أمي وسرقة السوبر ماركت
القديمة، بمساعدة واحد من الموظفين اللي لسه شغالين في الإدارة التعليمية. لقينا نسخة من سجل المنح، وفيه اسم بابا فعلًا.
أمي قربت الورقة منها؛ كان اسم عبد الرحمن مكتوبًا بوضوح، وبجواره مبلغ المساعدة وتاريخ صرفها. لكن اسم الشخص اللي استلم المبلغ كان مختلفًا عن اسم عبد الرحمن.
أمي بصّت للورقة بتركيز ده مش توقيع أبوك.
يوسف ردّ أيوه. وده اللي خلانا نبدأ نسأل عن الموضوع.
سألته عرفتوا مين الشخص ده؟
يوسف هزّ راسه لسه بنتأكد. الشخص اللي اسمه موجود في السجل كان موظفًا في المدرسة وقتها، لكن مفيش دليل قاطع إنه أخد الفلوس لنفسه. ممكن يكون فيه تفسير تاني، ومش عايزين نتهم حد من غير دليل.
أمي ابتسمت أبوك كان عنده حق. الأمانة مش بس إنك ما تاخدش حاجة مش بتاعتك. الأمانة كمان إنك ما تتهمش حد ظلمًا.
يوسف أومأ عشان كده أنا عايز أوصل للحقيقة بالطريقة الصح.
لكن وهو بيحط الأوراق على الترابيزة، وقعت صورة صغيرة من الظرف. يوسف انحنى عشان يجيبها، ولما شافها، وشه اتغيّر. الصورة كانت لرجل في منتصف العمر، واقف قدام مبنى المدرسة القديم، وبجواره شخص آخر.
يوسف قرب الصورة من عينيه، وبصوت منخفض قال استحالة...
أمي سألته فيه إيه يا ابني؟
رفع الصورة ناحيتها الراجل ده أنا أعرفه.
بصّيت للصورة؛ ما كنتش أعرف الشخصين، لكن يوسف كان واضح عليه الارتباك. قال ده والد الراجل اللي كان شريك بابا في الورشة، واللي اختفى بعد ما خسر بابا فلوسه!
أمي أخدت الصورة، وبصّت لها طويلًا. ما كانش عندنا دليل يربط بين خسارة عبد الرحمن لورشته وبين موضوع المنحة، لكن ظهور الصورة فتح بابًا جديدًا للأسئلة.
يوسف قال أنا مش هتهم حد. لكن لازم أعرف الصورة دي وصلت لصندوق بابا إزاي.
أمي ردّت يبقى نكمل البحث، لكن من غير ظلم.
ووقتها، اتفقنا إننا هنرجع للمدرسة القديمة، وهنحاول نفهم القصة كاملة.
الفصل العاشر المدرسة اللي رجعت لها أمي بعد ستين سنة
بعد أسبوع، رحنا المدرسة القديمة. المبنى اتجدد، والفصول اتغيرت، لكن الساحة الكبيرة كانت لسه موجودة.
أمي وقفت عند البوابة، وسندت إيدها على المشاية. فضلت تبص للمكان كأنها بتشوف وجوه تلاميذها القدامى وهم بيجروا في الفسحة. قالت بصوت هادي هنا كنت بقف كل صباح، وأستنى العيال يدخلوا. كنت أعرف أسماءهم كلهم، وأعرف مين فيهم محتاج مساعدة حتى لو ما طلبهاش.
قربت منها ماما، إنتِ فاكرة كل ده؟
ابتسمت طبعًا. بعض الحاجات ممكن ننساها يا بنتي، لكن الناس اللي بنحبهم بيفضلوا جوانا.
قابلنا مدير المدرسة الحالي، اللي رحّب بينا لما عرف إن أمي كانت مدرسة في المكان من سنين طويلة. يوسف شرح له إننا بندور على سجلات قديمة تخص منحة تعليمية. المدير وافق يساعدنا، وطلب من الموظفين يراجعوا الأرشيف الموجود في المخزن.
بعد ساعات من البحث، لقينا دفاتر قديمة وسجلات مالية، بعضها كان متآكلًا من الزمن. لكن وسط الأوراق، ظهرت صفحة مهمة؛ كانت بتوضح إن المنحة اتخصصت لعبد الرحمن، وإن المبلغ اتسلّم لموظف مسؤول عن توصيله لأسرة الطالب. لكن ما كانش فيه توقيع من عبد الرحمن أو والدته يثبت استلام الفلوس.
