ثمن التحويشة / محمد نور

لمحة نيوز

صوتها لوحده كان كفيل يخليه يقف مكانه مسمّر. عمر ما هيتسحب من بالي شكل وش حازم وهو سامع بنته بتقول الكلمة دي. مكنش باين عليه أي كسوف أو ندم. كان باين عليه قمة الغيظ والقهر. وكأن أكبر ظلم حصل في الليلة دي، هو إن بنته اتجرأت وتعصي أمره قدامه!

خرجنا من البيت من غير ما ناخد معانا حتى هدوم. كل اللي كان معايا شنطة إيدي، الأوراق والورق المهم اللي فيها، وتليفون داليا.

وفي الأسانسير، بنتي انهارت من العياط: — "ماما.. سامحيني." وطيت قدامها ومسحت دموعها: — "أسمحك على إيه يا روحي؟" — "عشان أنا كنت عارفة موضوع الحساب ده من أسبوعين."

حسيت بقشعريرة سرت في جسمي كله: — "كنتي عارفة إيه بالظبط؟"

داليا مسحت دموعها بكم هدومها: — "في يوم بابا جه جابني من المدرسة.. وقالي إن عنده مشكلة في الشغل وإنه محتاج فلوس وإني لو قلتلك إنتي مش هتفهمي. وسألني لو أعرف إنتو شايلين دفتر التوفير أو حساب الطوارئ فين."

الحساب ده مكنش هو حساب مصاريف الدراسة. ده حساب تاني كنا فتحناه من سنين للمصاريف المفاجئة والظروف الصعبة. كنا بنحط فيه مبلغ بسيط كل شهر، خصوصاً بعد تعب حمايا ودخوله المستشفى زمان. كنت فاكرة المبلغ اللي فيه بالمللي.. حوالي ستة وثلاثين ألف جنيه.

— "إيه اللي حصل بعد كده؟" — سألتها وقلبي بيتقبض. — "قلتله مكانه فين.. وكنت فاكرة طالما بابا يبقى عادي ومفيش منه مشكلة."

حضنتها جامد لصدري: — "اسمعيني كويس يا داليا.. إنتي معملتيش غلطة أبداً. المسؤولية كلها كانت على بابا إنه يقول الحقيقة مش إنتي."

بنتي خدت نفس مهتز: — "بعدها قالي إنه سحب الفلوس.. بس حلفني بالمصحف ما أقولكيش أبداً."

حسيت إن بطني بتتقطع من القهر: — "قالك محتاجهم في إيه؟" داليا هزت راسها بأسى: — "عشان يساعد تيتا وخالتو كريمة."

في الليلة دي فهمت كويس.. إن كارت مصاريف الدراسة مكنش المحاولة الأولى لسرقة فلوس بيتنا. ده كان المحاولة الأجرأ وبس!

في المستشفى، الدكتور كشف على رقبتي، وخدودي، وودني. كان فيه التهاب، وكدمة واضحة، ومشاكل في السمع محتاجة متابعة دقيقة مع دكاترة أنف وأذن. الدكتور سألني بهدوء إيه اللي حصل. سكت كذا ثانية. كنت حاسة بكسوف رهيب إني أنطق باللي حصل قدام بنتي. بس داليا كانت قاعدة جنبي ومتبتة في إيدي وبتبصلي بعينيها. وفهمت ساعتها.. إن أي كدبة هكدبها دلوقتي، هتكون درس غلط هعلمهولها.

— "جوزي ضربني" — رديت بصوت ثابت.

الدكتور ساب القلم وبصلي باهتمام: — "إنتي في مكان آمن دلوقتي؟" — "آه." — "معاكي مكان تقعدي فيه؟"

افتكرت أختي الكبيرة، إيمان. كانت عايشة في الناحية التانية من البلد في شقة صغيرة هي وجوزها. بصراحة كنا مقاطعين بعض من فترة عشان زحمة الشغل والمسافات. كلمتها من طرقة المستشفى. ردت من أول رنة: — "ألو يا نجوى؟ خير فيه إيه الساعة دي؟"

حاولت أقولها إني محتاجة أنام عندها الليلة، بس صوتي اتهد واتخنق بالعياط. إيمان مخلتنيش أكمل جملتي: — "إنتي فين؟ اقفلي وأنا جاية آخدكم دلوقتي حالاً."

بعد نص ساعة بالظبط كانت قدامي في المستشفى. أول ما شافت وشي بالمنظر ده، وقفت مكانها مذهولة: — "مين اللي عمل فيكي كده؟"

مردتش. ومكنش فيه داعي للرد أصلاً. إيمان بصت لداليا، وبعدين رجعت بصتلي: — "لموا حاجتكم.. إنتو جايين معايا دلوقتي حالاً."

ودي كانت أول ليلة أنامها من ستاشر سنة من غير جوزي جنبي. نمت نوم قليل قوي. بس أول ما صحيت الصبح ولقيت مفيش حد بيزعقلي عشان كارت فيزا ولا فلوس، حسيت بهدوء وراحة كنت نسيت طعمهم من سنين.

الصبح بدري، نزلت على البنك. حساب الطوارئ كان فيه مية ستة وثمانين جنيه بس! فضلت باصة لشاشة الصراف الآلي ومبرقة. من تلات شهور بس، الحساب ده كان فيه أكتر من ستة وتلاتين ألف جنيه.

طلبت كشف حساب بالحركات الأخيرة. الفلوس طارت في أربع سحوبات نقدية وتحويلة كبيرة تمت في الأيام الأخيرة. أكبر تحويلة، وكانت بعشرين ألف جنيه، راحت لحساب جاري باسم كريمة! والباقي اتسحب كاش.

