ثمن التحويشة / محمد نور

لمحة نيوز

استغربت جداً لما سمعتها بتقول كلمة «أرجوكي». طوال ستاشر سنة جواز، عمرها ما نطقت الكلمة دي قدامي. — "هو إيه اللي حصل بجد يا كريمة؟"

كريمة خدت نفس مهتز: — "حازم.. طردوه من الشغل من أربع شهور."

الخبر ده نزل عليّا كالصاعقة. مكنش عندي أي علم بالموضوع ده. — "ليه؟" — "الشركة عملت هيكلة وفصلت ناس كتير." — "ومكافأة نهاية الخدمة راحت فين؟"

سكتت شوية وقالت بصوت مكسور: — "اضطر يدفعها عشان يسدد ديوني القديمة..."

فهمت فوراً نوعية الديون: — "ديونك إنتي؟!" — "..." — "لسه معاكي العربية؟!" — "دي مالهاش علاقة بالموضوع ده خالص!" — "لأ.. ليها علاقة بكل حاجة. من سنة كنتي عايزة تاخدي فلوس بنتي عشان تشتريها، ودلوقتي جاية تبتزيني عشان تدفعي فاتورة مرضه!"

كريمة انهارت في العياط بره الباب: — "إنتي مش عارفة إحنا ضاق بينا الحال في إيه ولا عشنا إزاي!" — "وأنا كمان ميهنيش عيشتوا إزاي.. زي ما إنتو مكنتوش حاسين بيا وببنتي."

سمعتها بتتحرك قدام الباب: — "طب افتحي.. خليني أدخل نتكلم جوه." — "لأ." — "للدرجة دي بتكرهيني؟!"

بصيت للترابيزة اللي جنب الباب. وافتكرت كل مرة سكت فيها عشان مأعملش مشاكل. والجمعيات والديون اللي طلبوها مني. والهدايا اللي مكنتش بتعجبهم.

— "يا كريمة، أنا مش بكرهك.. بس خلصت.. مبقيتش عايزة أدخل في بلاويكم المالية تاني ولا ليا دعوة بيها." — "إنتي إنسانة أنانية وقاسية!" — "أهلاً بيكي.. كريمة هي كريمة متغيّرتش. تصبحوا على خير."

بعدت عن الباب. وهي فضلت تخبط وتزعق دقايق كتيرة وبعدين مشيت. أول ما لفيت، لقيت داليا واقفة في أول الطرقة. كانت سامعة الحوار كله. — "هو بابا.. هيموت يا ماما؟"

مكنش عندي إجابة واضحة أريّح بيها قلبها: — "تعبان يا حبيبتي.. والدكاترة بيحاولوا يعالجوه."

بنتي نزلت عيونها للأرض: — "أنا عايزة أطمن عليه.. وعايزة أروح أشوفه لو ينفع."

حضنتها لصدري: — "حاضر.. لو تحبي، بكرة الصبح آخدك ونروح نزوره في المستشفى."

داليا رفعت وشها بصدمة: — "إنتي هتدخلي معايا؟!"

فكرت في صفارة ودني. وبعدين بصيت لعزيمة بنتي. — "لو محتاجاني جنبك.. آه هدخل معاكي."

تاني يوم الصبح، رحنا المستشفى. قدام أوضة العناية أو الغرفة اللي فيها حازم، حمايا كان قاعد لوحده على الكرسي. شكله كان عجوز أوي وكأن السنين هدت حيله في شهور قليلة. قام أول ما شافنا، وحضن داليا بحرارة. وبعدين بصلي بعيون مليانة أسف: — "شكراً يا نجوى إنك جيتي."

داليا كانت قلقانة وعايزة تطمن على أبوها. حمايا هز راسه، وقال كلام مكنتش أتخيل إني أسمعه في يوم من الأيام: — "أنا لازم أعتذر لك يا بنتي."

قعدت على الكرسي اللي جنبه: — "على إيه يا عمي؟ إنت مكنتش موجود الليلة دي أصلاً." — "صح.. مكنتش موجود. بس عرفت اللي حصل بعد كده.. وسكت. ومراتي قالتلي إنكم اتخانقتوا عشان فلوس.. وحازم فهمني ساعتها إنك ضربتيه وإنه دافع عن نفسه.. وأنا صدقته."

مسكت طرف شنطتي بقوة: — "أنا ممدتش إيدي عليه.. كل اللي عملته إني رفضت أديه فلوس تعليم بنتي." — "عارف.. عرفت كل الحقيقة متأخر."

