال من رقم كريم.
المرة دي رديت.
قال بصوت حاول يخليه هادي
إنتِ فين يا نهى؟
قلت
في الشغل.
يعني مش ناوية ترجعي البيت؟
بيتي موجود، يا كريم. لو تقصد بيت أهلك، لأ، مش راجعة.
اتنهد بعصبية
طيب، خلينا نتكلم بعقل. أنا عارف إن ماما غلطت لما ضربتك، بس إنتِ كمان كبرتي الموضوع. يعني قلم وخلاص، مش نهاية الدنيا.
حسيت إن آخر ذرة أمل كانت عندي فيه اختفت.
قلت له
قلم وخلاص؟!
رد
ما أنا مش بقول إن اللي حصل صح، بس إنتِ عارفة ماما.
قلت
أيوه، عارفاها. وعارفة كمان إنك كنت واقف قدامي، وشفتها وهي بتضربني، وما اتحركتش. وبعدها طلبت مني أعتذر لها.
قال
كنت عايز أهدّي الدنيا.
قلت
إنت ما هديتش الدنيا يا كريم. إنت هديت ضميرك على حساب كرامتي.
سكت لحظة، وبعدها قال
طيب، إنتِ عايزة إيه دلوقتي؟
السؤال ده كان المفروض يسأله يوم القلم، مش بعد ما البيت بدأ يتأثر بغيابي.
قلت له
عايزة أعيش من غير إهانة، وعايزة أعرف إن جوزي مش هيسمح لأي حد يمد إيده عليّا، حتى لو أمه. وعايزة أعرف إن مساعدتي ليكم مش معناها إنكم بقيتم أصحاب حق في مرتبي.
رد بسرعة
هو إحنا عمرنا طلبنا منك فلوس بالعافية؟
قلت
لأ، ما طلبتوش بالعافية. أنا اللي كنت بساعد. بس المشكلة إنكم لما اتعودتوا على المساعدة، بقيتوا شايفينها واجب، ولما اتأخرت فاتورة ب 300 جنيه، اتضربت قدامكم كأني سرقت البيت.
قال بحدة
يعني إنتِ وقفتي كل حاجة؟
قلت
أيوه. من النهارده، كل واحد مسؤول عن مصاريفه. أنا مش هبعت فلوس لبيت أهلك، ومش هدفع فواتير مش تخصني، ومش هشتري طلبات لحد. وأي التزام مالي يخصني أو يخصنا إحنا الاتنين، هنتكلم فيه بشكل واضح.
صوته اتغير
إنتِ بتعاقبيني أنا كمان!
قلت
أنا مش بعاقبك. أنا بوقف استغلال حصل بالتدريج، لحد ما بقيتوا مش شايفين اللي بقدمه أصلًا.
وبعدها قلت له جملة كنت محتاجة أقولها من زمان
يا كريم، أنا مش بنك، ومش جمعية خيرية، ومش موظفة عند أمك. أنا مراتك، وكان المفروض أكون شريكتك، مش الشخص اللي يشيل عنكم كل حاجة وبعد كده يستحمل الإهانة.
وقبل ما يرد، قلت
لما تكون مستعد تتكلم عن اللي حصل بجد، مش عن إزاي ترجعني أدفع مصاريف البيت، ابقى كلمني. وقلفت.
عدّى أسبوع.
وفي الأسبوع ده، بدأت الحقيقة تظهر في تفاصيل صغيرة.
كريم اضطر يدفع فاتورة الكهرباء من مرتبه، فاكتشف إن المبلغ اللي كان بيعتبره تافه لما نهى تدفعه، بقى جزءًا أساسيًا من ميزانيته.
عماد اضطر يراجع مصاريفه، وبدأ يسأل عن أسعار الأدوية بدل ما يطلب من كريم يجيبها وخلاص.
أما الحاجة سعاد، فكانت أكتر واحدة متضايقة، مش بس بسبب المصاريف، لكن لأن نهى ما رجعتش، وما اعتذرتش، وما طلبتش رضاها.
كانت بتقول لكل اللي يكلمها
الست اللي تسيب بيت جوزها علشان شوية كلام، عمرها ما كانت أصيلة.
لكن في مرة، واحدة من قريباتها سألتها بهدوء
طب يا سعاد، هي نهى عملت إيه لكل ده؟
ردت
فاتورة الكهربا زادت 300 جنيه، واتكلمت معايا بطريقة مش عاجباني.
الست استغربت وقالت
يعني ضربتيها علشان 300 جنيه؟!
الحاجة سعاد اتلخبطت
أنا ما ضربتهاش ضرب يعني! دي كانت قلم علشان تتأدب.
القريبة بصت لها بصدمة وقالت
تتأدب؟! دي ست كبيرة ومتجوزة ابنك! إنتِ لو واحدة ضربت بنتك قدام أهل جوزها، كنتِ هتعملي إيه؟
ما لقتش الحاجة سعاد رد.
ولأول مرة، اضطرت تواجه السؤال اللي كانت بتهرب منه.
