قضية حضانة لمشيرة محمد

لمحة نيوز

قفل القاضي الملف اللي كان قدامه وبص للطفل اللي قاعد في نص قاعة المحكمة.
كان اسمه آدم وعنده 9 سنين.
كان لابس كوتشي قديم ورجليه الصغيرة مش واصلة للأرض وهو قاعد على الكرسي، ومع ذلك كان ضهره مفرود ورافع راسه كأنه عارف إن النهارده بالذات مينفعش يعيط.
جنبه كانت قاعدة أخته الصغيرة ليلى اللي عندها 6 سنين وكانت حاضنة عروسة قديمة من غير جزمة وضاماها لصدرها كأنها خايفة حد ياخدها منها هي كمان.
وعلى كرسي بسيط قدامهم كانت قاعدة أمهم مريم السيد.
ست عندها 34 سنة وصلت المحكمة بعد مشوار طويل في المواصلات من منطقة شعبية في الجيزة، وكانت شايلة شنطة فيها شوية ورق وبسكوت لولادها وحزن كبير بقى تقيل على قلبها لدرجة إنها مبقتش قادرة تخبيه ورا ابتسامتها.
على الناحية التانية كان قاعد أبوهم شريف المنشاوي.
بدلة كحلي غالية وساعة تمنها يجيب شقة في منطقة شعبية وجزمة بتلمع كأنها لسه خارجة من علبتها وابتسامة راجل متعود إن كل حاجة في الدنيا بتيجي له من غير ما يطلب مرتين.
محاميته قامت من مكانها الأول وعدلت الجاكيت بتاعها، وبعدين بدأت تتكلم بثقة وقالت يا سيادة القاضي، موكلي قادر يوفر للطفلين حياة مستقرة وتعليم في مدارس خاصة ورعاية طبية ممتازة وسفر وأمان وبيت مناسب لتربيتهم. أما السيدة مريم السيد، فمع كامل احترامي ليها، هي بتبيع أكل من جراج صغير وعايشة في شقة أختها وبتشاركها في مصاريف البيت.
مريم نزلت عينيها للأرض؛ مش عشان كانت مكسوفة من فقرها، لكن عشان كانت بتحاول تسيطر على غضبها قبل ما ينفجر جواها.
عشر سنين وهي مستحملة الإهانة والسكوت الطويل والصوت العالي اللي كان بيطلع من ورا أبواب مقفولة، والهدايا الغالية اللي كانت بتيجي بعد كل مرة شريف يهينها فيها كأن الفلوس ممكن تمسح اللي حصل.
لكن النهارده، قدام المحكمة كلها، كانوا بيختصروا حياتها في كلمة واحدة... فقيرة.
كأن الأمومة بتتقاس بعدد الأوض في البيت وبسعر الهدوم اللي الأطفال بيلبسوها.
شريف تنهد تنهدة مصطنعة ورسم على وشه ملامح الحزن وقال للقاضي أنا مش عايز أحرم مريم من ولادها يا سيادة القاضي، والله أنا كل اللي عايزه إني أنقذهم من حياة الحرمان اللي عايشينها. مريم أم كويسة وأنا معترف بده، لكن حالتها النفسية مش مستقرة وبتتعصب بسرعة، والولاد شافوا حاجات كتير مش المفروض يشوفوها في سنهم.
مريم رفعت راسها فجأة وبصت له بعيون مليانة غضب وصرخت الحاجات الوحشة اللي ولادي شافوها كانت بسببك إنت!
القاضي خبط بالمطرقة على المكتب وقال بحزم يا مدام مريم، من فضلك التزمي الهدوء.
شريف حتى مابصلهاش، لكنه ابتسم ابتسامة صغيرة مليانة شماتة ماحدش لاحظها غير مريم.
وآدم كمان لاحظها.
الولد الصغير بص لأبوه وسكت، لكنه قبض إيده على طرف البنطلون بقوة.
القاضي عدل النظارة على عينيه وبعدين وجه كلامه لآدم وقال يا آدم، أنا محتاج أسمع رأيك إنت بنفسك، ومش عايزك تخاف من حد ولا تحس إنك مضغوط من أي طرف. إنت عندك تسع سنين وعارف إننا هنا عشان نعرف إفضل ليك ولأختك. دلوقتي عايزك تجاوبني بصراحة، تحب تعيش مع مين؟ مع ماما ولا مع بابا؟
القاعة كلها سكتت، حتى صوت الورق اللي كان بيتقلب في آخر القاعة اختفى.
ليلى بدأت ترتعش وهي حاضنة عروستها ورفعت عينيها لأخوها الصغير كأن مصيرها كله متعلق بالإجابة اللي هيقولها.
شريف مال بجسمه ناحية آدم شوية وبص له نظرة فيها أمر واضح من غير ما ينطق بكلمة واحدة.
