حارس الأمن سحب مني تذكرة السفر، ومسك دراعي وقال إن الناس اللي من مستوايا مالهمش مكان هنا
المحتويات
ومستقبل ناس قضوا عمرهم في العمل فيها. لو لقيتي إن البيع هو القرار الصح، وافقي عليه بعد ما تتأكدي إن حقوق الناس محفوظة. ولو لقيتي إن فيه حد بيحاول يستغل الشركة لمصلحته، ما تخافيش من مواجهة الحقيقة، مهما كان منصبه.
وقفت عن القراءة، ودموعي اتجمعت في عيني.
أبويا قرب مني وقال أنا كنت عارف إن جدك اختارك، لكن ما كنتش أعرف إن فيه خطاب بالشكل ده.
مسحت دموعي وسألته طب نعمل إيه دلوقتي؟
رد بكرة هتحضري الاجتماع، وهتسمعي كل الأطراف، وبعدها تاخدي قرارك بنفسك. محدش هيضغط عليكي.
هزيت رأسي، وقلت أنا مش هرفض الصفقة لمجرد إن سامح حاول يمنعني من الدخول، ومش هوافق عليها علشان حد أقنعني إنها فرصة كبيرة. أنا عايزة أعرف هل هي فعلًا في مصلحة الشركة والموظفين ولا لأ.
ابتسم أبويا للمرة الأولى من بداية اليوم وقال ده بالضبط اللي كان جدك عايز يسمعه منك.
في صباح اليوم التالي، دخلت مقر مجموعة هيل.
المرة دي ما كنتش لابسة السويت شيرت الرمادي القديم. لبست بدلة بسيطة بلون كحلي، وربطت شعري، وحملت الملف الجلدي نفسه اللي ترافيس كان دايس عليه في المطار.
ما طلبتش من حد يعلن عن وصولي، وما احتجتش حد يمهد لي الطريق.
دخلت قاعة الاجتماعات، وكان أعضاء مجلس الإدارة قاعدين بالفعل.
بعضهم بص ليّ باستغراب، وبعضهم تبادل نظرات سريعة، لكني مشيت لحد الكرسي المخصص ليا وجلست.
رئيس المجلس بدأ الاجتماع وقال قبل ما نناقش تفاصيل الصفقة، لازم نسمع رأي الآنسة مريم هيل، باعتبارها صاحبة حق التصويض وفقًا للوصية.
رفعت عيني وقلت قبل ما أقول رأيي، عندي طلب واحد. عايزة أشوف الخطة الكاملة للبيع، وشروط حماية الموظفين، والتقييم المالي المستقل.
أحد الأعضاء رد كل المستندات موجودة، لكن الوقت ضيق، والمستثمر مستني قرارنا النهارده.
قلت بهدوء ضيق الوقت مش سبب كافي إننا ناخد قرار ممكن يغير حياة آلاف الناس من غير ما نفهم تفاصيله.
ساد الصمت. وبعدين طلبت عرض خطة البيع على الشاشة.
في البداية، كل الأرقام بدت منطقية، والعائد المالي كان مغريًا جدًا.
لكن لما وصلنا إلى بند نقل بعض العمليات إلى شركة خارجية، لاحظت إن الخطة ما فيهاش ضمانات واضحة لاستمرار عدد كبير من الوظائف.
طلبت من المستشار المالي يوضح النقطة دي.
اتردد للحظات، وبعدها قال في الواقع، الخطة الحالية بتسمح بإعادة هيكلة واسعة بعد إتمام البيع، ومفيش التزام صريح بالحفاظ على جميع الوظائف.
بصيت لأعضاء المجلس وقلت إذن، إحنا بنتكلم عن صفقة مربحة للمساهمين، لكن من غير ضمان كافي للناس اللي ساهموا في بناء الشركة.
واحد من الأعضاء اعترض ده أمر طبيعي في أي عملية استحواذ. ما ينفعش نضمن كل حاجة.
