سافرت وسبت ابني
فخمة، لكن عشان دي كانت أول مرة من ساعة ما رجعت أحس إن حد فكر في راحتي فعلًا.
قلتله
ربنا يهديك يا ابني. أنا عمري ما كنت عايزة منك غير إنك تفتكر إن أمك ليها حق تعيش بكرامة.
انتقلت للشقة، وبدأت أرتبها بنفسي.
حطيت صورة كمال على الرف، وحطيت إزازة زيت الزيتون اللي طنط تريزا ادتهالي جنبها، وزرعت شوية ريحان ونعناع في البلكونة.
وأول يوم قعدت فيه لوحدي، عملت لنفسي كوباية شاي، ووقفت أبص للشمس وهي داخلة من الشباك.
حسيت براحة غريبة، رغم إن الشقة صغيرة وكل حاجة فيها بسيطة.
على الأقل، كان عندي باب أقفله لما أحب أرتاح، ومكان أقدر أعيش فيه من غير ما أحس إني عبء على حد.
أحمد بدأ يزورني بانتظام، وكان بيجيب معاه الأولاد. ملك ويوسف وعمر بقوا يقعدوا معايا، ونضحك ونحكي، وأحيانًا أعملهم الأكل اللي بيحبوه.
لكن علاقتي بأحمد اتغيرت.
فضلت أحبه، لأنه ابني، لكن مبقتش أبعته فلوس زي الأول، ولا أتنازل عن راحتي عشان أرضيه.
وبعد فترة، لما الأوراق اتراجعت واتضح الموقف القانوني، اتفقنا إن أي تسوية تخص الشقة الأصلية لازم تتم بشكل رسمي يحفظ الحقوق، من غير وعود شفوية جديدة.
أما رنا، فمع الوقت بدأت تهدى، وبقت تزورني هي كمان، لكني خليت علاقتنا في حدود الاحترام، من غير ما أسمح لأي حد يرجع يحملني مسؤوليات فوق طاقتي.
وفي يوم، أحمد جه لوحده وقعد معايا في البلكونة.
قاللي
فاكرة يا ماما لما كنتِ بتقوليلي إنك خايفة عليا من الدلع، وإنك عايزاني أتعلم المسؤولية؟
ضحكت وقلتله
أيوه، فاكر طبعًا.
نزل عينه وقال
أنا كنت فاكر إنك هتفضلي موجودة في حياتي مهما عملت، وإنك هتسامحيني على أي حاجة عشان إنتِ أمي. مكنتش فاهم إنك ممكن تتعبي وتحتاجي حد يسندك زي ما كنتِ بتسنديني طول عمري.
مسكت إيده وقلتله
يا أحمد، الأم ممكن تسامح ابنها، لكن ده مش معناه إنها متوجعش. وأنا سامحتك عشان إنت ابني، لكن لازم تتعلم إن حبنا لبعض مش معناه إن حد فينا يلغي نفسه عشان التاني.
فضل ساكت شوية، وبعدها حضني وقال
حقك عليا يا أمي.
حضنته، وحسيت إن جزء من الوجع اللي جوايا بدأ يخف، لكني كنت عارفة إن الثقة محتاجة وقت عشان ترجع.
وبعد شهور، فهمت درس عمري ما هنساه
أنا مش ندمانة إني سافرت عشان ابني، ولا ندمانة إني ساعدته ووقفت جنبه، ولا ندمانة على الفلوس اللي صرفتها على أحفادي.
لكن ندمت إني نسيت نفسي كل السنين دي، وافتكرت إن التضحية معناها إني أتنازل عن حقي في الراحة والأمان.
الغربة علمتني إزاي أشتغل وأتحمل، لكن الرجوع لمصر علمني إن الإنسان لازم يعرف يحافظ على كرامته، حتى وسط أقرب الناس ليه.
ومن يومها، بقيت أقول لكل أم بتضحي بعمرها عشان أولادها
ساعدي ولادك من قلبك، وكوني سند ليهم، لكن متنسيش نفسك، ومتتنازليش عن حقك في الأمان والكرامة.
لأن الأم مش مجرد مصدر فلوس، ولا حد موجود عشان يخدم الكل.
الأم إنسانة ليها قلب، وليها عمر، وليها أحلام، ومن حقها تعيش اللي باقي من حياتها في راحة وطمأنينة.
النهاية.