لو منى هي اللي اتضربت، كانت هتعتبر الموضوع إهانة ما تتغفرش.
لكن لما كانت نهى، اعتبرت الموضوع تأديبًا عاديًا.
بعد عشرة أيام، كريم جه لشقتي من غير ما يكلمني قبلها.
فتحت الباب، ولما شفته، ما حسيتش بالفرحة اللي كنت زمان بحسها بمجرد ما أسمع مفتاحه في الباب.
كان واقف قدامي متوتر، وفي إيده كيس حلويات كنت بحبه.
قال
ممكن أدخل؟
بعد لحظة تردد، سمحت له يدخل.
قعد على الكنبة، وحط الكيس على الترابيزة.
بص حواليه وقال
الشقة حلوة. بقالنا كتير ما قعدناش هنا.
قلت
لأنك كنت بتفضل نقعد عند أهلك.
هز راسه
عارف.
سكت شوية، وبعدها قال
أنا اتكلمت مع ماما.
استنيت يكمل.
قال
هي لسه شايفة إنك غلطانة، بس أنا قلت لها إن اللي حصل ما كانش ينفع.
سألته
وإنت شايف إيه؟
بص في الأرض
شايف إن كان لازم أوقفها.
قلت
كان لازم توقفها وقتها.
قال بسرعة
عارف يا نهى. وأنا آسف.
الكلمة كانت مهمة، لكني ما كنتش مستعدة أعتبرها نهاية المشكلة.
قلت
إنت آسف علشان ضربتني، ولا علشان المصاريف بقت عليكم؟
رفع عينيه ليا، واتضايق من السؤال
إنتِ لسه فاكرة إني جاي علشان الفلوس؟
قلت بهدوء
أنا مش عارفة إنت جاي علشان إيه، لأنك ما حاولتش تفهمني غير لما حسيت إن في حاجة اتغيرت في حياتك.
سكت طويلًا، وبعدها قال
يمكن عندك حق.
كانت أول مرة أسمعه يعترف بحاجة بالشكل ده.
كمل
أنا اتعودت إنك بتتصرفي في كل حاجة، وكنت فاكر إن ده طبيعي، وإنك بتعملي كده لأنك بتحبي تساعدي. ما فكرتش إنك ممكن تكوني شايلة فوق طاقتك.
قلت
المساعدة مش المشكلة. المشكلة إنك ما شفتنيش وأنا بساعد. شفت الفلوس بس.
نزل عينه تاني، وبعدها قال
أنا عايزك ترجعي، بس مش هطلب منك ترجعي بيت ماما دلوقتي. خلينا نعيش هنا، وأنا هحاول أصلح اللي حصل.
كان الكلام أحسن من كل اللي سمعته منه قبل كده، لكني كنت محتاجة أشوف أفعال.
قلت له
أنا موافقة نتكلم ونشوف إذا كان في فرصة نصلح جوازنا، لكن مش هقدر أرجع أثق فيك في يوم وليلة. ومش هرجع أعيش في بيت أهلك، ومش هقبل إن أي حد يمد إيده عليّا أو يقلل مني.
قال
موافق.. بس ماما عايزة تشوفك.
قلت
لما تكون مستعدة تاعتذر عن اللي عملته، مش لما تكون عايزة ترجعني زي الأول.
خرج كريم من شقتي بعد ساعة، من غير ما يوعدني بوعود كبيرة، ومن غير ما أقول له إن كل حاجة بقت كويسة.
لأن الاعتذار بداية، مش نهاية.
بعد أسبوعين، حصلت حاجة قلبت الموازين كلها.
كريم اتصل بيا وقال إن والده عنده مشكلة في مبلغ كان متوقع يدخل له من معاملة مالية، وإن الأسرة محتاجة تراجع مصاريفها مؤقتًا.
ما طلبش مني فلوس بشكل مباشر، لكنه بدأ يحكي عن الأقساط والالتزامات.
سمعته للآخر، وبعدها قلت
أنا أتمنى إن الأمور تتحل، لكن مش هقدر أتحمل مصاريف بيت أهلك.
رد
أنا فاهم. ولأول مرة، ما حاولش يضغط عليّا.
بعدها بيومين، جالي اتصال من الحاجة سعاد نفسها.
رديت بعد تردد.
قالت بصوت متحفظ
إزيك يا نهى؟
قلت
الحمد لله.
سكتت لحظة، وبعدها قالتي
كريم بيقول إنك مش ناوية ترجعي عندنا.
قلت
أنا مش هقدر أرجع لنفس الوضع اللي حصل فيه اللي حصل.
قالت
يعني إنتِ لسه زعلانة من القلم؟
غمضت عيني للحظة، وحاولت أحافظ على هدوئي
يا ماما، أنا زعلانة من القلم، ومن إنكم اعتبرتوا إن من حقكم تضربوني، ومن إن كريم سابني لوحدي، ومن إنكم لحد دلوقتي بتتكلموا عن المصاريف أكتر ما بتتكلموا عن كرامتي.
