ثمن التحويشة / محمد نور

لمحة نيوز

ثمن التحويشة

جوزي ضربني بالقلم عشان رفضت أديه تحويشة عمر بنتنا لأخته. وبعد سنة، أبوه رن عليا من المستشفى…

المرة السادسة اللي تليفوني رن فيها، كنت واقفة أعمل العُشا. كان حماتي.. قصدي حمايا. — "يا نجوى، جوزك في المستشفى. جيلو نزيف في المعدة، والدكاترة بيقولوا إنه لحقوه في آخر لحظة. ولما فوق، مش عمّال ينطق غير باسمك وعايز يشوفك."

وطيت النار وبصيت على المكرونة وهي بتغلي في الحلة. — "مش هادفع مصاريف علاجه، ولا رايحة أشوفه أصلاً."

حصل سكتة تامة الناحية التانية. وبعدها سمعت صوت سلفتي أو أخت جوزي وهي بتزعق: — "يا بابا! أنا مش قلتلك؟! الست دي ملهاش قلب! اخويا كان هيطير فيها وهي لسه برضه فكرالي الحركة الهبلة اللي عملتها دي!"

قفلت في وشهم السكة. كان عدى بالظبط سنة بحالها على «الحركة الهبلة» دي. سنة من يوم ما جوزي مد إيده عليا وضربني بالقلم قدام أمه وأخته. ولحد دلوقتي، لسه ودني الشمال فيها صفارة وبسمع بيها تقيل.

الحكاية بدأت كلها لما كريمة أخت جوزي قررت تجيب عربية جديدة. كان عندها تمانية وعشرين سنة، وشغالة ريسبشنست في مركز تجميل وبتقبض حوالي أربعة آلاف جنيه في الشهر. وقبلها بسنة كنا ساعدناها تدفع مقدم عربية مستعملة، بس باعتها عشان على حد كلامها «مطلعّة عينها ومجنناها». المرة دي بقى كانت عايزة عربية بمبلغ وقدره. وكنت مستنية مننا ندفع تمانين ألف جنيه عشان المقدم.

يومها رجعت من الشغل تعبانة، لقيت حماتي قاعدة على الكنبة بتاعتنا، وكريمة جنبها، وجوزي حازم واقف جنب الشباك بيشرب سيجارة. وعلى الترابيزة.. كان فيه كارت فيزا. عرفته من أول نظرة. ده الحساب اللي كنا حاطين فيه التحويشة بتاعة مصاريف تعليم بنتنا، داليا.

— "كريمة محتاجة العربية" — حماتي نطقت وقالت بكل برود — "وبما إنكم عيلة واحدة، لازم تقفوا جنبها وتساعدوها." — "احنا معندناش تمانين ألف جنيه فريش كده على مبيات" — رديت عليها.

كريمة ضحكت بسخرية: — "بتهزري يا نجوى! دا اخويا لوحده قبض أكتر من خمسين ألف جنيه مكافآت السنة اللي فاتت لوحدها! الفلوس دي كلها راحت فين؟"

حاولت أفهمها إن عندنا قسط شقة، ومصاريف بيت، وغير تعليم داليا ومستقبلها. بس هي رفضت تسمع أساساً. — "إنتي طول عمرك مبذرة وبتصرفي الفلوس على البت دي! هو إحنا بنصرف على دكتورة ولا مهندسة يعني؟!"

حسيت النار طلعت في وشي: — "دي داليا، بنت اخوكِ!" — "وإيه يعني؟! ما هي بكرة تكبر وتتجوز وتروح لبيت جوزها! هانرمي الفلوس دي كلها على الهوا ليه؟!"

بصيت لحازم، وكنت مستنية ينطق كلمة حق ويدافع عن بنته. بس فضل ساكت ولا كأنه سامع.

إحنا كنا متجوزين من ستاشر سنة. وطوال السنين دي كلها، أنا اللي كنت شايلة هم البيت ومدبرة المصاريف بالحرف. كنت بجيب الهدوم في التخفيضات، وأقارن الأسعار في السوبرماركت، وكنت بوفر حتى في صابون ومسحوق الغسيل. الحساب ده كان فيه أكتر من مية ألف جنيه. ومكنتش فلوس زايدة عن حاجتنا. دي كانت شقى عمرنا، ومستقبل داليا.

— "مش هاجي جنب فلوس بنتي خالص" — قلتها بحسم.

كريمة جريت عليّا وحاولت تشد الكارت من إيدي، وضوافرها جرحت دراعي: — "هاتيه بقولك!"

رجعت لورا: — "لو هتمشوا بالطريقة دي، اتفضلوا برة بيتي حالاً!"

وهنا حازم قام وقف بعصبية: — "إنتي بتطردي مين يا ست إنتي؟!" — "أختك لسه حالاً مهزأة بنتي وعايزة تسرق كارت الفيزا بتاعي! هو إنت أعمى مابتشوفش؟!" — "يا عم دي صغيرة، ومبتعنيش الكلام اللي بتقوله!" — "صغيرة إيه دي عندها 28 سنة!"

كريمة ابتسمت بخبث وقالت: — "شفت يا أخويا؟ مراتك هي اللي ممشية كلمتها عليك وعلى بيتك، وإنت مليكش أي رأي هنا خالص."

