قضية حضانة لمشيرة محمد

لمحة نيوز

في البيت القديم. ولما نقلنا الشقة اللي إحنا فيها دلوقتي، أنا لقيته في كرتونة حاجات قديمة وكنت فاكر إنه بايظ، بس لما شحنته اشتغل.
شريف هز راسه بسخرية وقال يا سيادة القاضي، هو طفل عنده تسع سنين هيعرف يشغل موبايل قديم إزاي وهيفهم إيه من اللي جواه أصلا؟
آدم بص له وقال أنا معرفش في حاجات كتير يا بابا، بس بعرف أسمع وبعرف أفتكر.
الجملة دي خلت شريف يسكت لحظة. آدم كمل كلامه من حوالي شهرين، كنت في أوضة المكتب عندك وكنت بدور على كراسة الرسم بتاعتي وسمعتك بتتكلم في التليفون مع عمو حسام، وكنت بتقول له إنك هتاخدنا من ماما وإنك هتخلي المحكمة تحكم لك بينا عشان ماما فقيرة وإن محدش هيصدقها لو قالت إنك بتكدب.
مريم حطت إيدها على بقها؛ هي كانت فاكرة إن شريف رفع القضية عشان فجأة قرر يهتم بولاده بعد سنين من الإهمال، لكنها مكنتش تعرف إنه مخطط لكل حاجة بالشكل ده.
القاضي سأله وإيه علاقة الكلام ده بالموبايل يا آدم؟
الولد فتح الموبايل بإيدين بتترعش وقال أنا لما لقيته شغال اكتشفت إن فيه تسجيلات قديمة، وبابا كان مسجل مكالمات كتير عليه. وأنا سمعت تسجيل منهم وخفت أقول لماما، عشان بابا كان دايما بيقول لي إنه لو خسر أي حاجة هيدخلنا إحنا في مشاكل وإنه يقدر يحبس أي حد بفلوسه.
شريف قام تاني وقال بعصبية الكلام ده كدب في كدب، الموبايل ده ممكن يكون متفبرك وأنا بطلب استبعاده فورا.
القاضي بص له وقال طلبك هيتسجل يا أستاذ شريف، لكن مش من حقك تمنع المحكمة من فحص أي دليل ممكن يكون له علاقة بالقضية. وبعدين التفت للموظف وقال له يثبت وجود الموبايل ضمن المعروضات ويطلب من الجهة المختصة فحصه والتأكد من صحة التسجيلات ومصدرها.
آدم كان لسه ماسك الموبايل لكنه قال بسرعة يا سيادة القاضي، أنا عايز حضرتك تسمع تسجيل واحد بس قبل ما تاخدوه.
القاضي اتردد لحظة وبص للمحامية وبعدين قال لو التسجيل ممكن يوضح حاجة مرتبطة بالقضية هنسمع الجزء اللي تسمح به الإجراءات، وبعد كده الجهاز هيتفحص بالطريقة القانونية.
آدم ضغط على الشاشة وفتح ملف صوتي. في الأول كان فيه صوت تشويش، وبعدها صوت شريف ظهر واضح يا حسام، أنا مش هسيب مريم تكسب عليا بعد اللي عملته فيا دي، فاكرة إنها لما تمشي من البيت وتاخد الولاد يبقى من حقها تبدأ حياة جديدة.
وبعدها جه صوت راجل تاني طب والولاد ذنبهم إيه يا شريف؟ ما تسيبهم يعيشوا مع أمهم وخلاص.
شريف رد ببرود الولاد هما الورقة اللي هتكسرها بيها. أنا عارف إن آدم متعلق بيها جدا وليلى كمان، بس لما أوري المحكمة إنهم هيعيشوا في فقر وهما معايا هيبقوا في أحسن المدارس وأحسن مستوى، محدش هيقدر يقف قصادي.
مريم حسّت إن الأرض بتلف بيها. آدم بص لها بسرعة وقال استني يا ماما، لسه فيه كلام تاني.
التسجيل كمل؛ صوت حسام قال وإنت هعمل إيه لو الولاد اختاروا أمهم؟
شريف ضحك وقال مش هخليهم يختاروها، أنا هخليهم يخافوا من الفقر وهقول لهم إن أمهم هتتعب وتموت من كتر الشغل، وإنهم لو سابوها هتبقى أحسن لها، وهديهم كل اللي نفسهم فيه لحد ما ينسوا هي كانت بتعمل لهم إيه. وبعدين قال جملة خلت مريم تحس بوجع في قلبها أنا مش فارق معايا مين هيهتم بيهم، المهم إن مريم متحسش إنها كسبت عليا.
