أمي وسرقة السوبر ماركت

لمحة نيوز

إن النجمة دي هتفكره دايمًا إن فيه حد شاف فيه حاجة حلوة، حتى لما الدنيا كلها كانت شايفاه طفلًا فقيرًا.
أمي سكتت، ومسحت دمعة احتفظت بيها طول السنين. ولما اتنقلت من المدرسة، لقيت المفتاح ده في ظرف صغير كان عبد الرحمن سايبه عندي. ما عرفتش وقتها بيفتح إيه، وفضل معايا من يومها.
بصّيت للمفتاح يعني يوسف شاف الميدالية وعرفك بسببها؟
أمي هزّت راسها غالبًا.
سألتها لكن إزاي ابنه عرف الحكاية بعد كل السنين دي؟
أمي ما ردّتش فورًا، كانت بتفكر، وبعدين قالت يمكن عبد الرحمن حكى له عني.
قلت لها طب ليه يوسف كان بيعيط بالشكل ده؟ وليه طلب منك تسامحيه قبل حتى ما يحكي لك أي حاجة؟
أمي بصّت لي نظرة طويلة عشان يمكن الميدالية دي مش مجرد ذكرى بالنسبة له. يمكن تكون آخر حاجة فاضلة له من أبوه.
في اللحظة دي، تليفون البيت رنّ. بصّيت للساعة؛ كانت الساعة قربت من تسعة بالليل. ردّيت ألو؟
جالي صوت راجل متردد مساء الخير. أنا يوسف... فرد الأمن اللي قابلتكم النهارده.
بصّيت لأمي، هي فهمت من ملامحي مين اللي بيتصل، ومدّت إيدها عشان تاخد السماعة. لكن قبل ما أديهالها، يوسف قال أنا عارف إن الوقت متأخر، ومش من حقي أزعجكم. بس فيه حاجة لازم أقولها للأستاذة قبل ما تتأخر أكتر.
أمي أخدت السماعة اتفضل يا يوسف.
صوته ارتعش أنا عرفت إنك لسه محتفظة بالميدالية.
أمي ردّت أيوه، محتفظة بيها.
يوسف سكت شوية، وبعدها قال بابا توفّى من شهرين.
أمي غمضت عينيها البقاء لله يا ابني.
الله يرحمه. قبل ما يموت بأسبوع، كان تعبان جدًا، وطلب مني أفتح صندوق خشب قديم كان محتفظ بيه تحت سريره.
أمي مسكت السماعة بقوة صندوق خشب؟
أيوه. جواه صور قديمة، وشهادات، وخطابات. وكان فيه جواب مكتوب عليه اسمك.
أمي شهقت اسمي؟!
أيوه يا أستاذة. اسمك بالكامل، وعنوان المدرسة اللي كنتِ بتشتغلي فيها زمان.
فضلت أمي ساكتة، ويوسف كمل بابا قال لي إني لازم أوصل لك الجواب ده، وأعتذر لك عن حاجة حصلت من سنين طويلة. وقال لي إنك لو شفتِ الميدالية، هتعرفي إني ابنه.
أمي سألت بصوت مبحوح وإنت معاك الجواب دلوقتي؟
أيوه. أنا محتفظ بيه في البيت. كنت بدوّر عليكِ من فترة، لكن ما كنتش أعرف إذا كنتِ لسه عايشة ولا لأ. ولما شفت الميدالية النهارده... عرفت إن دي فرصتي الأخيرة.
أمي سكتت لحظة، ثم قالت تعالى بكرة يا يوسف. تعالى بعد العصر، وأنا هسمعك.
يوسف ردّ بسرعة حاضر. وشكرًا إنك وافقتي تسمعيني.
قبل ما يقفل، سمعته بيقول أستاذة... أنا آسف على اللي عملته النهارده. مش هنسى نظرتك ليا طول عمري.
أمي ردّت بهدوء الاعتذار بداية كويسة يا ابني. لكن المهم إنك تتعلم من اللي حصل، وما تظلمش حد تاني.
وبعدها قفلت السماعة. فضلنا قاعدين في صمت. كنت حاسة إن فيه حاجة كبيرة جدًا هتحصل تاني يوم. لكن ما كنتش أعرف إن جوابًا قديمًا، مكتوبًا من أكتر من ستين سنة، هيكشف الحقيقة اللي خلت عبد الرحمن يختفي من حياة أمي.
الفصل الخامس جواب اتأخر ستين سنة
تاني يوم، أمي صحيت بدري على غير عادتها. لبست فستانًا بسيطًا، ومشّطت شعرها الأبيض، وحطّت الميدالية على الترابيزة قدامها. كانت بتبص للباب كل شوية. أنا عملت القهوة، وجهزت شوية بسكويت، وقعدت جنبها. قلت لها ماما، إنتِ متوترة؟
ابتسمت وقالت مش عارفة يا بنتي. يمكن عشان أخيرًا هعرف إيه اللي حصل للولد اللي فضلت أدعيله سنين طويلة.