حازم لف وشّه ناحيتي وبصّلي بغضب: — "هاتي الكارت يا نجوى، بلاش كلام كتير." — "لأ." — "مش هعيد الكلام تاني." — "ولا أنا كمان.. الفلوس دي لداليا وبس."

بلااااخ! طاخ! القلم نزل على وشي خلاني فقدت اتزاني خالص. كتفي خبط في النيش، وكوباية وقعت على الأرض اتقطعت مية حتة. لمدة ثواني.. مكنتش سامعة أي حاجة خالص. وبعدها بدأ صوت صفارة عالي وشارخ يرن في ودني الشمال.

حطيت إيدي على وشي من الصدمة. طوال ستاشر سنة جواز، حازم عمره ما مد إيده عليا ولا فكر يعملها. بصيت لحماتي.. ما اتحركتش من مكانها. بصيت لكريمة.. كانت بتضحك باستهزاء ومخبية ضحكتها بالعافية. وفي الآخر.. بصيت لجوزي. كنت مستنية منه حتى كلمة اعتذار واحدة. لكنه بدل ما يتكلم، شاور بصوابعه على الكارت: — "يلا هاتيها وخلصينا، بطلي قرف وخلينا نخلص بقى بدل ما تفضحينا قدام أهلي."

في اللحظة دي.. فهمت كويس قوي إنه مكنش فاقد أعصابه ولا حاجة. هو ضربني متعمّد عشان يكسرني ويخليني أنفذ أوامره بالغصب.

وطيت، ولميت شنطتي، ومشيت ناحية الباب. بس قبل ما أطلع، سمعت صوت داليا وهي بتقول: — "ماما.. ما تمشيش دلوقتي والنبي."

بنتي كانت واقفة في الطرقة، لابسة مريلة المدرسة وماسكة تليفونها في إيدها. وعينيها كانت مليانة دموع. — "فيه حاجة لازم تعرفيها عن بابا."

حازم وشّه أصفر وبان عليه الرعب: — "يا داليا.. اطلعي على أوضتك حالاً!"

بس هي متحركتش من مكانها. قربت مني، وفتحت الشات في تليفونها، وورتني رسالة كانت لسه واصلاها الصبح بدري: «بابا قال لي لو ماما ما رضتش تديهم الفلوس، هضطر أسيب المدرسة وأقعد في البيت. وكمان طلب مني ما أحكيلكيش عن اللي عمله في الحساب التاني»

رفعت عيني ببطء وبصيت له. — "يا حازم.. حساب إيه التاني ده؟!" ولأول مرة في حياتي أشوف فيها جوزي.. بان عليه الرعب والخوف بجد.

الجزء الثاني

حازم خد وقته على ما رد، وقعد كذا ثانية ساكت: — "أنا مش فاهم إنتي بتقولي إيه." بس مكنش بيبصلي أصلاً. كان عينه على تليفون داليا. بنتي كانت ماسكة التليفون بإيدها الاثنين، وضغطة عليه لدرجة إن عقل صوابعها بقى أبيض من كتر الشد.

— "يا بابا، إنت اللي قلتلي ما أحكيش لماما" — قالت بصوت واطي ومتردد — "قلتلي إن ماما هتتعب لو عرفت موضوع الفلوس ده." — "أنا قلت اطلعي على أوضتك حالاً!"

داليا اتفزعت من نبرته. وقفت قدامها فوراً وحميتها بجسمي: — "إياك تعلي صوتك عليها تاني."

حازم جز على سنانه بغيظ: — "يا نجوى، إنتي عاملة زوبعة في فنجان عشان خناقة عادية بين عيلة."

خناقة عادية بين عيلة.. ده الاسم اللي كان مسميه لكونه مد إيده عليّا وضربني بالقلم قدام بنتنا!

حماتي تدخلت من مكانها على الكنبة وقالت بكل برود: — "خلاص بقى، كفاية دراما.. الكل أعصابه تعبانة. حازم غلط، بس إنتي كمان دماغك ناشفة وأوفر. لو كنتي اديتيها الكارت من الأول، مكنش كل ده حصل."

بصيتلها وأنا مش مصدقة اللي ودني سامعاه: — "هو إنتي شايفة إنه ضربني عشان أنا الغلطانة؟!" — "ماتحرفيش كلامي.. أنا بقول إن الست العاقلة هي اللي بتعرف إمتى تسكت وماتجادلش جوزها."

كريمة كتفت إيديها وقالت بتكبر: — "بعدين.. مكنش القلم اللي هيوديه في داهية يعني!"

حطيت إيدي على ودني الشمال. الصفارة لسه موجودة وبترن. وقتها مكنتش أعرف إنها هتفضل مرافقاني شهور طويلة قدام.

مسكت إيد داليا وقلت لها: — "يلا يا حبيبتي."

حازم وقف قدام الباب وسد السكة: — "على فين إن شاء الله؟!" — "على المستشفى.. وبعدها، لأي مكان أنا وبنتي نعرف ننام فيه من غير خوف." — "ما ده بيتي أنا كمان!" — "وعشان كده.. سيبتهولك، اقعد فيه لوحدك."

حاول يشدني من دراعي بالعافية. فداليا صرخت وقالت: — "إياك تلمس ماما تاني!"

تم نسخ الرابط