ثمن التحويشة / محمد نور

لمحة نيوز

ضحكت ضحكة وجع ومرارة: — "لما تبقوا عايزين تاخدوا فلوس بنتي وتسرقوها، نبقى عيلة واحدة.. ولما أسأل عن الديون والمصيبة اللي عملتوها، مبقاش يخصني؟!"

حازم ضرب الترابيزة بإيده بغضب عالي. الصوت خلاني أنط مكاني من الخوف والفزع. إيمان خطت خطوة لقدام: — "بس عندك!"

حازم بص لردة فعلي وخوفي، وكأنه لأول مرة يشوفني بالمنظر ده. — "يا نجوى.. أنا والله العظيم ما كنت قاصد أمد إيدي عليكي." — "بس عملتها." — "إنتي استفزيتيني قدام أمي." — "قلتلك ما تسرقش فلوس بنتك!" — "لازم دايماً تعانديني وتبقي مأفورة كده!"

تأملته شوية.. وفي اللحظة دي فهمت حاجة متأخرة قوي.. كنت مفروض أفهمها من سنين طويلة. حازم مكنش ندمان إنه وجعني أو أهانني. هو كان زعلان ومتضايق عشان أنا رفضت أنزل راسي وأسمع كلامه بالعافية. لمينا حاجتنا ومشينا.

الشهور اللي بعد كده مكنتش سهلة أبداً. مفيش سحر حصل غيّر حياتي بين يوم وليلة. كان عندي اتنين وأربعين سنة، موظفة إدارية، بنتي مراهقة في وسط تعليمها، وقسط شقة مربوط بجواز بيتدمر قدام عيني. مرتبي مكنش بيعدي ست آلاف وثمانمائة جنيه في الشهر. وعلى الرغم من إن إيمان استضافتنا بدون ما تطلب مننا مليم، إلا إني مكنتش حابة أبقى عالة عليها للأبد.

أجرت شقة صغيرة، قديمة شوية، بس قريبة من مدرسة داليا. مفيهاش أسانسير، والمطبخ كان ضيق جداً لدرجة إني أنا وهي كنا بندخل بالعافية. أول ما دخلناها، داليا فتحت الشباك الصغير وبصت لبره وهي بتبتسم: — "ماما.. من هنا باين الشجر والخضرة."

أنا مكنتش شايفة غير الحيطان المقشرة والأرضية الخشنة المتهالكة. بس هي جريت ترتب كتبها وكشاكيلها وكأننا نقلنا في قصر فخم.

بالليل عملنا أكل سريع، شوية رز مع بيض وطماطم. داليا كلت طبقين من كتر الجوع والرضا. وبعد ما خلصت، سابت المعلقة وبصتلي وقالت: — "يا ماما.. هو احنا هنضطر نسيب دروس الإنجليزي عشان الفلوس؟"

حسيت بغصة حارقة في زوري: — "مش عارفة لسه يا حبيبتي.. هظبط الدنيا." — "عادي يا ماما.. لو هسيبها مش مشكلة." — "لا يا داليا.. تعليمك أهم حاجة عندي في الدنيا دي."

نزلت راسها بحزن: — "بس أنا مش عايزاكي تتعبي وتشتغلي أكتر من طاقتك بسببي."

قعدت قدامها ومسحت على شعرها بحب: — "إنتي مش عالة عليّا يا داليا.. إنتي بنتي وحتة مني."

قامت داليا وحضنتني جامد من وسطي: — "خلاص يبقى إنتي كمان.. بطلي تستحملي حاجات توجعك عشان خاطري."

والكلمتين دول.. فضلوا يترددوا في وداني ويحركوا جوايا طاقة غريبة شهور طويلة. قعدت سنين أقول لنفسي لازم أستحمل وألم الشمل عشان خاطر داليا. بس بنتي بنفسها، وببساطة وبراءة طفلة، فهمتني إنها مش محتاجة عيلة ملمومة على حساب كرامة أمها وأمانها. هي محتاجة بيت.. تحس فيه بالسلام والأمان وبس!

إجراءات الطلاق بدأت رسمياً. المحامية بتاعتي نصحتني أحافظ على كل التقارير الطبية، والصور، وكشوف البنوك، ورسايل التهديد اللي بعتها حازم. وفهمتني إن تقسيم الشقة والفلوس والدين هيمشي بقوانين صارمة، ومش هقدر أرجع كل جنيه بسهولة، بس برضه مش هسيب حقي بالسهولة اللي هم متخيلينها.

