حارس الأمن سحب مني تذكرة السفر، ومسك دراعي وقال إن الناس اللي من مستوايا مالهمش مكان هنا
ضمانات حماية الموظفين في الاتفاق النهائي، ومراجعة التنفيذ من جهة مستقلة.
ما كانش ده موافقة نهائية على البيع، لكنه كان قرارًا يسمح باستكمال التفاوض من غير ما نضحي بحقوق الناس.
وبعد التصويت، رئيس المجلس أعلن إن المراجعة الخاصة بتصرفات سامح هتستمر بصورة منفصلة عن قرار الصفقة.
خرجت من الاجتماع وأنا حاسة إن الحمل اللي كان على كتافي بدأ يخف.
لكن المفاجأة الحقيقية كانت مستنياني في مكتب أبويا.
على مكتبه، كان فيه صندوق خشبي صغير، عليه اسمي بخط جدي.
أبويا قال الصندوق ده وصلني من المحامي بعد ما خلصنا مراجعة الوصية. جدك طلب إنه يتفتح بعد أول قرار رسمي تاخديه بصفتك صاحبة الأسهم.
فتحت الصندوق ببطء.
جواه صورة قديمة ليا مع جدي، وخطاب أخير، ومفتاح صغير.
فتحت الخطاب وبدأت أقرأ
يا مريم،
لو وصلتي لحد هنا، فمعناه إنك اخترتي تسمعي وتفهمي قبل ما تحكمي. المفتاح اللي في الصندوق بيفتح مكتبًا صغيرًا كنت محتفظًا به بعيدًا عن مقر الشركة. هناك هتلاقي سجلات قديمة ومذكرات كتبتها عن تاريخ المجموعة، وعن القرارات اللي غيرت مستقبلها. مش مطلوب منك توافقي على كل اللي عملته، ولا تعتبريني دايمًا على حق. كل اللي بطلبه منك إنك تتعلمي من أخطائنا، وتحافظي على حق الناس في إن صوتهم يتسمع. وافتكري دايمًا المنصب ممكن يخلّي الناس تقف احترامًا قدامك، لكن أخلاقك هي اللي بتحدد إذا كانوا هيحترموكي فعلًا ولا لأ.
قفلت الخطاب، وضمّيته لصدري.
أبويا ابتسم وقال تحبي نروح نشوف المكتب؟
بصيت للمفتاح في إيدي، وبعدها ابتسمت
أيوه يا بابا. بس المرة دي، عايزة أروح من غير أي حراسة ولا إعلانات.
ضحك وقال اتفقنا.
خرجنا من المكتب سوا، وأنا لأول مرة ما كنتش بفكر في الناس اللي حكموا عليّ في المطار، ولا في اللي حاولوا يعرقلوا طريقي.
كنت بفكر في الحاجة اللي جدي سابهالي فعلًا؛ مش مجرد أسهم، ولا ثروة، ولا اسم كبير، بل ساب لي فرصة أثبت إن الإنسان يقدر يكون قوي من غير ما يتكبر، وعادل من غير ما يظلم، وناجح من غير ما ينسى الناس اللي حواليه.
أما المكتب اللي فتحه المفتاح، فكان مخبّي مستندات هتخليني أكتشف جوانب جديدة من تاريخ عيلتي، وتخليني أفهم إن أكبر تحدٍ قدامي مش إني أحافظ على ثروة ورثتها... لكن إني أكون جديرة بالثقة اللي جدي حطها فيّ.
المفاجأة اللي كانت مستنيا مريم جوه مكتب جدها!
أول ما وصلت أنا وبابا للمكتب القديم، طلعت المفتاح من الصندوق وفتحنا الباب.
المكان كان مليان رفوف خشبية وملفات قديمة، وعلى المكتب كانت فيه صورة لجدي مع مجموعة من العمال، وكلهم واقفين مبتسمين قدام أول مصنع للعيلة.
قربت من الصورة، ولاحظت إن فيه اسم مكتوب على ظهرها عم حسن عبد الرحيم، أول عامل ساهم في تأسيس المجموعة.
سألت بابا هو جدي كان بيحتفظ بصور العمال عنده ليه؟
ابتسم وقال لأن جدك كان مؤمن إن الشركة مش بتتبني بالفلوس لوحدها يا مريم، دي بتتبني بالناس اللي بتتعب علشانها.
كلام بابا خلاني أبص للصورة مرة تانية، وبعدها بدأت أفتش في الأدراج.
لقيت دفترًا قديمًا مكتوبًا على غلافه أسرار مجموعة هيل.. أمانة للأجيال القادمة.
فتحته، ولقيت أول صفحة فيها رسالة بخط جدي
مريم، لو وصلتي للمكتب ده، فمعناه إنك بدأتي تتحملي مسؤولية حقيقية. لكن قبل ما تثقي في أي حد، لازم تعرفي إزاي الشركة وصلت للمكانة اللي هي فيها.
قلبت الصفحات بسرعة، لحد ما وصلت لورقة مكتوب فيها اسم سامح منصور.
بصيت لبابا بصدمة بابا، سامح كان يعرف جدي من زمان؟
بابا قرب مني، وقرأ الورقة، وبعدها قال أيوه. سامح بدأ شغله في الشركة من سنين طويلة، وجدك هو اللي ساعده يوصل لمنصبه الحالي.