في الساعة الرابعة والنصف، جرس الباب رنّ. قمت أفتح؛ كان يوسف واقف قدامي، لكن المرة دي ما كانش لابس الزي الرسمي بتاع الأمن. كان لابس قميصًا بسيطًا وبنطلونًا غامقًا، وماسك ظرفًا قديمًا بين إيديه. وشه كان باين عليه الإرهاق، وعينيه محمرّتين كأنه ما نامش طول الليل.
قلت له اتفضل.
دخل بخطوات بطيئة، ولما شاف أمي، وقف مكانه. بصّ لها باحترام وقال مساء الخير يا أستاذة.
أمي أشارت له يقعد اتفضل يا ابني.
قعد على طرف الكنبة، وحط الظرف قدامه على الترابيزة. فضل ساكت لحظات، وبعدين قال قبل ما تقري الجواب، لازم أحكي لك حاجة عن بابا.
أمي ردّت أنا سامعاك.
يوسف أخد نفسًا عميقًا بابا عاش طول عمره شايل إحساس بالذنب. كان راجل طيب، واشتغل كتير عشان يربينا أنا وأختي. لكن كل ما يفتكر طفولته، كان بيقعد بالساعات ساكت، ويبص للصورة اللي كانت معاه ليكي.
أمي بصّت للصورة اللي كانت على الترابيزة الصورة دي؟
يوسف أومأ أيوه. كانت معاه نسخة منها طول عمره.
وبعدين كمل لما كنت صغير، كنت بسأله مين الست دي. كان يقولي إنها أحسن مدرسة في الدنيا، وإنها آمنت بيه لما محدش كان شايف فيه أي مستقبل.
أمي ابتسمت بحزن عبد الرحمن كان ولدًا شاطرًا جدًا.
يوسف نزل عينيه هو كان بيقول الكلام ده دايمًا. لكن فيه حاجة تانية كان بيقولها...
سكت لحظة، وبعدين رفع عينيه كان بيقول إنه خذلك.
أمي اتفاجئت خذلني؟ ليه؟
يوسف فتح الظرف، وطلع منه ورقة صفراء قديمة، أطرافها متآكلة من الزمن. قال الجواب ده هو اللي فيه الإجابة.
مدّ الورقة لأمي. إيديها كانت بتترعش وهي بتفتحها. بدأت تقرأ بصوت منخفض
إلى الأستاذة الفاضلة، أبلة مريم، مش عارف إذا كنتِ هتفتكريني بعد كل السنين دي ولا لأ، لكن أنا عمري ما نسيتك. أنا عبد الرحمن، الولد اللي كنتِ بتقولي له دايمًا إنه يقدر يبقى أحسن مما هو فاكر. أنا آسف إني مشيت من المدرسة من غير ما أودّعك، وأنا آسف إني ما رجعتش أدور عليكِ لما كبرت. لكن الحقيقة إني كنت صغير وخايف، وما كنتش عارف أواجهك بعد اللي حصل.
أمي وقفت عن القراءة. رفعت عينيها ليوسف وسألته إيه اللي حصل يا ابني؟
يوسف بصّ للأرض كمّلي يا أستاذة. بابا كتب كل حاجة.
أمي رجعت تقرأ
في اليوم اللي اختفيت فيه من المدرسة، أمي كانت في المستشفى، وكانت حالتها خطيرة. واحد من قرايبنا جه وأخدني أنا وأختي، وقال لي إنه هيساعدنا، وإنه مش هيسمح لنا نضيع. لكن بعد فترة، اكتشفت إنه كان عايز ياخدني أشتغل عند واحد يعرفه، بدل ما أكمل تعليمي. حاولت أهرب منه، لكن ما قدرتش. كنت طفلًا صغيرًا، وما كانش معايا فلوس ولا مكان أروح له. فضلت أفتكر كلامك كل يوم، وأقول لنفسي إني لازم أرجع المدرسة يومًا ما. لكن الأيام عدّت، وأمي ماتت، وأنا بقيت مسؤولًا عن أختي. اشتغلت في ورش كتير، واتعلمت حرفة، وبعد سنين قدرت أفتح ورشة صغيرة لنفسي. كنت كل يوم أقول إني هروح أدور عليكِ، لكن كنت بخاف... كنت بخاف تكوني زعلانة مني، أو تكوني نسيتي الولد اللي ساب المدرسة من غير ما يقول لك حتى مع السلامة.
أمي حطّت إيدها على صدرها، والدموع بدأت تنزل على خدودها يا حبيبي... أنا عمري ما زعلت منك.
