ابني متجوز بقاله ٧ شهور زهرة الربيع
المحتويات
لسه عايش.
لكن لما دخلنا نشوفه، كان مرهق جدًا، وعينيه نص مفتوحة. قربت منه وأنا بترعش
حمد لله على سلامتك يا ضنايا.
بصلي، وسكت شوية، وبعدها قال بصوت ضعيف
ليه يا أمي؟
السؤال كان بسيط، لكنه هزني من جوايا.
قعدت جنبه وقلت
كنت عايزة أساعدك يا محمود، والله ما كان قصدي أأذيك.
قال
كنتِ ممكن تساعديني لما تسمعيني، لما تسأليني أنا خايف من إيه، لما تسيبيني أروح لدكتور وأتكلم معاه من غير ما تحسسيني إني ناقص.
دموعي نزلت أكتر
سامحني يا ابني.
غمض عينيه، وبعدها قال
أنا بحبك يا أمي، بس إنتِ وجعتيني. مش عشان اللي حصل النهارده بس، عشان كل يوم كنت بحس فيه إني لازم أخبي عنك خوفي عشان متزعليش.
حطيت إيدي على بقه عشان أسكته من الوجع اللي في كلامه، لكنه بعد إيدي برفق
سيبيني أتكلم المرة دي يا أمي. أنا طول عمري بسمع كلامك عشان أرضيكي، حتى لما كنت مش فاهم أنا بعمل إيه. لكن المرة دي أنا محتاج أعيش حياتي بطريقتي، ومحتاجك تساعديني بدل ما تخافي من الناس.
ماقدرتش أرد. قعدت جنبه وعيطت في صمت.
بعد ما خرجنا من الأوضة، لقيت أم رباب مستنياني. قالتلي
بنتي هتيجي معايا النهارده، ومش هترجع غير لما هي بنفسها تقرر إنها عايزة ترجع.
هزيت راسي بالموافقة، ولما رباب خرجت من عند محمود، وقفت قدامي وهي شايلة شنطتها الصغيرة.
كنت عايزة أقولها متسبينيش، وإن البيت من غيرها هيبقى فاضي، لكن افتكرت كل مرة خليتها تشتغل لوحدها، وكل مرة كسرت خاطرها، وكل مرة سكتُّ فيها على ضحكة منى بدل ما أحميها.
قلت بصوت مكسور
حقك عليا يا بنتي.
رباب بصتلي، ودموعها نازلة
أنا مش عايزة منك غير حاجة واحدة يا ماما.
قلت بسرعة
اطلبي أي حاجة، وأنا أعملها.
قالت
متخليش حد تاني يعيش اللي أنا عيشته. لا بنتك، ولا مرات ابنك، ولا أي واحدة تدخل البيت ده. أنا كنت مستعدة أصبر على مشاكل كتير، لكن مش مستعدة أفضل طول عمري حاسة إني قليلة في عينكم.
الكلام خلاني أوطي راسي من الخجل.
رباب خرجت مع أمها، وأنا فضلت واقفة عند باب المستشفى لحد ما اختفت عن عيني.
رجعت البيت مع منى، ولما دخلنا الصالة، لقيت الكوبين لسه موجودين على الصينية، زي ما أنا سبتهم.
قربت منهم، وبصيت للكوب اللي كنت حطيت فيه الحاجة اللي افتكرت إنها هتنقذ ابني. مسكته بإيدي، وفجأة حسيت إني مش قادرة أبصله. غسلته، وبعدها قعدت على الأرض وفضلت أعيط.
منى قعدت جنبي وقالت
يا أمي، اللي حصل حصل، بس لازم نتعلم منه.
بصيتلها وقلت
أنا ضيعت بيتي بإيدي يا منى.
ردت
إنتِ لسه تقدري تصلحي حاجات كتير، بس لازم تبطلي تفكري في كلام الناس. محمود محتاجك أم، مش محتاجك تحاسبيه على حاجة هو نفسه مش فاهمها.
الكلام كان صعب، لكنه كان حقيقي.
تاني يوم، رجع محمود من المستشفى بعد ما الدكاترة اطمنوا على استقرار حالته، وطلب يقعد معايا ومع منى.
قعد على الكنبة، وكان باين عليه التعب، لكنه كان مصمم يتكلم. قال
أنا عايز أحكيلكم حاجة، ومش عايز حد يقاطعني.
قعدنا قدامه، وبدأ يحكي. قال إنه من أول الجواز كان بيحب رباب ومرتاح لها، وإنه هو اللي اختارها عشان كانت بنت محترمة وهادية، وعمره ما شاف منها حاجة وحشة.
لكن بعد الفرح، لما بدأ يحس بالضغط والخوف من المسؤولية، بقى كل ما يقرب منها يتوتر، وكل ما يحاول يتكلم، يفتكر كلام الناس وتوقعاتهم، فيرجع يسكت.
ومع مرور الأيام، بقى الموضوع أصعب، لأنه كان حاسس إنه لازم يثبت نفسه قدام الكل، وإن أي فشل منه هيبقى فضيحة.
