حماتي وفاتوره كهربا حكايات رشا
المحتويات
تحدي.
قالت
اسمعي يا نهى، طالما إنتِ عايشة في البيت ده، يبقى لازم تتعلمي تسمعي الكلام. مش كل واحدة مرتبها كبير تفتكر إنها أحسن من الناس! وبعدين أشارت ناحية الباب
ولو مش عاجبك كلامي، تقدري تمشي دلوقتي! محدش ماسكك من إيدك!
نزلت عيني للأرض، وانحنيت، وأخدت فاتورة الكهرباء من جنب رجلي...
مسكتها بين صوابعي، وفردتها بهدوء، وبصيت للأرقام المكتوبة فيها 300 جنيه.
فضلت باصة للفاتورة كام ثانية، وبعدين رفعت عيني وبصيت لحماتي، اللي كانت واقفة قدامي رافعة دقنها، ومستنية إني أعتذر وأترجاها ترضى عني.
بصيت لحمايا، اللي كان بيشرب الشاي بمنتهى البرود.
وبعدين بصيت لمنى، اللي كانت لسه بتاكل الكريز وبتكتم ضحكتها.
وأخيرًا، بصيت لكريم، جوزي، اللي كان قاعد على السفرة، عامل نفسه مشغول في طبقه، وكأن مراته ما اتضربتش قدامه من شوية.
وفجأة...
ضحكت!
انفجرت في الضحك بشكل هستيري!
حماتي قالت لي
إنتِ بتضحكي على إيه يا ست نهى؟! هو إنتِ اتجننتي؟!
لكنني ما قدرتش أرد عليها من كتر الضحك.
حمايا نزل كوباية الشاي من إيده، وبص ليّ بتركيز لأول مرة من بداية الخناقة.
أما كريم، فرفع راسه بسرعة، وبص ليّ كأنه بيشوفني لأول مرة في حياته.
وبعدين حطيت فاتورة الكهرباء على الجزامة، ورفعت شنطتي من على الأرض.
قلت بوضوح
حاضر يا ماما. أنا ماشية.
سكتُّ لحظة، وبصيت لكل واحد فيهم على حدة.
وبعدين أضفت، بنبرة هادية خلتهم كلهم يبطلوا حركة
بس مترجعوش تندموا على اللي عملتوه النهارده.
لأنهم كانوا لسه فاكرين إنهم طردوا مرات ابنهم من البيت... ومحدش فيهم كان مستوعب إنهم هما اللي اختاروا يخسروا كل حاجة كانت بتعملها علشانهم.
وفي اللحظة اللي باب المصعد اتقفل فيها، طلعت الموبايل من شنطتي، وفتحت قائمة الحسابات البنكية والتحويلات القديمة.
وقلت لنفسي
طيب يا عيلة كريم... بما إنكم مش محتاجين فلوسي، خلينا نشوف هتعملوا إيه من غيرها!
وبدأت أحسب. أربع سنين كاملة... وكل جنيه خرج من حسابي ليهم، لازم أعرف راح فين...
الجزء الثاني لما نهى سحبت إيدها من البيت.. البيت كله وقع!
أول ما باب الأسانسير اتقفل، سندت ضهري على الحيطة، ومسحت دموعي اللي نزلت غصب عني، رغم إني كنت مقررة ماعيطش قدامهم مهما حصل.
بس الغريب إني ماكنتش حاسة بوجع القلم قد ما كنت حاسة بوجع السنين اللي ضاعت وأنا بحاول أثبت إني أستحق الاحترام وسط ناس عمرهم ما شافوني غير مصدر فلوس.
طلعت الموبايل، وفتحت حساباتي البنكية، وبدأت أراجع التحويلات اللي كنت ببعتها كل شهر لبيت كريم.
من أربع سنين، وأنا بدفع جزء كبير من مصاريف البيت، مع إن مرتبي السنوي كان حوالي خمسمية ألف جنيه، وكنت بشتغل في شركة كبيرة، وباخد شغل إضافي من البيت علشان أقدر أوفر لنفسي ولجوزي حياة كويسة.