المدير قال ده معناه إن فيه نقص في المستندات، لكن ما نقدرش نستنتج منه لوحده إن حد سرق المبلغ.
يوسف ردّ إحنا مش جايين نتهم حد. إحنا عايزين نعرف اللي حصل.
المدير أومأ هنعمل نسخة من السجلات، وهنحاول نتواصل مع الإدارة التعليمية عشان نراجع الأرشيف المتاح.
أمي فضلت باصة للورقة، وبعدين قالت لو المساعدة دي كانت وصلت لعبد الرحمن، كان ممكن يكمل تعليمه.
المدير ردّ بحزن ممكن، لكن ما نقدرش نعرف كانت حياته هتمشي إزاي. اللي نقدر نعرفه هو إن فيه فرصة كانت مخصصة له، ولازم نتأكد إذا كانت وصلت له ولا لأ.
أمي هزّت راسها عندك حق.
وقبل ما نمشي، المدير قال إنه عرف إن أمي كانت بتساعد التلاميذ من جيبها أحيانًا، وإن فيه مدرسين كبار في السن لسه فاكرينها بالخير. واحدة من الموظفات الكبار قربت من أمي، وقالت حضرتك أبلة مريم؟!
أمي ابتسمت أيوه يا بنتي.
الست دمعت عينيها أنا بنت واحد من تلاميذك القدامى. أبويا كان دايمًا يحكي عن مدرسة كانت بتجيب الكتب للعيال اللي مش قادرة تشتريها.
أمي ضحكت بخجل دي حاجات بسيطة.
الست ردّت يمكن كانت بسيطة بالنسبة لك، لكنها كانت كبيرة بالنسبة لناس كتير.
في اللحظة دي، فهمت إن أمي ما كانتش محتاجة الميدالية عشان تعرف قيمة اللي عملته. كانت محتاجة بس تشوف أثر الخير اللي زرعته، حتى لو بعد سنين طويلة.
الفصل الحادي عشر اعتذار قدام الناس كلها
بعد مراجعة الكاميرات والتحقيق في الواقعة، إدارة السوبر ماركت قررت إنهاء إيقاف يوسف، لكنها حطّت له شروطًا واضحة للعودة إلى العمل، منها حضور تدريب إلزامي عن التعامل مع العملاء، والالتزام بإجراءات الاشتباه في السرقة من غير إهانة أو احتجاز أي شخص من تلقاء نفسه.
يوسف وافق على كل الشروط. لكنه طلب من الإدارة تسمح له يعتذر لأمي قدام الناس اللي شهدوا الواقعة. الإدارة اتفقت مع أمي على تنظيم لقاء بسيط في السوبر ماركت، من غير ما تضغط عليها أو تجبرها تظهر أمام الكاميرات.
في البداية، أمي رفضت، قالت لي أنا مش عايزة أبقى موضوع فرجة للناس.
قلت لها عندك حق يا ماما. مش لازم تعملي حاجة إنتِ مش مرتاحة لها.
لكن يوسف اتصل بيها بعد كده، وقال لها إنه مش عايز يستغل الموقف، ولا يطلب منها تسامحه قدام الناس عشان يحسّن صورته. قال لها أنا عايز أعتذر لأن فيه ناس شافتني وأنا بظلمك، ولازم يشوفوني وأنا بعترف بغلطتي. مش عشان أبرر اللي عملته، لكن عشان ما يفتكروش إن الإهانة حاجة عادية.
أمي فكرت شوية، وبعدين وافقت.
في اليوم المحدد، رحنا السوبر ماركت. كان فيه عدد من الموظفين، ومدير المكان، وبعض الزباين اللي عرفوا بالموضوع. يوسف وقف قدام أمي، وما كانش فيه أي كاميرات قريبة منه، غير كاميرا واحدة لتسجيل اللقاء بناءً على موافقة أمي. أخد نفسًا عميقًا وقال أنا يوسف عبد الرحمن، وعايز أعتذر للسيدة مريم عن اللي حصل مني.
سكت لحظة، وبعدين كمل أنا اتهمتها بالسرقة من غير دليل كافي، ومسكت دراعها بعنف، ورفعت صوتي عليها قدام الناس. أنا كنت غلطان، ومفيش أي مبرر للي عملته.
بصّ لأمي أنا عرفت بعد كده إنها كانت مدرسة والدي، وإنها ساعدته وهو طفل، وإنه فضل فاكر فضلها طول عمره. لكن حتى لو ما كنتش أعرفها، كان لازم أحترمها.