قال
أنا كنت محتاج أتكلم مع حد متخصص، بس كل ما أفكر أروح لدكتور، أسمع صوتك يا أمي وإنتِ بتقولي إن الراجل لازم يبقى كذا وكذا، فأخاف أكتر. كنت فاكر لو حكيتلك هتشوفيّ ضعيف.
أنا كنت بسمعه وقلبي بيتقطع.
كمل
ورباب كانت بتحاول تساعدني. كانت بتقولي براحتك، ومش لازم نستعجل حاجة، وإننا ممكن نطلب مساعدة لوحدنا. لكن كل ما كانت تقول كده، كنت أحس إني مقصر في حقها، وأسكت بدل ما أتكلم.
منى كانت بتعيط، وأنا مش قادرة أرفع عيني في وشه.
محمود بصلي وقال
أنا مش عايز أظلم رباب، ومش عايز أظلم نفسي. أنا عايز نروح لدكتور متخصص ونفهم السبب، ولو محتاجين مساعدة نفسية أو طبية، ناخدها. لكن مش عايز حد يضغط علينا، ولا عايز حياتنا تبقى موضوع للناس.
هزيت راسي وقلت
اللي إنت عايزه يا ابني، اعمله. وأنا مش هتدخل في حياتكم تاني.
بصلي بحزن وقال
مش عايزك تبعدي عننا يا أمي، أنا عايزك تبقي أمي بس، مش عايز أحس إني في امتحان كل يوم.
الكلمة دي كانت كفاية تخليني أعرف حجم الغلط اللي عملته.
بعد أيام، أم رباب اتصلت بيا، وقالت إنها عايزة تيجي تتكلم معايا. قلبي اتقبض، وكنت متوقعة إنها جاية تعاتبني أو تطلب الطلاق لبنتها.
لما وصلت، دخلتها الصالة وقدمتلها الشاي، وقعدنا فترة طويلة من غير كلام.
في الآخر، قالت
أنا عايزة أفهم منك حاجة. إنتِ كنتِ شايفة بنتي إزاي طول الشهور اللي فاتت؟
قلت بصوت واطي
كنت شايفاها السبب في المشكلة، وده كان غلط مني.
قالت
وليه كنتِ بتخليها تعمل كل شغل البيت؟
رديت وأنا مكسوفة
عشان كنت بفضل بنتي عليها، وكنت بطلع غضبي فيها بدل ما أفهم اللي بيحصل.
هزت راسها وقالت
أنا مش جاية أسمع اعتذار وبس. أنا جاية عشان بنتي. هي بتحب محمود، وده اللي مخليها لحد دلوقتي مش قادرة تاخد قرار نهائي. لكنها كمان تعبت، ومش هسمح إنها ترجع لنفس الظروف.
قلت
عندك حق، وأنا مستعدة أعمل أي حاجة تثبت إني اتغيرت.
قالت
التغيير مش بالكلام. التغيير إنك تسيبيهم يعيشوا حياتهم، وإنك متدخليش في خصوصياتهم، وإنك متسمحيش لحد يقلل من بنتي تاني.
وعدتها إني هلتزم، لكن كنت عارفة إن الكلام وحده مش كفاية.
بعدها بيومين، محمود طلب يقابل رباب في وجود أهلها. راح معاها عند بيت أمها، وقعدوا في الصالة، وأنا فضلت في البيت مستنية منه يطمني.
رجع في آخر اليوم، وكان وشه مختلف شوية. مش فرحان قوي، لكنه أهدى من الأول. قعد جنبي وقال
أنا ورُباب اتكلمنا كتير النهارده.
سألته بقلق
وهترجع يا ابني؟
قال
مش عارفين لسه. هي محتاجة وقت، وأنا كمان. اتفقنا نبدأ نتابع مع دكتور، ونحاول نفهم اللي بيحصل من غير ضغط ولا لوم.
حسيت بخيبة أمل، لأن جزء مني كان لسه مستني إن كل حاجة تتحل بسرعة، لكني حاولت أسيطر على نفسي.
قلتله
خدوا وقتكم يا حبيبي. المهم تبقوا مرتاحين.
بصلي باستغراب، وكأنه مش مصدق إني بقول الكلام ده. وبعدها ابتسم ابتسامة صغيرة وقال
ربنا يخليكي ليا يا أمي.
مرت أسابيع، ومحمود بدأ يروح لمتخصص، ورباب كانت بتروح معاه لما يكون محتاجها. محدش فيهم حكى تفاصيل لحد، وده كان قرارهم اللي احترمته.
وفي الفترة دي، بدأت أحاول أصلح علاقتي برباب، من غير ما أضغط عليها ترجع. كنت أتصل بيها وأسألها عن صحتها، ولو قالت إنها مشغولة، أقفل من غير ما أزعل. ولما كانت تيجي تزور محمود، كنت أسيبهم يتكلموا براحتهم، وأدخل المطبخ بدل ما أفضل أراقبهم.
وفي مرة، جت رباب مع أمها تزورنا. أول ما دخلت، قمت من مكاني وسلمت عليها، وقلت
نورتي بيتك يا بنتي.
بصتلي بتردد، وبعدها قالت
ربنا يخليكي يا ماما.
الكلمة كانت بسيطة، لكنها بالنسبة لي كانت
متابعة القراءة