التسجيل وقف. ساد صمت غريب في القاعة، حتى محامية شريف اللي كانت طول الوقت بتتكلم بثقة نزلت عينيها للأرض وبصت لموكلها وكأنها أول مرة تشوفه على حقيقته.
مريم مقدرتش تمنع نفسها من البكاء؛ مش عشان شريف جرحها، لكن عشان ابنها الصغير كان شايل الخوف لوحده كل الفترة دي، وبيسمع كلام أكبر من سنه، وبايحاول يحمي أمه وأخته بطريقته.
شدت آدم لحضنها وقالت وهي بتبوس راسه يا حبيبي يا ابني، إنت كنت شايل كل ده لوحدك ليه ما قلتليش؟
آدم حضنها بقوة وقال عشان كنت خايف يا ماما، كنت فاكر لو قلت لك بابا هيعمل فيكي حاجة وأنا مش هعرف أحميكي.
مريم شهقت من العياط وقالت إنت مش مطلوب منك تحميني يا آدم، إنت ابني وإنت اللي المفروض تعيش طفل وتلعب وتضحك مش تشيل هموم الكبار.
ليلى قربت منهم وهي بتعيط وقالت هو بابا مش بيحبنا يا ماما؟
السؤال ده كان أصعب من كل اللي حصل. مريم مسحت دموع بنتها وبصت في عينيها إنتوا تستاهلوا كل الحب يا حبيبتي، ومحدش يقدر ياخد منكم حقكم في الحب والأمان مهما كان مين.
القاضي كان بيسمع الكلام وهو ملامحه اتغيرت، وبعدين قال يا أستاذ شريف، هل تنكر إن الصوت الموجود في التسجيل صوتك؟
شريف عدل ياقة بدلته وحاول يرجع لبروده أنا مش هقدر أأكد حاجة من تسجيل مش معروف مصدره، وممكن يكون متعدل أو مركب.
القاضي قال وده سبب إضافي لفحصه فنيا. لكن فيه نقطة تانية محتاج أفهمها منك. سكت لحظة وبعدين كمل إنت قدمت للمحكمة طلب حضانة على أساس إنك خايف على مصلحة أولادك وإن الأم غير قادرة توفر لهم حياة مناسبة، فهل الكلام اللي سمعناه بيتفق مع السبب اللي قدمته في طلبك؟
شريف اتلخبط وقال أنا كنت متعصب في المكالمة وممكن أكون قلت كلام مش قصدي عليه، لكن ده ميغيرش الحقيقة إن عندي القدرة أوفر لهم حياة أفضل.
مريم قامت وقالت حياة أفضل يعني إيه يا شريف؟ يعني إنهم يناموا على سرير غالي بس يخافوا يتكلموا قدامك؟ يعني إنهم يلبسوا أغلى هدوم بس يبقوا حاسين إنهم عبء عليك؟ يعني إنك تشتري لهم كل الألعاب اللي في الدنيا وتخليهم يكرهوا أمهم عشان تكسب قضية؟
شريف بص لها بحدة وقال إنت بتتكلمي عن إيه؟ إنت أصلا كنتي عايشة على فلوسي سنين!
مريم هزت راسها وقالت أنا عشت معاك سنين وكنت فاكرة إن الفلوس دي فلوس بيتنا وأنك بتصرف على ولادك لأنهم ولادك مش عشان كل يوم تفكرني إنك صاحب الفضل علينا. وبعدين أشارت لآدم وليلى الولاد دول كانوا بيستنوك بالساعات عشان تقعد معاهم عشر دقايق، ولما كنت بترجع متأخر كنت بقول لهم بابا مشغول عشان ميحسوش إنك مش عايزهم، ولما كنت بتنسى عيد ميلادهم كنت أنا اللي بجيب لهم تورتة صغيرة وأقول لهم إنك هتعوضهم بعدين. صوتها اتكسر لكنها كملت أنا مش هقدر أديهم كل اللي كنت بتدر تشتريه لهم، لكن أقدر أديهم حاجة إنت حرمتهم منها طول الوقت، وهي إنهم يحسوا إنهم محبوبين من غير ما يدفعوا تمن الحب ده.
شريف سكت لحظة لكنه سرعان ما قال الكلام ده كله عواطف يا مريم، المحكمة مش جمعية خيرية.
القاضي رد عليه بحزم المحكمة مش بتقيس صلاحية الأبوة بحجم الحساب البنكي يا أستاذ شريف، وإمكانيات كل طرف المادية مش هي العامل الوحيد في تحديد مصلحة الأطفال. وبعدين أمر بتأجيل الفصل النهائي في القضية لحين فحص التسجيلات والتحقق من الأدلة المقدمة وسماع أقوال المختصين بشأن حالة الطفلين.
لكن قبل ما الجلسة تنتهي،
تم نسخ الرابط