أول جلسة تسوية ومفاوضات كانت كارثة. حازم جه ومعاه أمه كالعادة. حماتي كانت ماسكة ملف مليان ورق وقضايا وهمية. وقبل ما تقعد، بصتلي نظرة تحقير وتوعد: — "لسه بدري يا نجوى.. تقدري ترجعي لبيتك وتصلحي الهباب اللي عملتيه ده."

ماردتش عليها. والمحامية بتاعتي دخلت في الموضوع دغري: — "إحنا هنا عشان نبص في تسوية الطلاق وحقوق الموكلة."

حماتي رمت الملف على الترابيزة بعصبية: — "ابني هو اللي دافع النصيب الأكبر من شقة الزوجية! مش هانستنى الست هانم تيجي تاخد تعب عمره على الجاهز!"

المحامية فتحت الورق بكل هدوء: — "الشقة اشتريتوها أثناء قيام الزوجية، وبناءً على المستندات والتحويلات الطرفين ساهموا فيها.. وطالما فيه استحالة للعشرة، يبقى فيه حقوق قانونية واضحة." — "بس ابني بيقبض أكتر بكتير!" — حماتي صرخت. — "وده لا يلغي مساهمة السيدة نجوى المادية، ولا يقدر بثمن دورها في رعاية المنزل وبنتها طوال سنين الجواز."

حازم كان قاعد ساكت ولا بينطق بكلمة. فشاورت حماتي على مكان فاضي وقالت بوقاحة: — "وبعدين البنت لازم تعيش مع أبوها! الست اللي بتشتغل طول اليوم دي هتقدر تربي مراهقة إزاي يعني؟!"

بصتلها والدم فار في عروقي: — "داليا مش جائزة مسابقة هتسلموها للي يقبض أكتر.. بنتي ليها احتياجات ورأي وأنا قادرة أحميها وأربيها أحسن من ألف زيك!"

حماتي كشرت: — "من ساعة ما مشيتي مع أختك وإنتي لسانك اتطول ومحدش قادر عليكي!" — "لأ.. مبقتش أخاف وأسكت."

مخرجناش باتفاق في اليوم ده. بس طلعت من الجلسة وأنا حاسة إني كسبت نفسي. مش فلوس.. بس كسبت حرية القرار.

مشكلة ودني الشمال مكنتش بتروح. أيام الصداع والصفارة كانت بتبقى خفيفة، وأيام تانية لما بتعب وتكتر الضغوط، ودني كانت بتصفر لدرجة تخليني أفقد التركيز. عملت فحوصات كتيرة عند دكاترة أنف وأذن، وأكدوا لي إن فيه ضعف سمع جزئي في الناحية الشمال نتيجة الصدمة والكدمة القوية، وإن رجوعه بشكل كامل مش مضمون مية في المية.

يوم ما سمعت الكلام ده من الدكتور، عيطت بمرارة في العيادة. مش عشان أنا عاجزة، ولا عشان الشغل. بس لأن حازم ساب فيا علامة.. ممكن تفضل مرافقاني طول عمري بسبب جبروته.

بقيت فترات طويلة أتجنب أرد على التليفون بودني الشمال. داليا لاحظت ده. وفي يوم، فاجأتني بهدية صغيرة عبارة عن سماعة هاندفري نضيفة اشترتها من تحويشتها البسيطة لما ساعدت مدرسة وتنظم كتب. — "عشان تسمعي بوضوح أكتر لما حد يكلمك يا ماما."

مسكت السماعة بإيدي. كانت بسيطة جداً ولونها أبيض. بس عيطت وأنا فاتحاها. حضنتني داليا وقالت: — "ما تعيطيش يا ماما.. والله بتشتغل كويس، أنا جربتها بنفسي."

ضحكت وسط دموعي. الهدية البسيطة دي كانت أغلى عندي من كل الدهب والمجوهرات اللي حازم جابهالي في ستاشر سنة جواز. لأن بنتي مكنتش بتعوضني عن حاجة سرقتها مني. هي كانت بس.. عايزة تخلي حياتي أسهل وأحن.