وحازم باعتباره شريك معايا في الحساب، كان يقدر يسحب براحته من غير توقيعي أو إذني القانوني. بس ده مبيخليش التصرف ده صح أو عدل. ولا يبرر أبداً إنه يجبر بنته تداري عليه وتكدب عليا.

صورت كشف الحساب بالموبايل وطلبت نسخ رسمية مطبوعة. وبعدها بصيت على حساب مصاريف الدراسة. الفلوس كانت لسه في مكانها. على الأقل.. لحد دلوقتي.

رحت فرع تاني عشان أستفسر عن الإجراءات القانونية المتاحة لحماية حساباتي، وغيرت كلمات السر الخاصة بيا، وطلبت استشارة قانونية في أسرع وقت. كنت عارفة إن حازم مش هيسكت لمجرد إني مشيت وسيبت البيت. وفعلاً، كلامي طلع صح.

على الظهر، جالي مسج منه على التليفون: «ماما زعلانة جداً وتعبانة بسببك. ارجعي البيت وخلينا نتفاهم بهدوء لما تهدي»

مسألش حتى ودني عاملة إيه. ولا سأل داليا باتت إزاي ولا كلت إيه.

رديت عليه بكلمتين: «أنا شفت كشف حساب الطوارئ ورقم التحويلات.. عندنا كلام كتير أوي نقوله، بس مش هيكون لوحدنا ولا وجهاً لوجه معاك.»

اتصل عليا بعدها على طول. مردتش. وبعدها نزل عليا دش رسايل، اثنا عشر رسالة ورا بعض: في الأولى بيقول إن كل ده سوء فهم. في التالتة بيعترف إنه بعت فلوس لكريمة بس غصب عنه. في السادسة بيتهمني إني بتلصص على حسابات تخصه زي ما تخصني. في التاسعة بيقول إني بخرّب بيتي وبإيدي بهدم العيلة. وفي الرسالة الأخيرة كتب: «لو رفعتي قضية طلاق.. ما تحلميش أبداً تشوفي داليا تاني قدام عيونك»

والرسالة دي بالذات.. هي الوحيدة اللي خلتني أتنهد بوجع ورعب حقيقي.

بعدها بيومين، رجعت الشقة ومعايا إيمان وجوزها عشان نلم هدومنا وكتبنا وأوراقنا المهمة. حازم كان قاعد لوحده في البيت. عينيه كانت حمرا وذقنه طويلة ومهملة. أول ما شافني، حاول يقرب مني. بس إيمان وقفت قدامه وسدّت الطريق: — "إحنا جايين ناخد حاجتنا وبس.. لا كلمة زايدة ولا ناقصة."

تجاهلها وبصلي أنا: — "يا نجوى.. أرجوكي تعالي نتفاهم." — "انطق سامعاك." — "ماما بتقول إنك ناوية تطلقي بجد؟!" — "بدور على محامي حالاً."

حط إيديه الاثنين على شعره بغيظ: — "هتهدي ستاشر سنة جواز عشان قلم على وشك؟!"

بصيت حواليا في الصالة. البيت كان زي ما هو بالظبط. الخداديات مرصوصة بعناية. الستائر اللي اخترناها سوا. والصور العائلية المعلقة على الحيطة. في واحدة منهم، كنا احنا الثلاثة يوم ما داليا كملت عشر سنين. كنت لابسة بلوزة زرقاء اشتريتها من التخفيضات. وحازم كان مبتسم وحاطط إيده على كتفي. افتكرت إن اليوم ده بالذات، عمل معايا مشكلة كبيرة عشان تورتة عيد الميلاد كانت غالية شوية في نظره!

— "أنا مش بطلب الطلاق عشان قلم يا حازم" — رديت بصوت حاسم — "أنا بطلب الطلاق عشان كل اللي حصل قبله، وعشان اللي عملته بعده كمان."

ملامحه اتغيرت: — "أنا شغال زي الكلاب ليل نهار عشان أصرف على البيت ده!" — "وأنا كمان كنت بشتغل وبعين معاك." — "أنا بقبض أكتر!" — "وده مبيديكش الحق تقرر إن مستقبل بنتنا أقل أهمية من عربية أختك!"

حازم نفخ بغضب: — "إنتي راجعة لنفس الإسطوانة التعبانة!" — "وليه حولت عشرين ألف جنيه من حساب الطوارئ لأختك من ورايا أصلاً؟!" سكت ومردش. — "وفين باقي الفلوس.. الستة وتلاتين ألف راحت فين؟" — "كريمة كان عليها ديون."

الكلمة دي كانت جديدة عليّا تماماً: — "ديون إيه دي كمان؟!" — "كانت واخدة جمعيات وقروض شخصية..." — "ليه ولإيه؟!" — "مشتريات.. وكارتات فيزا.. مش عارف بالظبط."

حسيت بخليط سم قاتل من الغيظ والإرهاق: — "وكنت ناوي أنت وأمك تدفعوا ديونها منين؟ ومنين كمان عايزين تخلونا ندفع مقدم عربيتها الجديدة؟!"

حازم وطى صوته وقال: — "لو مكناش دفعنا الدين ده، أمي كانت هتترمي في الشارع.. كريمة كانت حطاها ضامنة معاها على القرض!"

وفجأة.. فهمت. ليه حماتي دخلت بيتي بكل العزم والافتراء ده. مكنتش خايفة على بنتها لتروح تركب مواصلات عامة. كانت جاية تطفي حريق مالي هم الاثنين خبوه وداروه عني شهور طويلة!

— "وأمك كانت على علم باللي بيحصل ده كله؟!" حازم مردش. بس سكوته كان اعتراف أبلغ من أي كلام. — "إنتو مديونين بكام بالظبط لحد دلوقتي؟" — "دي حاجة ما تخصكيش."

تم نسخ الرابط