أمي وسرقة السوبر ماركت

لمحة نيوز

الرحمن، بيحكي فيها عن حياته من أول يوم دخل المدرسة لحد ما كبر. في آخر صفحة، كان فيه عنوان مكتوب بخط كبير الأمانة اللي لازم ترجع لصاحبتها.
أمي بصّت ليوسف يا ترى يقصد إيه؟
يوسف أشار للعلبة المعدنية يمكن تكون دي.
العلبة كانت مقفولة، لكن مفيهاش قفل. فتحناها، جواها لقينا مجموعة شهادات قديمة، وإيصالات، وخطابات، وورقة مطوية بعناية. أمي فتحت الورقة؛ كانت شهادة مكتوبة بخط مدير المدرسة القديم، بتثبت إن عبد الرحمن كان من المتفوقين، وإنه حصل على منحة تعليمية تساعده يكمل دراسته.
لكن المنحة دي ما وصلتش له أبدًا.
أمي قربت الورقة من عينيها إيه ده؟!
يوسف بصّ لها بقلق فيه إيه يا أستاذة؟
أمي أشارت إلى توقيع أسفل الورقة. كان توقيع شخص مسؤول عن استلام المنحة، وتحت التوقيع تاريخ يعود لأكتر من ستين سنة. قالت أمي أنا فاكرة الموضوع ده كويس. وقتها المدرسة كانت بتحاول تساعد مجموعة من التلاميذ المتفوقين، وكان فيه تلميذ عندنا اسمه عبد الرحمن مرشح لمنحة كاملة.
يوسف قال بابا ما كملش تعليمه.
أيوه. لكن أنا كنت فاكرة إن السبب هو ظروف أمه الصحية، وإنه اضطر يسيب المدرسة عشان يشتغل.
أمي رجعت تبص للورقة ما كنتش أعرف إن المنحة اتوافق عليها أصلًا.
فتحت باقي الأوراق، ولقت إيصالات تثبت إن مبلغًا ماليًا اتصرف باسم عبد الرحمن، لكن ما فيش أي دليل إنه استلمه بنفسه.
يوسف كان مذهولًا يعني فيه حد أخد فلوس المنحة باسم بابا؟
أمي هزّت راسها بحزن مش نقدر نجزم من الأوراق دي لوحدها. لكن واضح إن فيه حاجة غلط حصلت.
فضلنا نقلب في محتويات الصندوق، لحد ما لقينا ظرفًا صغيرًا عليه كتابة إلى أبلة مريم، لو قدرت أوصل لها الحقيقة.
أمي فتحته بسرعة. جواه كانت ورقة مكتوبة بخط عبد الرحمن قبل وفاته بسنين طويلة، وكان فيها اعتراف غريب.
الفصل السابع الحقيقة اللي ما عرفهاش عبد الرحمن غير بعد ما كبر
أمي بدأت تقرأ الخطاب بصوت مرتعش
أبلة مريم العزيزة، فيه حاجة فضلت شاغلة بالي طول عمري. بعد ما سبت المدرسة، عرفت من واحد كان شغال في الإدارة إن اسمي كان موجودًا ضمن التلاميذ اللي حصلوا على منحة تعليمية. في البداية، ما صدقتش. كنت فاكر إنهم اختاروا حد تاني، أو إن الموضوع مجرد كلام. لكن بعد ما كبرت، قابلت راجلًا كان بيشتغل في المدرسة وقتها، وقال لي إن المنحة اتسجلت باسمي فعلًا. حاولت أعرف الفلوس راحت فين، لكن ما قدرتش أوصل لحقيقة مؤكدة. ما كانش معايا دليل كافي، وما كنتش عايز أظلم حد. بعد سنين، لقيت ورقة قديمة بين أوراق أمي، فيها اسم شخص كان مسؤولًا عن استلام المساعدة. واجهته، لكنه أنكر كل حاجة. قال لي إن الورق اتغيّر، وإنه ما عندوش أي فلوس تخصني. ما قدرتش أعمل حاجة. لكن فضلت محتفظ بالأوراق، عشان لو في يوم من الأيام حد قدر يعرف الحقيقة.
أمي وقفت عن القراءة. كانت بتبص للورقة بذهول.
يوسف سأل هو بابا كان عارف مين أخد الفلوس؟
أمي ردّت هو كان عنده شكوك، لكن الخطاب ما بيقولش إن عنده دليل قاطع.
كملت قراءة
أنا مش عايز أتهم حد ظلمًا، ولا عايز فلوس بعد العمر ده كله. أنا بس عايز أعرف الحقيقة. لأن فيه طفلًا صغيرًا كان عنده حلم، وكان ممكن يكمل تعليمه لو وصلته المساعدة اللي اتخصصت له. أنا مش عارف إذا كان حد يقدر يصلّح اللي حصل بعد كل السنين دي. لكن لو وصلتي للخطاب ده، أتمنى إنك تعرفي إني ما نسيتش يومًا وقفتك جنبي. إنتِ حاولتِ تساعديني، وأنا عارف إنك ما كنتيش تعرفي اللي حصل. سامحيني إني ما رجعتش لك.