في البداية، كنت بساعد بمزاجي.
لما كريم قال لي إن والده عماد معاشه مش مكفي مصاريف البيت، وإن أمه الحاجة سعاد بتحتاج أدوية ومكملات غذائية، وافقت من غير تردد.
ولما منى أخته اتخطبت، ساعدتها في تجهيزات كتير، واشتريت لها حاجات كانت نفسها فيها، وكنت بعتبرها أختي فعلًا.
لكن المساعدة اللي بدأت بحب، اتحولت مع الوقت لواجب مفروض عليّا.
بقيت أنا اللي أدفع فاتورة الكهرباء والغاز والإنترنت، وأشارك في مصاريف الأكل، وأجيب احتياجات البيت، وأحيانًا أتحمل مصاريف طارئة محدش فيهم كان بيحاول حتى يخطط لها.
ولما كنت أشتري حاجة لنفسي، كنت بسمع تعليقات من نوعية
هو إنتِ محتاجة كل اللبس ده ليه؟ ما كان أولى الفلوس دي تتحط في البيت!
ولو طلبت من كريم يشارك في مصاريف حاجة، كان يرد بكل بساطة
ما إنتِ عارفة الظروف يا نهى، وإحنا في الآخر أهل.
أهل؟!
الكلمة دي كانت بتتقال لما يكونوا محتاجين مني حاجة، لكن وقت ما احتجت حد فيهم يقف جنبي، حتى كريم نفسه اختار السكوت.
بصيت في سجل التحويلات، وبدأت أجمع المبالغ اللي دفعتها خلال آخر أربع سنين.
كل شهر مبلغ، وكل مناسبة هدية، وكل أزمة مساعدة، وكل طلب كنت بوافق عليه علشان ماحدش يزعل.
الأرقام كانت أكبر بكتير مما توقعت.
لكن بدل ما أحس بالندم على الفلوس، حسيت بالندم على نفسي.
أنا ماكنتش ندمانة إني ساعدت، أنا كنت ندمانة إني ساعدت ناس افتكروا إن طيبة قلبي معناها إني من غير كرامة.
وصلت لشقتي، وفتحت الباب، وأول ما دخلت، حطيت شنطتي على الكنبة، ووقفت أبص حواليّا.
الشقة دي أنا اللي جهزتها من فلوسي قبل الجواز، ودفعت في أثاثها وتشطيبها مبلغ كبير، واتفقنا وقتها إن دي شقتنا اللي هنبدأ فيها حياتنا.
لكن بعد الجواز، كريم بدأ يطلب مني نقضي أغلب الوقت في بيت أهله، بحجة إن والده تعبان وأمه محتاجة حد جنبها.
وبالتدريج، بقيت أروح شقتي يومين وأقعد عندهم أسبوع، لحد ما وجودي هناك بقى كأنه إقامة دائمة.
حتى الشقة اللي المفروض تكون بيتي، بقيت بحس إني ضيفة فيها.
مسكت الموبايل، واتصلت بمحامي كنت اتعاملت معاه قبل كده في شغل خاص بالشركة.
أول ما رد، قلت له
مساء الخير يا أستاذ شريف. معلش، محتاجة أقابلك في أقرب وقت. الموضوع بخصوص حقوق مالية وحاجات تخص ممتلكاتي.
سألني إذا كان في مشكلة عاجلة، فحكيت له باختصار اللي حصل، من غير ما أدخل في تفاصيل شخصية كتير.
قال لي بهدوء
تعالي بكرة الصبح، وهاتي معاكي أي مستندات تخص الشقة والتحويلات والمصاريف اللي دفعتيها. وأهم حاجة، ماتاخديش أي قرار متسرع قبل ما نراجع موقفك القانوني.
قفلت معاه، وبعدها فتحت تطبيق الكهرباء.
فاتورة الشهر ده كانت فعلًا زادت حوالي 300 جنيه بسبب الحر وتشغيل التكييف ساعات طويلة.