حمايا خد نفس عميق وكمل بصوت مكسور: — "من تلات أسابيع.. حازم جالي البيت وقعد يعيط. حكى لي كل حاجة عن الحسابات، وديون كريمة، والمشاكل اللي سببها. وقالي بالحرف الواحد إنه ضيع مراته وبيته عشان كان غبي وفاكر إنه بيصلح غلطات أخته."

حسيت بوجع خفيف جوه قلبي.. مش حنين لحازم، بس حزن على راجل ضيع نفسه بنفسه. — "وعايز مني إيه دلوقتي يا عمي؟" — "ولا حاجة يا بنتي.. مش جاي أطلب منك ترجعي له. أنا بس كنت عايز أقولك إني آسف لأني سبتك لوحدك في يوم كنتي محتاجة حد ينطق بكلمة حق ويقول إن اللي عمله ده عيب وحرام."

بصيت من شباك المستشفى على الشارع بره. الحياة كانت ماشية والناس رايحة جاية. — "شكراً ليك يا عمي.. الكلام ده بيفرق."

دخلت داليا مع جدها الأوضة، ودخلت وراهم بخطوات ثابتة. حازم كان نايم على السرير، ووشه أبيض وأصفر وشارب التعب بوضوح. أول ما شاف داليا، حاول يقوم ويعدل نفسه: — "داليا..."

قربت منه ببطء: — "سلامتك يا بابا."

مد إيده ومسك إيد بنته. مقالش كلمة لفترة طويلة. وبعدين رفع عينه وبصلي وأنا واقفة عند الباب: — "أهلاً يا نجوى."

هزيت راسي بسكوت. في اللحظة دي دخلت كريمة من بره مع مامتها، وأول ما شافوني قالت بصوت عالي: — "يا سلام.. يعني انفصلتوا وجاية تتفرجي علينا ولا جاية عشان الفلوس؟!"

حازم اتعدل بغضب وعصبية خرست الكل: — "كريمة! اخرسي واطلعي بره حالاً!"

كلنا بصينا له بدهشة. — "بس يا حازم أنا كنت بقول..." — "بقولك اطلعي بره! مش عايز أسمع صوتك!"

كريمة خرجت بغيظ، ووراها أمها وأبوها عشان يهدوها. حازم رجع بص لبنته، وبعدين بصلي وقال بصوت مكسور: — "أنا آسف.. سامحوني."

قربت منه وقلتله: — "الحمد لله على سلامتك يا حازم.. المهم تقوم بالسلامة وتصلح اللي باظ." — "مش هرجع زي الأول.. بس والله العظيم اتعلمت الدرس بطريقة قاسية أوي." — "ربنا يشفيك."

خرجنا من المستشفى أنا وداليا، وركبنا الأتوبيس راجعين بيتنا الصغير. الهواء كان حلو، والشمس كانت بتبدأ تغيب. داليا سندت راسها على كتفي وقالت: — "ماما.. هو إنتي زعلتي لما شفتي بابا تعبان كده؟"

فكرت ثانية وجاوبتها بصدق: — "شوية يا حبيبتي.. الإنسان مش بينسى الأيام الحلوة بالسهولة دي." — "يعني.. لو خف، ممكن ترجعي له؟"

مسكت إيدها وبصيتلها في عيونها الحلوة: — "لأ يا روحي.. فيه حاجات بتتصلح وحاجات بتنكسر للأبد ومترجعش تاني. بابا فهم غلطه متأخر، بس ده مش معناه إننا نرجع لبيت كان بيوجعنا ويهين كرامتنا."

داليا هزت راسها وكأنها فهمت المعنى الكبير ورا الكلام. مسكت إيدي أكتر وقالت: — "أنا بحب بيتنا الصغير ده أوي يا ماما.. وحاسة إننا مرتاحين هنا."

ضحكت بصوت عالي: — "حتى لو الغسالة بتعمل صوت جرار زراعي؟"

ضحكت بصوتها كله: — "آه حتى لو جرار زراعي!"

ضحكنا مع بعض طول الطريق. وفي اللحظة دي.. وأنا سامعة ضحكة بنتي الصافية، اتأكدت مليون في المية إني عملت الصح. مش عشان انتقمت. ولا عشان كسبت القضية ورجعت جزء من الفلوس. لكن لأني علمت بنتي درس عمرها كله.. إن الكرامة والأمان مش للبيع، وإن الست الحقيقية هي اللي بتحمي بيتها بس.. من غير ما تفرط في نفسها وتسمح لأي مخلوق يكسرها مهما كان!

تم نسخ الرابط