رديت أنا مش بطلب ضمانات مستحيلة. أنا بطلب التزامات واضحة، وتعويضات عادلة، وخطة انتقال تحمي الموظفين من القرارات المفاجئة.
رئيس المجلس سألني هل معنى كده إنك هترفضي الصفقة؟
بصيت للمستندات قدامي، وبعدها رفعت عيني وقلت
أنا مش هصوّت على بيع بالشروط دي. لو المستثمر جاد فعلًا، يقدر يقدم عرضًا جديدًا يحمي حقوق الموظفين، وساعتها هنراجعه من البداية.
بدأ الهمس ينتشر في القاعة.
لكن قبل ما رئيس المجلس يعلن تأجيل التصويت، فتح الباب ودخل المستشار القانوني ومعاه ملف إضافي.
قال أعتذر عن المقاطعة، لكن وصلتنا مستندات جديدة مرتبطة بالصفقة، ولازم المجلس يراجعها قبل اتخاذ أي قرار.
حط الملف على الطاولة، وفتح الصفحة الأولى.
وبمجرد ما شفت اسم الشركة المذكور في المستند، حسيت إن فيه مفاجأة جديدة بتتجه ناحيتي.
لأن الشركة دي ما كانتش مجرد مستثمر خارجي.
كانت شركة يملكها شريك قديم لسامح منصور، والعلاقة المالية بينهما ما كانتش مُعلنة لمجلس الإدارة.
رفعت عيني لرئيس المجلس وقلت
قبل ما نناقش البيع مرة تانية، أعتقد إننا محتاجين نعرف مين المستفيد الحقيقي من الصفقة دي.
وفي اللحظة دي، أدركت إن اللي حصل في المطار ما كانش نهاية مشكلة عائلية... بل كان أول خيط في قضية أكبر، هتكشف أسرارًا محدش في الشركة كان مستعدًا لمواجهتها.
ساد الصمت داخل قاعة الاجتماعات، وكل العيون اتجهت ناحية الملف اللي قدام المستشار القانوني.
رئيس مجلس الإدارة عدّل نظارته وسأله إيه طبيعة العلاقة بين سامح منصور والشركة دي؟
فتح المستشار صفحة تانية وقال الشركة مسجلة باسم مستثمر اسمه كريم الشاذلي، لكن مراجعة المستندات الأولية بتوضح إن فيه اتفاق استشاري قديم بينه وبين سامح منصور، وإن سامح ممكن يحصل على مكافأة مالية كبيرة لو صفقة الاستحواذ تمت.
واحد من أعضاء المجلس ضرب بإيده على الطاولة وقال يعني فيه احتمال إن أحد المسؤولين بيشارك في الصفقة من الناحية التانية، وفي نفس الوقت بيشارك في اتخاذ القرار عندنا؟
رد المستشار ده احتمال لازم يتحقق منه بشكل مستقل. المستندات الحالية تستدعي مراجعة كاملة قبل التصويت.
أنا فضلت ساكتة، وبراجع كل حاجة قدامي. ما كنتش عايزة أظلم سامح لمجرد إن اسمه ظهر في مستندات مقلقة، لكن في نفس الوقت ما كانش ينفع نتجاهل المعلومات دي.
قلت لرئيس المجلس أنا بطلب تأجيل التصويت، وتعيين جهة مستقلة تراجع تفاصيل الصفقة والعلاقات المالية المرتبطة بيها. لحد ما المراجعة تخلص، مش هقدر أوافق على البيع.
رئيس المجلس هز راسه، وبعد نقاش قصير وافق أغلب الأعضاء على تأجيل التصويت.
لكن قبل ما الاجتماع ينتهي، رن تليفون المستشار القانوني.
رد، وفضل يسمع لثوانٍ، وبعدها طلب من رئيس المجلس إنه يتكلم على انفراد.
رئيس المجلس أشار له إنه يتكلم قدام الجميع.