تلاتمية جنيه!
المبلغ اللي اتضربت عشانه قدام العيلة كلها، كان أقل من تمن هدية واحدة كنت جايباها للحاجة سعاد قبل شهور.
افتكرت يوم ما اشتريت لها علبة مكملات غذائية مستوردة بحوالي خمسة عشر ألف جنيه، بعدما قالت لي إن النوع اللي بتاخده مش مناسب وإنها محتاجة حاجة أفضل.
وقتها فرحت، وحضنتني، وقالت لي
ربنا يبارك لك يا بنتي، إنتِ نعمة كبيرة في حياتنا.
والنهارده، نفس الإيد اللي كانت بتربت على ضهري، نزلت على وشي قدام ابنها وأبوه وبنتها.
ضحكت ضحكة قصيرة من غير فرحة، وقلت لنفسي
واضح إن النعمة لما بتبطل تدفع، تتحول في نظرهم لمصيبة.
فتحت قائمة التحويلات، وألغيت التحويل الشهري التلقائي اللي كنت عاملاه لمصاريف البيت، ووقفت أي دفعات مستقبلية مش ملتزمة بيها تعاقديًا.
ما لمستش أي أموال تخص حد تاني، وما حاولتش آخد منهم جنيه واحد، لكن قررت ببساطة إني مش هصرف على بيت مش بيحترمني.
بعدها اتصلت بكريم.
رد بعد رنات كتير، وصوته كان متوترًا
أيوه يا نهى، إنتِ فين؟
قلت بهدوء
في شقتي.
قال بضيق
يعني إيه في شقتك؟ إنتِ مشيتي فعلًا؟ هو الموضوع يستاهل كل ده؟
سكت لحظة، مستنية أسمع منه كلمة واحدة عن القلم اللي اتضربت بيه.
لكنه كمل
ماما زعلانة جدًا، وإنتِ عارفة إنها عصبية. ارجعي بكرة واعتذري لها، ونقفل الموضوع.
حسيت إن في حاجة جوايا اتكسرت للمرة الأخيرة.
قلت له
أنا أعتذر لها؟ على إيه يا كريم؟ على إني اعترضت لما اتضربت؟ ولا على إني قلت إن فاتورة الكهرباء زادت بسبب الحر؟
رد بسرعة
ما تكبريش الموضوع! هي أمّي، وإنتِ المفروض تحتويها.
قلت له
وأنا مراتك، والمفروض تحتوي كرامتي.
سكت.
كملت
أنا مش هرجع بيتكم بكرة، ولا بعده، ومش هقبل إنك تطلب مني أتصالح مع حد ضربني وإنت واقف تتفرج.
قال بعصبية
إنتِ كده بتحطيني في اختيار بينك وبين أمي!
رديت عليه
لأ يا كريم، أنا ماحطتكش في أي اختيار. إنت اخترت بنفسك يوم ما سكتّ. أنا بس بطلت أختار على حساب نفسي.
وقبل ما يقفل، سمعته بيقول
طيب، براحتك. بس لما تحتاجي ترجعي، ماتفتكريش إن الدنيا هتفضل مفتوحة لك.
قلت له
متقلقش. أنا مش مستنية حد يفتح لي باب بيته، أنا عايزة بس أعرف أقفل الباب اللي دخلت منه الإهانة. وقفلت.
تاني يوم الصبح، رحت لمكتب المحامي ومعايا ملف كامل فيه عقد شقتي، وفواتير التشطيب، وإيصالات الأثاث، وكشوف التحويلات البنكية اللي كنت محتفظة بيها من غير ما أفكر يوم إنها هتبقى دليل على اللي حصل.
راجع الأستاذ شريف الورق، وسألني عن تفاصيل ملكية الشقة، وطبيعة التحويلات اللي كنت ببعتها لبيت أهل كريم.