مرت الشهور، وكريمة استمرت في نشر بوستات على السوشيال ميديا بتلمح فيها عن الستات المتسلطة اللي بتخرب بيوت الرجالة وتفرق العائلات. مكتبتش اسمي صريح. بس كل اللي يعرفونا كانوا عارفين هي تقصد مين. في يوم كتبت: «فيه ناس بيتهاونوا بخراب البيوت والطلاق أهون عندهم من مساعدة عيلة جوزها!» مردتش. بس خدت سكرين شوت وبعتتها لمحاميتي.

وبعدها بكام أسبوع، إيمان بعتتلي بوست تاني لكريمة. كانت واقفة قدام عربية جديدة، وفاتحة إيديها وفيه شريطة حمراء كبيرة على الكابوت! وتحت الصورة كاتبة: «الأحلام بتتحقق بفضل الله لما مابتستسلمش أبداً!»

فضلت باصة للصورة دقيقة كاملة. العربية دي.. كانت شبه العربية اللي كانت سبب خناقتنا الكبرى زمان! سألت إيمان هي جابتها منين: — "من صفحتها العامة.. شكلها في الآخر قدرت تشتريها بالتقسيط أو منين الله أعلم."

حكيت للمحامية. قالتلي إن كل التفاصيل دي هتفيدنا في توثيق طريقة تشتيت وتصريف الأموال المشتركة، بس لازم أدلة ومستندات. وخلال جلسات المحاكم، ظهرت بلاوي تانية فعلاً. حازم كان بيسحب من فلوسنا عشان يسدد أقساط قروض كريمة، وكان بيدفع أجزاء من مصاريف أمه الطبية دون علمي.

مش كل الفلوس رجعت. بس الأوراق أثبتت حاجة واحدة بس: إن حازم ضيع فلوس بيتنا في بلاوي أهله وكذب عليّا طوال السنين دي.

بعد معارك طويلة، الطلاق خلص رسمياً باتفاق قضائي وتسوية نهائية. داليا فضلت معايا، واتعمل جدول لزيارة الأب بما يتناسب مع ظروفها ومصلحتها. الشقة اتبيعت. وبعد سداد القرض والديون المستحقة، صفى ليا مبلغ كافي أفتح بيه مشروع صغير مع تحويشة تضمن تعليم داليا ومستقبلها. مش ثروة، بس بداية جديدة ونظيفة.

يوم ما مضينا على آخر ورقة في المحكمة، حازم كان واقف بره مستنيني. كان خاسس جداً ووشه شاحب. — "يا نجوى." وقفت مكاني: — "خير؟" — "بجد.. مفيش أي فرصة نرجع زي الأول؟"

بصيت للراجل اللي شاركته ستاشر سنة من عمري. افتكرت الأيام الحلوة. يوم ميلاد داليا. الليالي اللي كنا بنسهر فيها لغاية الصبح عشان السخونية. والأيام الأولى في شقتنا الصغيرة لما مكنش عندنا عفش وقعدنا ناكل على كراتين الكرتون. الذكريات دي موجودة وحقيقية. مش هنكرها وأقول إن حياتي كلها كانت جحيم. بس الذكريات الحلوة دي مش كفاية عشان تغطي على الإهانة والضرب والخيانة المالية اللي دمرت حياتنا.

— "يا حازم، أنا اديتك فرص كتيرة قوي.. وكنت بتضيعها وإنت مش حاسس أساساً."

وطى راسه بحزن: — "أمي بتقول إنك اتكبرتي واتغيرتي عليّا." — "أمك تقول اللي تقوله." — "كريمة حالتها صعبة.. وظروفها وحشة."

ضحكت بمرارة وتعب: — "ربنا يفك كربها." — "شغلها قل، ومش قادرة تدفع قسط العربية." — "عربيتها، وهي حرّة فيها."

بصلي وقال بقهر: — "إنتي مكنتيش قاسية كده زمان." رديت بكل هدوء وثبات: — "زمان.. كنت بخلط بين التحمل وبين الاستغلال. ودلوقتي اتعلمت الفرق."

مشيت. ومحاولش يلحقني المرة دي.

بعد الحكاية دي بشهر، حياتنا خدت روتين جديد وهادئ. كنت بصحى الساعة ستة الصبح. أجهز الفطار، أوصل داليا لأتوبيس المدرسة، وبعدين أنزل لشغلي. الظهر أحياناً بشتغل ساعات إضافية. وبالليل نرجع ناكل سوا في هدوء. الشقة صغيرة، والغسالة بتعمل صوت مزعج جداً وهي بتعصر الهدوم كأنها جرار زراعي. والشتا بيدخل هواء من شباك المطبخ البايظ. بس البيت ده كان فيه حاجة ناقصة من سنين طويلة ورجعت.. السكينة والأمان.