الناس سكتت، ويوسف كمل أنا اتعلمت إن الشك مش دليل، وإن المسؤولية مش معناها إنك تهين الناس. وأنا آسف لكل شخص شاف اللي حصل وافتكر إن ده تصرف مقبول من فرد أمن.
وبعدين نزل راسه أنا مش بطلب من حضرتك تنسي اللي حصل. أنا بس بطلب منك تسمحي لي أحاول أصلّح غلطتي.
أمي بصّت له شوية، وبعدين قالت يا يوسف، أنا قبلت اعتذارك، لكن عايزاك توعدني بحاجة.
رفع عينيه بسرعة أي حاجة يا أستاذة.
قالت لما تشوف إنسانًا ضعيفًا أو كبيرًا في السن أو فقيرًا، ما تعتبرش ده سببًا إنك تشك فيه أكتر من غيره. اسمعه الأول، واتأكد من الحقيقة، وتعامل معاه بكرامة.
يوسف أومأ، ودموعه رجعت تنزل أوعدك.
أمي كملت وأنا مش عايزاك تفتكر إنك لازم تعاقب نفسك طول عمرك بسبب غلطة. لكن لازم تفتكرها كل مرة تحس إنك تقدر تحكم على حد من غير ما تسمعه.
يوسف مسح دموعه مش هنساها أبدًا.
بعدها، أمي مدت إيدها وصافحته. ما كانش فيه تصفيق كبير، ولا موسيقى، ولا مشهد استعراضي. كان فيه بس رجل بيعترف بغلطه، وست كبيرة بتدافع عن كرامتها، وناس بتتعلم إن الاعتذار الحقيقي مش كلمة تتقال وخلاص.
لكن المفاجأة اللي حصلت بعد اللقاء كانت أكبر من كل ده؛ مدير السوبر ماركت أعلن إن الإدارة قررت إطلاق مبادرة لتدريب الموظفين على احترام كبار السن، والتعامل مع أي اشتباه في السرقة بطريقة قانونية وإنسانية. وقال إن أمي وافقت تساعدهم في وضع رسائل توعوية بسيطة عن الكرامة والاحترام.
أمي ابتسمت وقالت أنا مدرسة، مش خبيرة أمن. لكن لو كلمة مني هتخلّي حد يعامل إنسانًا أحسن، فأنا مستعدة أساعد.
ولأول مرة من شهور طويلة، شفت أمي بتضحك من قلبها.
الفصل الثاني عشر الهدية اللي رجعت بعد ستين سنة
بعد انتهاء التحقيق، استمر يوسف في عمله، والتزم بالتدريب والإجراءات الجديدة. لكنه ما اكتفاش بكده؛ قرر إنه يزور المدرسة القديمة كل شهر، ويساعد في تنظيم مبادرة لدعم التلاميذ اللي ظروفهم المادية صعبة، تكريمًا لذكرى أبوه. ولما عرف إن المدرسة محتاجة كتبًا وأدوات دراسية لبعض الأطفال، بدأ يجمع تبرعات من زملائه وأصدقائه.
ما كانش بيحكي للناس إنه بيعمل ده عشان يثبت إنه اتغير، كان بيعمله لأنه فهم أخيرًا معنى الحاجة اللي أبوه قضى عمره كله بيحكي عنها.
أما أمي، فبدأت ترجع لحياتها بالتدريج؛ بقت تنزل تتمشى معايا، وتزور صاحباتها، وتقعد مع أحفاد جيراننا، وتحكي لهم حكايات عن المدرسة القديمة. حتى الكرسي الفاضي اللي كان أبويا بيقعد عليه، ما بقاش بالنسبة لها رمزًا للحزن بس، بقت تقعد جنبه أحيانًا، وتفتكر الأيام الحلوة، وتبتسم.
وفي يوم من الأيام، يوسف جه بيتنا ومعاه صندوق صغير جديد. حطه قدام أمي وقال دي حاجة كنت عايز أديهالك من زمان، لكن استنيت لحد ما أتأكد إنها وصلت للشخص الصح.
أمي فتحت الصندوق؛ جواه كانت الميدالية المعدنية القديمة، بعد ما يوسف نظفها ونظّف المفتاح الصغير، وحطّهم في إطار زجاجي بسيط.
وتحتهم، كان فيه نقش جديد إلى الأستاذة مريم... الإنسان اللي آمن بعبد الرحمن.