كملت قراءة الملاحظات، واكتشفت إن جدي كان قد طلب مراجعة بعض العقود القديمة قبل وفاته، لكنه ما قدرش يكمل المراجعة بنفسه.
وفي آخر صفحة، كان فيه اسم شركة تانية، وتحت الاسم ملاحظة قصيرة راجعوا ملكية الأراضي القديمة قبل الموافقة على أي بيع.
رفعت عيني لبابا وقلت يعني فيه أراضٍ ممكن تكون مش داخلة في حسابات الصفقة؟
بابا رد ممكن، لكن لازم نتأكد من السجلات الرسمية قبل ما نستنتج أي حاجة.
في اللحظة دي، موبايله رن.
كان المستشار القانوني.
رد بابا، وبعد أقل من دقيقة، ملامحه اتغيرت إنت متأكد من المعلومات دي؟
سكت يسمع، وبعدها قال ابعت المستندات فورًا.
قفل المكالمة وبص ليّ مريم، المراجعة الأولية اكتشفت إن فيه قطعة أرض كبيرة مملوكة للمجموعة من سنين، لكنها مش ظاهرة ضمن الأصول المذكورة في ملخص الصفقة.
اتصدمت يعني الأرض دي اتنسيت؟
هز راسه وقال لسه ما نعرفش. ممكن يكون خطأ في السجلات، وممكن يكون فيه سبب تاني. علشان كده لازم نراجع كل العقود.
في اليوم التالي، اجتمع مجلس الإدارة مرة تانية، وعرض المستشار القانوني المستندات الجديدة.
بعد مراجعة أولية، اتضح إن الأرض مسجلة بالفعل باسم إحدى شركات المجموعة، وإن تقييم الصفقة ما كانش واضحًا بشأن وضعها.
رئيس المجلس أعلن وقف التفاوض مؤقتًا لحين إجراء تقييم مستقل لجميع الأصول.
أما سامح منصور، فطلب حضور جلسة المراجعة بنفسه، وقال إنه مستعد لتقديم كل المراسلات المتعلقة بالصفقة. وللمرة الأولى، ما حدش حكم عليه قبل سماع كلامه.
استمعت اللجنة لأقواله، وطلبت منه تقديم المستندات التي تثبت دوره في إعداد العرض، مع مراجعة أي مصالح مالية محتملة مرتبطة بالمستثمر.
بعد أسابيع من الفحص، ظهرت الصورة بشكل أوضح، واتضح وجود أخطاء جوهرية في طريقة عرض بعض المعلومات على المجلس، لكن تحديد المسؤولية عن كل خطأ احتاج مراجعة مستقلة إضافية.
وفي النهاية، قرر المجلس عدم إتمام الصفقة بصيغتها القديمة، وفتح باب التفاوض من جديد وفق تقييم شامل للأصول وضمانات مكتوبة لحماية العاملين.
أما أنا، فبدأت أزور المصانع بنفسي. كنت عايزة أسمع من العمال، مش بس أقرأ تقارير عنهم.
وفي أول زيارة، قابلت عاملًا كبيرًا في السن قرب مكتب الإنتاج.
أول ما شافني، قال إنتِ بنت الأستاذ ريتشارد؟
ابتسمت وقلت أيوه، حضرتك تعرف بابا؟
رد أنا اشتغلت هنا أكتر من تلاتين سنة. وجدك كان دايمًا يقول إن قيمة الشركة الحقيقية في الناس اللي بتحافظ عليها.
حسيت إن كلامه بيربط كل الخيوط ببعضها؛ من المطار، للمكتب القديم، لاجتماعات مجلس الإدارة، كانت الرسالة واحدة
القوة الحقيقية مش إنك تقدر تفتح كل الأبواب باسمك، لكن إنك لما تدخل أي مكان، ما تسمحش إن كرامة إنسان تاني تتداس تحت رجليك.
وبعد شهور، اتوصل المجلس لاتفاق جديد بشروط أوضح، وبعد مراجعة قانونية ومالية كاملة، تمت الموافقة عليه.
وأما المطار، فأنهى تحقيقه في الواقعة واتخذ الإجراءات المناسبة، بينما حصلت دينا على تقدير رسمي لشجاعتها والتزامها بالإجراءات الصحيحة.
وأما أنا، فاحتفظت بالملف الجلدي القديم، مش علشان أفكر في الإهانة اللي تعرضت لها، لكن علشان أفتكر اليوم اللي فهمت فيه إن قيمتي ما كانتش محتاجة طيارة خاصة تثبتها.
وفي آخر زيارة ليا لمكتب جدي، حطيت صورته جنب صورة العمال، وكتبت تحتها
الاحترام مش هدية من أصحاب المناصب، ولا امتياز للأغنياء. الاحترام حق لكل إنسان، مهما كان شكله أو اسمه أو رصيده في البنك.
ومن يومها، بقيت كل ما أدخل اجتماع أو مصنع أو حتى مكان بسيط، أفتكر إن الحكم على الناس من مظهرهم ممكن يخلينا نخسر أهم حاجة في حياتنا إنسانيتنا.
النهاية.