لكنها رجعت تقرأ
بعد سنين طويلة، اتجوزت وخلفت يوسف. كنت عايز أربيه على الأمانة والرحمة، زي ما إنتِ علمتيني. لكن الحياة مش دايمًا بتمشي زي ما إحنا عايزين. خسرت ورشتي بعد ما شريكي خد فلوسي وهرب، واضطريت أبدأ من الصفر. اشتغلت في أي حاجة أقدر عليها عشان أصرف على أولادي. وكل ما يوسف يسألني ليه ما رجعتش أدور عليكِ، كنت أقول له إني هعمل ده قريب. لكن الحقيقة إني كنت مكسوفًا من نفسي... كنت حاسس إني ما حققتش الحلم اللي كنتِ بتتمنيه لي.
أمي مسحت دموعها، وهمست يا عبد الرحمن، يا ابني...
يوسف كان بيعيط في صمت. وبعدين أمي كملت آخر جزء من الجواب
لو الجواب ده وصلك يومًا ما، فاعرفي إنك ما فشلتيش معايا يا أبلة مريم. إنتِ كنتِ أول إنسانة خلتني أحس إن ليا قيمة. ولو قدرت أعيش راجل شريف، وأربي أولادي على الحلال، فده جزء من فضلك عليّا. أما المفتاح اللي سيبته لك زمان، فهو مفتاح صندوق صغير في الورشة القديمة. جواه حاجة كنت عايز أديهالك من سنين، لكن ما قدرتش. أتمنى إنك تفتكري عبد الرحمن بالخير. ابنك اللي عمره ما نسيكِ.
أمي أنهت القراءة، وغطّت وشها بإيديها، وبدأت تعيط. أنا كمان دموعي نزلت. أما يوسف، ففضل ساكت، كأنه مستني حكمًا يعرف إنه اتأخر سنين طويلة.
بعد دقائق، أمي رفعت وشها وقالت يا ابني، أبوك ما خذلنيش. أبوك كان طفلًا، والدنيا حطّت فوق كتفه حملًا أكبر من سنه.
يوسف انفجر في العياط أنا كنت عايز أحقق له أمنيته. كنت عايز أوصلك له قبل ما يموت، لكن ما عرفتش.
أمي مسكت إيده إنت وصلت لي يا يوسف، حتى لو متأخر.
لكن يوسف هزّ راسه وقال فيه حاجة تانية لازم تعرفيها.
بصّينا له إحنا الاتنين، قال بصوت مكسور الصندوق اللي بابا قال عليه لسه موجود.
الفصل السادس المفتاح رقم 17
في اليوم التالي، اتفقنا نروح الورشة القديمة اللي كان عبد الرحمن شغال فيها قبل ما يتوفّى. يوسف قال إن المكان اتقفل من سنين، لكنه احتفظ بالمفتاح لأنه ما قدرش يفرّط في آخر مكان كان أبوه بيحبه.
وصلنا لشارع ضيق في حي شعبي قديم. البيوت كانت متقاربة، والمحلات الصغيرة على الجانبين، وصوت الباعة جاي من آخر الشارع. وقف يوسف قدام باب حديد قديم، وطلع سلسلة مفاتيح من جيبه، اختار مفتاحًا، وفتح الباب بصعوبة.
الورشة كانت مليانة تراب، والأدوات القديمة متعلقة على الحيطان. كانت فيه طاولة خشب كبيرة في النص، ورفوف عليها قطع معدنية، وصندوق أدوات صدئ في الركن.
يوسف وقف عند الباب وقال بابا كان بيقعد هنا بالساعات. حتى لما بطل يشتغل، كان بييجي كل أسبوع ينضف المكان.
أمي كانت بتبص حواليها بحزن، وقالت واضح إنه كان بيحب شغله أوي.
يوسف أومأ كان بيقول إن الحاجة اللي الإنسان يعملها بإيده لازم تكون نضيفة، لأن رزقه منها.
بعدها راح ناحية دولاب خشب صغير، وفتح الدرج السفلي. كان فيه صندوق مستطيل، مصنوع من الخشب الداكن، وعليه رقم معدني صغير 17.
أمي طلعت المفتاح من شنطتها. إيديها كانت بتترعش وهي بتحطه في القفل. لفّته مرة، القفل ما اتحركش. حاولت مرة تانية، وفي المرة التالتة، سمعنا صوت طقطقة خفيفة؛ الصندوق اتفتح.
في البداية، ما شفناش غير مجموعة أوراق قديمة وقطعة قماش بيضاء. يوسف قرب، ورفع قطعة القماش بحذر. تحتها كان فيه دفتر صغير، وصورة قديمة، وعلبة معدنية.
أمي أخدت الصورة؛ كانت صورة لفصل المدرسة القديم، وفيها مجموعة من الأطفال واقفين في صفوف، وأمي واقفة في النص. عبد الرحمن كان واقف في الصف الأول، رافع إيده بإشارة النصر. على ظهر الصورة، كانت فيه جملة مكتوبة بخط طفل لما أكبر، هخلي أبلة مريم تفتخر بيا.
أمي ضمّت الصورة لصدرها. لكن المفاجأة الحقيقية كانت في الدفتر. فتحته، ولقت فيه صفحات مكتوبة بخط عبد
تم نسخ الرابط