أمي حطّت الورقة على صدرها، وقالت بصوت مخنوق يا عبد الرحمن، يا ابني... لو كنت أعرف، والله ما كنت سبتك تضيع.
يوسف قرب منها إنتِ ما كنتيش تعرفي يا أستاذة. بابا نفسه ما كانش معاه دليل يثبت مين المسؤول.
أمي رفعت عينيها لكن يمكن لسه فيه طريقة نعرف بيها.
بصّيت لها باستغراب إزاي يا ماما؟ ده عدى أكتر من ستين سنة!
قالت يمكن الأوراق دي تساعدنا نعرف مين كان مسؤولًا عن المنحة، وإيه اللي حصل في الحسابات وقتها.
يوسف قال أنا سألت في المدرسة القديمة قبل كده، لكن المبنى اتغيّر، والإدارة اتنقلت. ما كنتش متوقع إن الصندوق ده يكون فيه كل الأوراق دي.
أمي ضمّت الدفتر لصدرها إحنا مش هنقدر نرجع لعبد الرحمن طفولته اللي ضاعت، لكن نقدر نحاول نعرف الحقيقة.
في اللحظة دي، تليفون يوسف رنّ. بصّ للشاشة، ووشه اتغيّر. ردّ على المكالمة أيوه يا أستاذ خالد؟
سمعنا صوت الراجل في الطرف التاني، لكن ما قدرناش نميّز كل كلامه. يوسف ردّ إيه؟! إزاي يعني؟!
سكت لحظة، وبعدها قال حاضر، أنا جاي.
قفل التليفون وبصّ لنا. سألته فيه إيه؟
قال مدير السوبر ماركت اتصل بيا. فيه مشكلة بسبب فيديو اللي حصل امبارح.
حسّيت بالغضب رجع لي تاني إيه المشكلة؟ هو لسه هيحاول يبرر اللي عمله؟
يوسف هزّ راسه لأ. الفيديو انتشر على الإنترنت، والناس بتطالب بفصلي، وفيه ناس بتقول إنهم مش هيشتروا من المكان تاني.
بصّ لأمي بحزن أنا مش بلومهم. أنا غلطت، ولازم أتحمل نتيجة غلطتي.
أمي قالت لو أخطأت في حق حد، لازم تصلّح غلطك. لكن كمان لازم تتعلم إزاي تتصرف بعد كده.
يوسف أومأ أنا هروح أواجه اللي حصل.
لكن قبل ما نمشي، أمي أخدت الميدالية من شنطتها، ومدّتها له. يوسف بصّ لها بدهشة دي بتاعتك يا أستاذة!
أمي ابتسمت لأ، دي هدية أبوك لي من زمان، وأنا احتفظت بيها كل السنين دي عشان ما أنساهوش.
سكتت لحظة، وبعدين قالت دلوقتي أنا عايزاك تحتفظ بيها إنت. لكن مش عشان تفتكر إنك ابن عبد الرحمن وبس. عايزاك تفتكر إن الناس مش بتتقاس بلبسها، ولا بسنها، ولا بشكلها.
يوسف أخد الميدالية بإيدين مرتعشتين أوعدك يا أستاذة.
لكن أمي ما كانتش تعرف إن الفيديو اللي انتشر على الإنترنت هيكون بداية لحدث أكبر بكتير من مجرد اعتذار.
الفصل الثامن الفيديو اللي غيّر حياة يوسف
في أقل من يوم، الفيديو انتشر في كل مكان. ناس كتير شافت فرد الأمن وهو ماسك دراع أمي، وبيزعق فيها، وبيتهمها بالسرقة، وشافوه وهو بيقع على ركبته بعد ما شاف الميدالية. لكن أغلب الناس ما كانوش يعرفوا السبب الحقيقي لانهياره.
التعليقات كانت قاسية؛ فيه ناس طالبت بفصله فورًا، وفيه ناس قالت إن الاعتذار مش كفاية، وإن اللي يمد إيده على ست كبيرة ما ينفعش يشتغل في مكان عام. وفيه ناس كتير دافعت عن أمي، وكتبت إن كرامة الإنسان مش مرتبطة بعمره أو بملابسه.
أما يوسف، فكان قاعد في مكتب مدير السوبر ماركت، قدامه ورقة إيقاف مؤقت عن العمل لحين انتهاء التحقيق. مدير السوبر ماركت قال له إحنا راجعنا الكاميرات، وواضح إنك مسكت الست من دراعها ورفعت صوتك عليها. ما كانش فيه دليل كافي إنك تتصرف بالطريقة دي.
يوسف ردّ أنا عارف يا فندم.
والست ما كانتش سرقت حاجة أصلًا.
يوسف نزل راسه أنا عارف.