وبعد ما خلص، قال لي
لازم نفرق بين الفلوس اللي دفعتيها كهدية أو مساعدة بإرادتك، وبين أي مبالغ ليها اتفاق واضح أو مستندات تثبت إنها حق ليكي. مش كل مساعدة تقدري تسترديها، لكن نقدر نراجع حقوقك الفعلية ونحمي ممتلكاتك.
هزيت راسي وقلت
أنا مش عايزة أظلم حد، ولا عايزة أرجع هدية قدمتها وأنا راضية. أنا عايزة بس حقي، ومش عايزة حد يستغلني تاني.
قال
وده حقك. وبالنسبة للشقة، هنراجع المستندات ونحدد الخطوات القانونية المناسبة. كمان لازم تحتفظي بكل الرسائل والتحويلات، وماتدخليش في أي مواجهة مالية من غير ما تكوني فاهمة موقفك.
خرجت من عنده وأنا لأول مرة من سنين حاسة إن في خطة واضحة قدامي.
مش خطة انتقام، لكن خطة أرجع بيها حياتي لإيدي.
وفي نفس الوقت، كان بيت كريم بيستعد لاكتشاف حاجة عمرهم ما تخيلوها.
لأن أول فاتورة اتأخرت، مش هتكون فاتورة الكهرباء.. كانت مجرد بداية.
الجزء الثالث والأخير يوم ما كريم عرف قيمة نهى كان فات الأوان!
عدّى يومين، وأنا ملتزمة بقراري.
ما اتصلتش بكريم، وما سألتش عليه، وما حاولتش أعرف إذا كان زعلان أو ندمان. كنت مركزة في شغلي، وفي نفسي، وفي ترتيب حياتي من جديد.
أما في بيت الحاجة سعاد، فكان الوضع مختلف تمامًا.
في أول يوم، صحيت الحاجة سعاد على صوت منى وهي بتقول لها من المطبخ
ماما، هو إيه حكاية الإنترنت؟ مش شغال من امبارح!
ردت أمها من أوضتها
كلمي نهى، هي اللي بتدفع الفاتورة كل شهر.
منى فتحت الموبايل، وبعتت لي رسالة
نهى، الإنترنت قاطع، شوفي الموضوع ده بسرعة علشان محتاجاه.
شفت الرسالة، لكن ما رديتش.
بعد شوية، بعتت تاني
إنتِ مش شايفة الرسايل؟! وبرضه ما رديتش.
بعدها اتصلت بكريم، اللي كان لسه نايم
كريم، إنت صاحي؟ الإنترنت قاطع وماما بتقول إن نهى هي اللي بتدفعه.
رد بنعاس
ما أنا هكلمها.
لكن لما فتح تليفونه وشاف المكالمات اللي ما رديتش عليها، اتنرفز وقال
هي قررت تعاقبنا يعني؟
دخلت عليه أمه وهي بتعدل طرحتها، وقالت
عقاب إيه يا ابني؟ دي فاكرة نفسها لما تمشي هتخلينا نجري وراها! سيبها يومين وهترجع لوحدها.
كريم هز راسه، لكنه ما كانش مطمن زي أمه.
لأنه كان عارف إن نهى عمرها ما كانت بتختفي بالشكل ده.
في اليوم التاني، وصلهم إشعار من شركة الغاز بوجود مبلغ مستحق، وبعده افتكر عماد إن فاتورة الكهرباء لسه ما اتدفعتش.
نادى على ابنه وقال
يا كريم، هو إنت دفعت فاتورة الكهربا؟
كريم بص له باستغراب
لأ، مش إنت اللي بتقول نهى كانت بتدفعها؟
عماد رد
أيوه، بس هي كانت بتخلص الحاجات دي من غير ما نحس. أنا أصلًا ما كنتش مركز مين بيدفع إيه.
الحاجة سعاد، اللي كانت قاعد بتجفف إديها، رفعت راسها وقالت
يا سلام! يعني البيت كله واقف على نهى؟ ما هو كريم شغال، وإنت بتاخد معاش، وأنا عندي مصروفي. إحنا مش هنموت من غيرها!
لكن لما قعدوا
متابعة القراءة