داليا شدت حيلها في المدرسة وجابت مجموع دخلها برنامج تدريبي مميز مع منحة دراسية. وفي يوم، دخلت البيت وهي بتنط من الفرحة: — "ماما! اتقبلت في البرنامج! شوفي الرسالة!"

حضنتها بقوة لدرجة إنها ضحكت. نزلنا اشترينا تورتة صغيرة نحتفل بيها، مع إن مكنش فيه مناسبة رسمية. بس كان عندنا أحلى سبب في الدنيا للبهجة. وهي بتطفي الشمعة، افتكرت كلام كريمة زمان: «بكرة تكبر وتتجوز وتروح لبيت جوزها.. هانرمي الفلوس دي كلها على الهوا ليه؟!»

بصيت لبنتي. مش عارفة هتتجوز مين، ولا هتسكن فين، ولا هتختار مهنة إيه لما تكبر. بس كنت متأكدة من حاجة واحدة بس: مستقبلها ملكها هي وحدها. وكل جنيه اتصرف في تعليمها وثقتها بنفسها.. كان استثمار حقيقي وميتقدرش بثمن.

وبعد مرور سنة كاملة على الليلة دي.. بدأت مكالمات حمايا. خمس مكالمات فائتة. وفي السادسة.. رديت. قال لي إن حازم جيلو نزيف حاد في المعدة وإنه محجوز في المستشفى بين الحياة والموت. ولما سمعت صوت كريمة وهي بتزعق في الخلفية وتقول إني ست بلا قلب، قفلت التليفون في وشها.

المكرونة كانت استوت زيادة عن اللزوم. قعدت على الترابيزة عشان آكل، بس معرفتش أبلع لقمة واحدة. مش خوف على حازم. بس ذكرى الليلة المشؤومة دي رجعت تسيطر عليا بتفاصيلها. صوت القلم. انكسار الكوباية. الصفارة المزعجة في ودني. وكلام حماتي وهي بتقول إني أنا السبب في كل ده.

نزلت المعلقة من إيدي. وفجأة.. تليفوني رن برقم غريب. — "أنا الدكتور من المستشفى المركزي.. الأستاذ حازم كتب رقمك كحالة طارئة للتواصل مع العائلة. هل نقدر نكلمك بخصوص التحديثات؟"

اتصلت بالمستشفى بنفسي على الرقم الرسمي عشان أتأكد إن الرسالة حقيقية ومش مقلب. بعدين أبلغتهم إني طليقته وإني مش مسؤولة قانونياً عنه. وعطيتهم رقم تليفون حمايا عشان يبلغوه. وكنت فاكرة إن القصة خلصت لحد هنا. طلعت غلطانة!

بعد ساعتين اتنين.. لقيت كريمة بتخبط على باب شقتي بعنف. داليا كانت بتذاكر جوه في أوضتها. فتحت الباب من ورا السلسلة: — "يا نجوى! أنا عارفة إنك جوه! افتحي!" — "عايزة إيه يا كريمة؟" — "أخويا بيموت في المستشفى ومحتاج فلوس للعملية والمصاريف!"

غمضت عيني بقوة.. طبعاً.. مكنش متوقع غير كده. — "أنا وحازم مطلقين من زمان.. كلمي أهله أو المستشفى يتصرفوا." — "أبويا معندهوش مليم.. وأمي أعصابها بايظة.. وأنا مش معايا أدفع كل ده لوحدي!" — "آسفة.. بس مش هأدفع مليم واحد."

كريمة خبطت على الباب بإيديها بغضب: — "ما إنتي قبضتي ثمن شقة الزوجية ومعاكي فلوس!"

الكلمة دي فجرت غضبي القديم: — "الفلوس دي حقي بالقانون غصب عنك وعن الكل!" — "أخويا في المستشفى على السرير الأبيض!" — "وعنده أهله وعيلته يقفوا جنبه."

كريمة سكتت ثانية، وبعدين غيرت نبرة صوتها تماماً وبقت مسكينة: — "نجوى.. أرجوكي. أنا عارفة إني كنت قليلة الذوق معاكي زمان، بس دي روح بني آدم."

تم نسخ الرابط