المدير تنهد بص يا يوسف، أنا مش هقدر أتجاهل اللي حصل. لازم يكون فيه إجراء رسمي. لكن في نفس الوقت، التحقيق لازم ياخد مجراه، وهنراجع كل التفاصيل.
يوسف وقّع على الورقة، وقام يستعد يمشي. قبل ما يخرج، المدير قال له بالمناسبة، السيدة مريم اتصلت بينا النهارده.
يوسف وقف مكانه أمي؟!
أيوه. قالت إنها مش عايزة حد يتعامل معاك بظلم، وإنها مستعدة تشهد بالحقيقة كاملة.
يوسف غطّى وشه بإيده حتى بعد اللي عملته فيها، هي لسه بتحاول تساعدني!
المدير ردّ واضح إن الست دي إنسانة عظيمة.
يوسف خرج من المكتب وهو مش قادر يمنع دموعه، لكن في نفس الوقت، ما كانش عايز يهرب من المسؤولية. رجع البيت، وقعد مع زوجته وابنه الصغير. حكى لهم كل اللي حصل، من أول اتهام أمي بالسرقة لحد ما عرف إنها المدرسة اللي أبوه كان بيحكي عنها طول عمره.
ابنه، اللي كان عنده عشر سنين، بصّ له وسأله بابا، إنت زعقت للست الكبيرة دي عشان كنت فاكر إنها سرقت؟
يوسف ردّ أيوه يا حبيبي.
الولد سأله طب لو كانت فعلًا سرقت، كان ينفع تمسكها وتوجعها؟
يوسف سكت؛ ما كانش عنده إجابة سهلة. وبعد لحظة، قال لأ. حتى لو كنت شاكك، كان لازم أتصرف بطريقة صح. أطلب من الإدارة تتدخل، وأتأكد من اللي حصل، من غير ما أهين حد أو أمد إيدي عليه.
ابنه فضل باصص له، وبعدين قال يعني إنت غلطت؟
يوسف ابتسم بحزن أيوه... غلطت.
الولد نزل عينيه، وقال طب هتعتذر لها؟
يوسف ردّ اعتذرت لها، بس لازم أثبت إني اتعلمت من غلطتي.
في الليلة دي، يوسف ما نامش. فضل يفكر في أبوه، وفي الميدالية، وفي السنين اللي ضاعت، وفي اللحظة اللي اتعامل فيها مع أمي بقسوة من غير ما يعرف إنها كانت يومًا سببًا في إن أبوه يحس إن له قيمة. لكن وسط كل ده، فهم حاجة مهمة إن الإنسان ممكن يكون شايل قصة كاملة جواه، وإنت ما تعرفش عنها أي حاجة... ومع ذلك، ممكن تحكم عليه في ثانية واحدة.
الفصل التاسع الزيارة اللي ما كانتش في الحسبان
بعد يومين، يوسف جه بيتنا مرة تانية. المرة دي كان معاه ابنه الصغير، آدم. وقف عند الباب، وقال لأمي أنا جاي أطلب منك السماح مرة تانية، لكن المرة دي قدام ابني.
أمي استقبلتهم، وقعدتهم في الصالة. آدم كان ماسك رسمة صغيرة، وفضل يبص لأمي بخجل. أمي ابتسمت له إيه اللي معاك يا حبيبي؟
الولد مدّ لها الورقة؛ كانت رسمة لست كبيرة واقفة جنب طفل صغير، وفوقهم شمس كبيرة. وتحت الرسمة، كتب بخط طفولي شكرًا يا أبلة مريم، عشان ساعدتي جدو.
أمي فضلت باصة للرسمة، ودموعها نزلت من غير ما تحس.
يوسف قال ابني عرف الحكاية كلها، وطلب مني ييجي معايا.
آدم قرب منها وقال أنا آسف إن بابا زعق لك يا تيتة.
أمي ضحكت وسط دموعها إنت مالكش ذنب يا حبيبي.
الولد ردّ بجدية بس أنا قلت لبابا إنه ما ينفعش يزعق لحد كبير، حتى لو فاكر إنه عمل حاجة غلط.
يوسف بصّ لابنه، وابتسم ابتسامة صغيرة عنده حق يا أستاذة. أنا اتعلمت الدرس ده بالطريقة الصعبة.
أمي قالت كلنا بنغلط يا يوسف. المهم إننا ما نصرّش على الغلط، وما نحاولش نبرره.
وبعدين بصّت لآدم وإنت يا حبيبي، افتكر دايمًا إنك قبل ما تحكم على أي حد، لازم تسمع منه وتفهم.
الولد أومأ بحماس. بعدها يوسف طلّع من شنطته ظرفًا جديدًا أنا كنت عايز أوريكي حاجة.
فتح الظرف، وطلع منه مجموعة صور قديمة، وشهادة تقدير باسم عبد الرحمن، وخطاب من المدرسة. قال أنا بدأت أدور على السجلات
تم نسخ الرابط