قال المستشار وصلتنا رسالة من مكتب السيد كريم الشاذلي. هو بيطلب حضور اجتماع عاجل، وبيقول إنه عنده مستندات تثبت إن الاتفاق بينه وبين سامح اتفهم بشكل غير صحيح.
رفعت عيني وقلت خلوه يحضر، لكن بشروط واضحة كل المستندات تتقدم رسميًا، والمراجعة تكون مستقلة، ومحدش يضغط على أي عضو علشان يغير رأيه.
وافق رئيس المجلس، واتحدد موعد الاجتماع في نفس اليوم بعد الظهر.
بعد ساعات، دخل كريم الشاذلي قاعة الاجتماعات.
كان رجلًا في أواخر الأربعينات، لابس بدلة سوداء، وملامحه هادية. سلّم على أعضاء المجلس، ولما وصل عندي وقف للحظة وقال
إنتِ مريم هيل؟
رديت أيوه.
ابتسم ابتسامة بسيطة وقال سمعت عن موقفك في المطار. واضح إنك ما بتخافيش تقولي رأيك.
قلت له أنا بحاول أسمع الحقيقة قبل ما أحكم على أي حد.
قعد في مكانه، وفتح حقيبته، وطلع ملفًا سميكًا.
وقال أنا جاي علشان أوضح حاجة مهمة. شركتي مهتمة بشراء القسم الرئيسي من مجموعة هيل، لكن مش معنى كده إننا متفقين على الاستغناء عن الموظفين. بالعكس، إحنا قدمنا خطة بديلة، لكن الخطة ما اتعرضتش على المجلس بالشكل الكامل.
رئيس المجلس سأله وليه ما وصلتناش الخطة دي؟
كريم حط نسخة من المستندات قدام المستشار القانوني وقال دي نسخة من الخطاب اللي اتبعت لإدارة المجموعة من أسبوعين، وفيه مقترحات لحماية الوظائف وتدريب الموظفين ونقلهم لأقسام تانية لو حصلت إعادة هيكلة.
المستشار راجع الخطاب، وبعدها قال الخطاب موجود فعلًا في سجل المراسلات، لكن النسخة اللي اتعرضت على المجلس ما كانش فيها المرفقات دي.
بصيت لرئيس المجلس وقلت إذن، لازم نعرف إزاي المستندات دي اختفت من الملف اللي اتعرض علينا.
كريم اتكلم بهدوء أنا مش جاي أتهم حد. كل اللي بطلبه إن العرض يتراجع كاملًا، وإن القرار يتاخد على أساس المعلومات الصحيحة.
الكلام ده خلاني أعيد التفكير في الصورة كلها.
يمكن سامح حاول التأثير على القرار، لكن كان لازم نعرف هل تصرفاته كانت بدافع مصلحة شخصية فعلًا، ولا فيه تفاصيل تانية ما ظهرتش لسه.
المستشار القانوني طلب تأجيل أي قرار جديد لحين مراجعة المراسلات الأصلية، وفي نهاية الاجتماع، اتفق المجلس على فتح مراجعة مستقلة، وعلى عدم اتخاذ أي إجراء نهائي بخصوص الصفقة قبل ظهور النتائج.
بعد الاجتماع، خرجت إلى الممر، ولقيت أبويا مستنيني.
سألني إيه رأيك في اللي حصل؟
قلت لسه مش عارفة إذا كان العرض الجديد مناسبًا ولا لأ. لكن عرفت حاجة واحدة مينفعش أوافق أو أرفض قبل ما أعرف كل التفاصيل.
ابتسم وقال أنا فخور بيكي.
بصيت له وقلت بابا، فيه سؤال شاغلني من امبارح. ليه ما قلتليش قبل كده إن جدي ساب لي الأسهم دي؟
سكت للحظات، وبعدها قال لأن جدك طلب مني ما أحمّلكيش مسؤولية الشركة قبل ما تكوني مستعدة. كنت عايزك تعيشي حياتك وتختاري طريقك بنفسك. ما كنتش عايز اسم العيلة يحدد مستقبلك.