قالت بضيق
يعني عايزاني أجي أترجاكي؟
رديت
لأ. أنا مش عايزة حد يترجاني. أنا عايشة اعتذار حقيقي، وعايزة أعرف إن اللي حصل مش هيتكرر.
قالت
أنا أكبر منك، ومش متعودة أعتذر لحد.
قلت بهدوء
وأنا مش متعودة حد يضربني، يا ماما. وسكتنا إحنا الاتنين.
بعد لحظات، قالت
طيب، أنا هاجي لك.
ما قلتلهاش لأ، لكني ما فرحتش برضه.
كنت مستنية أشوف إذا كانت جاية تصلح اللي اتكسر، ولا جاية ترجع السيطرة على حياتي زي الأول.
لما الحاجة سعاد وصلت الشقة، كانت منى معاها.
دخلوا وقعدوا، وأنا قدمت لهم الشاي كأي ضيوف، من غير مبالغة في الترحيب، ومن غير عداء.
منى كانت باصة في الأرض، والحاجة سعاد فضلت ساكتة شوية.
وبعدين قالت
أنا عارفة إنك شايلة مني.
قلت
أنا مش عايزة أشيل من حد حاجة، بس مش هقدر أتصرف كأن مفيش حاجة حصلت.
بصت لي، وقالت
أنا غلطت لما ضربتك. الجملة خرجت منها بصعوبة، لكنها خرجت. كملت
كنت متعصبة، وما كانش ينفع أمد إيدي عليكي.
ما قاطعتهاش.. وبعد لحظة، قالت
بس إنتِ كمان كنتِ ممكن تتكلمي بهدوء.
بصيت لها وقلت
أنا كنت بتكلم عن فاتورة زادت 300 جنيه. حتى لو صوتي علي، ده ما يديش لأي حد الحق يضربني. وأنا مستعدة أراجع طريقتي في الكلام لو غلطت، لكن مش هقبل أتحمل مسؤولية إيد حد تاني.
منى رفعت عينها ليا وقالت
أنا آسفة يا نهى. أنا كنت قاعدة وساكتة، وكان المفروض أقول إن اللي حصل غلط.
بصيت لها، وقلت
أنا كنت مستنية منك موقف، لأنك كنتِ دايمًا بتقولي إنك أختي.
دموعها نزلت، وقالت
عارفة.
أما الحاجة سعاد، ففضلت ساكتة.
كنت عارفة إن الاعتذار ده مش هيصلح كل حاجة فورًا، لكنه كان أول مرة حد في البيت يعترف إن اللي حصل كان غلطًا حقيقيًا، مش مجرد خلاف على فاتورة.
وقبل ما يمشوا، قلت للحاجة سعاد
أنا مش هقطع علاقتي بيكم، ومش همنع كريم من إنه يزوركم. لكن من النهارده، كل واحد هيكون مسؤول عن مصاريفه، والمساعدة هتكون على قد قدرتي ورغبتي، مش واجب مفروض عليّا. والأهم إن الاحترام مش مرتبط بفلوس.
هزت راسها من غير ما تتكلم.
مرت الشهور، وبدأت حياتي تتغير فعلًا.
كريم نقل إقامته لشقتي، وبدأنا نقسم مصاريف حياتنا بوضوح، وكل واحد بقى عارف التزاماته. ما رجعتش أدفع مصاريف بيت أهله، لكنه كان يزورهم بانتظام، ويساعدهم في حدود قدرته.
في البداية، كانت الحاجة سعاد متضايقة، وكانت بتشتكي أحيانًا من إن الحياة بقت أصعب من زمان.
لكنها بدأت تتعلم تدير مصاريف البيت على قد دخلها، وعماد بقى يشارك في القرارات بدل ما يسيب كل حاجة تمشي من غير حساب.
ومنى بدأت تشتغل، حتى لو شغل بسيط في البداية، وبطلت تتعامل مع أي مساعدة على إنها حق مضمون.
أما كريم، فاحتاج وقتًا طويلًا علشان يفهم إن المشكلة ما كانتش في الفلوس وحدها، لكن في إنه سمح لعلاقتنا تتحول لعلاقة فيها طرف بيقدم طول الوقت، وطرف تاني بياخد ويعتبر ده طبيعي.
بدأنا نحضر جلسات استشارة زوجية، واتفقنا إن أي خلاف بيننا يتحل بيننا، وإنه ما ينفعش يسمح لأي حد من العيلة يتدخل بطريقة تهينني أو تهينه.
ما كانتش حياتنا مثالية، لكن بقى في محاولة حقيقية للتغيير.
والأهم، إني ما رجعتش نهى القديمة اللي بتقول حاضر على كل حاجة خوفًا من زعل حد.
بقيت أساعد لما أكون قادرة، وأرفض لما أكون مش قادرة، من غير ما أحس بالذنب.
وبعد حوالي سنة، في تجمع عائلي بسيط عند عماد، حصل موقف خلاني أعرف إن الدرس وصل أخيرًا.
كنت قاعدة مع العيلة، ولما اتكلمت عن مصاريف البيت، قالت الحاجة سعاد قدام الكل
على فكرة، نهى كانت
متابعة القراءة