أما مريم فحست إن قلبها بيتقطع حتة حتة.
كانت عارفة إن شريف خد الولاد قبل كده واتفسح بيهم وعزمهم على أكل ووعدهم بألعاب إلكترونية وحمام سباحة وأوضة خاصة لكل واحد فيهم، وكانت عارفة كمان إنه مخوفهم.
قال لهم إنهم لو اختاروا يعيشوا مع أمهم هيفضلوا ياكلوا بواقي الأكل، وقال لهم إن مامتهم هتتعب وتمرض بسببهم وإنهم هما السبب في شقائها، وكان بيكرر عليهم إن الفقرا دايما بيجروا اللي حواليهم لتحت وإن اللي يعيش مع الفقير عمره ما هيعرف ينجح في حياته.
مريم كانت بتحاول تطمنهم كل ليلة وتقول لهم إنهم أغلى عندها من الدنيا كلها وإنها هتعمل المستحيل عشان يعيشوا كويس. لكنها كانت خايفة؛ خايفة إن الوعود البراقة والفلوس الكتير يقدروا ياخدوا منها ولادها.
آدم أخد نفس عميق وبص للقاضي، وبعدين قام وقف من مكانه وقال بصوت مهزوز لكنه واضح يا سيادة القاضي، قبل ما أجاوب على سؤالك، أنا عايز أوري لحضرتك حاجة.
محامية شريف عقدت حواجبها وبصت للولد باستغراب وسألته حاجة إيه يا حبيبي؟
آدم فتح الشنطة القديمة اللي أمه كانت شرياهاله من السوق، وبدأ يدور جواها بإيده الصغيرة.
أول ما شريف شافه بيطلع حاجة من الشنطة اتغيرت ملامحه فجأة وشد جسمه كله وقال بصوت حاد آدم، اقعد مكانك!
لكن الولد ما سمعش كلامه، وطلع موبايل قديم شاشته مكسورة وفي جنبها شريط لاصق شفاف كان مثبت حتة منها عشان متقعش.
رفعه بإيده قدام القاضي وقال بصوت بدأ يتكسر من التأثر الحقيقة كلها موجودة هنا يا سيادة القاضي، وماما ما تعرفش إني احتفظت بالموبايل ده.
شريف قام من مكانه بعنف لدرجة إن الكرسي اتحرك لورا بصوت عالي وصرخ هات الموبايل ده يا واد إنت!
مد إيده ناحية آدم، لكن الأمن اتحرك بسرعة ووقف في طريقه.
ليلى صرخت صرخة صغيرة وخبت وشها في هدوم أمها.
ومريم فضلت واقفة مكانها مش قادرة تتحرك ولا حتى تستوعب اللي بيحصل، كانت بتبص لابنها الصغير والموبايل القديم اللي ماسكه بإيده، وبدأت تفهم إن ابنها اللي عنده تسع سنين كان شايل سر خطير وساكت طول الفترة اللي فاتت، سر ممكن يقلب القضية كلها.
وفي اللحظة دي، آدم رفع عينيه للقاضي وقال يا سيادة القاضي، بابا مش عايزنا عشان بيحبنا، هو عايز ياخدنا من ماما عشان يعاقبها على حاجة هي عملتهاش، والموبايل ده فيه دليل على كل حاجة.
القاعة كلها اتقلبت همهمة وصوت كلام من كل ناحية. القاضي رفع إيده يطلب الهدوء وبص لشريف المنشاوي اللي كان واقف ووشه اتغير لدرجة إن مريم نفسها استغربت؛ من شوية كان داخل المحكمة واثق إنه كسبان القضية قبل ما تبدأ، ودلوقتي كان واقف بيخبي خوفه ورا الغضب.
محاميته قربت منه وهمست في ودنه إيه حكاية الموبايل ده يا أستاذ شريف؟
رد عليها من بين سنانه معرفش، هو بيتكلم عن إيه؟ الولد صغير وممكن يكون حد لقنه الكلام ده.
آدم سمعه فبص له وقال محدش لقني حاجة يا بابا، أنا سمعتك بنفسي.
شريف صرخ فيه اخرس يا آدم!
القاضي خبط بالمطرقة وقال بصرامة أستاذ شريف، لو سمحت اقعد مكانك وإلا هضطر أخرجك من القاعة.
شريف رجع قعد وهو بيضغط على إيده بعصبية، لكن عينيه فضلت متعلقة بالموبايل القديم اللي في إيد ابنه.
القاضي بص لآدم وقال بهدوء متخافش يا حبيبي، خد وقتك واحكيلي إيه اللي عندك.
آدم بص لأمه؛ مريم كانت دموعها نازلة من غير ما تحس، ومدت إيدها ناحيته وقالت تعالى يا حبيبي جنبي، متخافش أنا معاك.
آدم قرب منها ومسك إيدها وبعدين رجع بص للقاضي الموبايل ده كان بتاع بابا، وكان سايبه في درج المكتب

تم نسخ الرابط