قلت له بس إخفاء الحقيقة خلاني أوصل لليوم ده وأنا مش فاهمة حتى ليه الناس بتعاملني بالطريقة دي.
أبويا هز راسه وقال عندك حق. كان لازم أتكلم معاكي من بدري.
وقبل ما نكمل كلامنا، دينا عبد الله اتصلت بيا.
كانت بتسألني إذا كنت بخير، وبتقول إن إدارة المطار بدأت تجمع تسجيلات الكاميرات وتراجع تصرفات أفراد الأمن.
شكرتها على شجاعتها، وبعدها قلت لها إنتِ كنتِ ممكن تسكتي علشان تحافظي على شغلك، لكنك اخترتي تقولي الحقيقة.
ردت أنا عملت اللي كان لازم أعمله. محدش يستحق يتعامل بالطريقة دي.
الكلمات دي فكرتني برسالة جدي مرة تانية؛ الاحترام الحقيقي مش بيتقاس بالفلوس ولا بالملابس ولا باسم العيلة، بل بيتقاس بالطريقة اللي بنتعامل بيها مع الناس، خصوصًا لما نكون فاكرين إن محدش يقدر يحاسبنا.
في اليوم التالي، وصلتني نتيجة أولية من المراجعة المستقلة.
التقرير أثبت إن بعض المرفقات المهمة ما اتعرضتش على مجلس الإدارة، وإن تعليمات منع دخولي صالة كبار الزوار صدرت من خلال حساب إداري مرتبط بمكتب سامح.
لكن التقرير وضح كمان إن تحديد المسؤولية النهائية عن إخفاء المستندات محتاج مراجعة إضافية، وإنه ما ينفعش اعتبار أي شخص مذنبًا قبل استكمال التحقيق.
أما إدارة المطار، فأعلنت إنها أوقفت ترافيس وإيريك مؤقتًا عن التعامل مع المسافرين لحين انتهاء مراجعة الواقعة، وبدأت إجراءات رسمية لمحاسبة المسؤولين عن إساءة التعامل معي ومع دينا.
بريتني، اللي كانت صورت كل حاجة في بثها المباشر، اضطرت تنشر توضيحًا تعترف فيه إنها تسرعت في الحكم عليّ من مظهري، وإنها ما كانش عندها دليل إني حاولت دخول الصالة من غير تصريح.
ما رديتش عليها، وما طلبتش منها أي حاجة؛ كنت عايزة الموضوع يتحول لدرس حقيقي، مش مجرد فضيحة على الإنترنت.
بعد أسبوع، رجع مجلس الإدارة للاجتماع.
المرة دي، كل المستندات كانت موجودة، وكل الأطراف حصلت على فرصة لعرض موقفها.
كريم الشاذلي قدم خطة معدلة فيها ضمانات أوضح للموظفين، وبرنامج لإعادة التدريب، وفترة انتقالية تمنع اتخاذ قرارات مفاجئة بشأن الوظائف.
المستشار المالي شرح الأرقام بالتفصيل، والمستشار القانوني أكد إن الخطة الجديدة لازم تخضع لمراجعة دورية لو المجلس وافق عليها.
وبعد نقاش طويل، جاء دوري في التصويت.
رئيس المجلس سألني آنسة مريم، هل أنتِ مستعدة لإعلان قرارك؟
وقفت، وبصيت لكل أعضاء المجلس وقلت
أنا مش هصوّت بناءً على اسم أي شخص، ولا بسبب اللي حصل معايا في المطار. أنا هصوّت على أساس مصلحة الشركة وحقوق الموظفين.
أخدت نفسًا عميقًا، وبعدها أعلنت قراري
أوافق على استكمال التفاوض وفقًا للخطة المعدلة، بشرط إدراج
متابعة القراءة