سافرت وسبت ابني

لمحة نيوز

قد إيه يا ماما؟
بصيتله وأنا مش مصدقة اللي بسمعه.
إزاي يعني؟ أنا راجعة أستقر، مش اتفقنا على كده؟
بص لرنا، ورنا بصتله، وأنا قررت وقتها إني ماستعجلش في الحكم عليهم.
قلتله
بكرة بقى تديني مفتاح شقتي، أروح أشوفها وأبدأ أرتب حاجتي فيها. نفسي أستقر وأرتاح شوية.
في اللحظة دي، وش أحمد اتغير تمامًا.
اتنحنح وقال
بصي يا ماما، الموضوع محصلش بالظبط زي ما إنتِ فاهمة.
حسيت إن قلبي بدأ يدق بسرعة.
سألته
يعني إيه؟
رد وهو بيتجنب عيني
أصل ملك بنتي ساكنة في الشقة دلوقتي هي وجوزها نوح. هما اتجوزوا في أغسطس، وإحنا قررنا نخلي الشقة هدية جواز ليهم مني ومن رنا.
وقتها حسيت إن الدم اتسحب من جسمي.
فضلت باصة له، مش قادرة أستوعب الكلام.
الشقة اللي أنا تعبت عشرين سنة عشان أجهزها، والفلوس اللي اتحرمت فيها من أبسط حقوقي، راحت هدية جواز لحفيدتي، من غير ما حد حتى يرجعلي أو يسألني!
حاولت أتماسك وسألته
طب وأنا يا أحمد؟ هعيش فين؟
رد بمنتهى البساطة
هتعيشي معانا يا ماما، مؤقتًا، لحد ما نشوف هنعمل إيه.
وبعدها أشار ناحية السلم وقال
إحنا مجهزين لك أوضة فوق في السطح.
طلعت وراه وأنا مش قادرة أصدق.
الأوضة اللي بيتكلم عنها كانت مليانة كراتين وحاجات قديمة، وفي ركن منها كنبة بتتفتح وتتحول لسرير، وجنبها ترابيزة مكواة، وعجلة أطفال مكسورة.
ده كان المكان اللي ابني شايف إنه مناسب لأمه اللي قضت عشرين سنة من عمرها في الغربة عشان توفر له حياة كريمة!
حطيت صورة كمال على الترابيزة الصغيرة جنب الكنبة، وحطيت إزازة زيت الزيتون اللي طنط تريزا ادتهالي جنب الصورة.
بصيت للصورة ودموعي نزلت من غير ما أحس.
همست لجوزي
يا كمال، لو كنت عايش، كنت هترضى إن ده يكون مكاني؟
لكن للأسف، مكنش فيه حد يرد عليا.
في البداية، حاولوا كلهم يتعاملوا معايا بأدب، لكن الأيام كشفتلي حقيقة مكنتش متخيلاها.
بقيت أصحى كل يوم الساعة ستة الصبح، أحضر الفطار، وأغسل المواعين، وأنضف البيت، وأشغل الغسالة، وأطبخ الغدا، وأكوي هدوم الولاد، وأساعد يوسف في واجباته المدرسية.
كنت بعمل كل ده وأنا بقول لنفسي إن دي عيلتي، وإن وجودي وسطهم لازم يكون له معنى.
لكن في يوم، وأنا نازلة أجيب حاجة من المطبخ، سمعت رنا بتتكلم مع واحدة صاحبتها.
كانت بتقولها
بصي، وجود طنط نوال هنا مريحنا جدًا. بقت تقعد مع العيال وتلحقهم، وإحنا نعرف نتحرك ونخلص مصالحنا. وأحمد قال إنه هيتصرف في موضوع الشقة بعدين.
وقفت مكاني، وحسيت إن رجلي مش شيلاني.
أنا اللي سافرت وشقيت، واشتغلت عند ناس غريبة، وحرمت نفسي من كل حاجة عشان ابني وأولاده يعيشوا مرتاحين، بقيت في نظرهم مجرد واحدة تساعد في شغل البيت وتربي العيال!
رجعت أوضتي من غير ما أحسسهم إني سمعت حاجة.
وقعدت على الكنبة أبص لصورة كمال.
عشرين سنة كنت بنضف بيوت ناس غريبة مقابل مرتب، لكن على الأقل كنت باخد حقي في الآخر.
إنما دلوقتي، أنا بشتغل في بيت ابني من غير مقابل، وفوق كل ده حاسة إني ضيفة تقيلة على الناس اللي ضحيت بعمري كله عشانهم.
وفي المساء، لقيت أحمد واقف في الجنينة بيدخن.
نزلتله ووقفت جنبه.
قلتله بهدوء
يا أحمد، أنا عايزة شقتي.
اتنهد بضيق وقال
يا ماما، مش هنفتح الموضوع ده تاني!
بصيتله وقلت
ليه يا ابني؟ أنا طلبت منك حاجة مش من حقي؟ أنا ربيتك، وصرفت على تعليمك، وبعتلك فلوسي عشرين سنة، ووقفت جنبك لحد ما بنيت بيتك، وساعدتك في مصاريف ولادك من يوم ما اتولدوا. أنا عملت كل اللي تقدر أم تعمله لابنها.
لف وشه الناحية التانية وقال
يعني إنتِ عايزاني أعمل إيه دلوقتي؟
رديت عليه وأنا بحاول أسيطر على رعشة صوتي
عايزاك تفتكر إن ليك أم تعبت وشقيت عشانك، وإن من حقي أعيش آخر عمري بكرامة، في مكان يخصني، بدل ما أفضل حاسة إني عبء على حد.
سكت شوية، وبعدين قلتله
من النهارده، أنا مش هبعتلك فلوس تاني. ولا جنيه واحد. لو عايز تساعد مراتك وولادك، ساعدهم من فلوسك إنت، مش من فلوسي أنا.
فضل واقف ساكت، وباصص للسور اللي قدامه، كأنه بيفكر في كلامي لأول مرة.
وبعد لحظات، رمى السيجارة على العشب المبلول وقال
حاضر يا ماما، هفكر في الموضوع.
وسابني واقفة ومشي.
أما أنا، فرجعت أوضتي، قفلت الباب، وقعدت جنب صورة كمال.
لأول مرة من عشرين سنة، حسيت إن لازم أفكر في نفسي أنا كمان، وإن التضحية مهما كانت كبيرة، مش معناها إن الإنسان يتنازل عن كرامته.
فضلت طول الليل قاعدة على الكنبة اللي فوق السطوح، مش قادرة أنام، وكل شوية أبص لصورة جوزي كمال وأفتكر السنين اللي فاتت.
كنت فاكرة إن أصعب حاجة في حياتي هي الغربة، وإن لما أرجع مصر هرتاح وأعيش وسط ابني وأحفادي، لكن اكتشفت إن الغربة مش شرط تكون في بلد بعيدة، ساعات الواحد بيكون وسط أهله وبرضه حاسس إنه غريب.
تاني يوم الصبح، صحيت على صوت رنا وهي بتنادي عليا من تحت.
يا طنط نوال، الفطار جاهز ولا لسه؟ أصل أحمد مستعجل وعنده شغل.
بصيت للساعة، كانت لسه ستة ونص الصبح. قمت غسلت وشي ونزلت المطبخ، لكن المرة دي مروحتش أجهز الفطار.
دخلت الصالة، لقيت أحمد قاعد بيقلب في موبايله، ورنا واقفة قدام المراية بتظبط شعرها.
قلت بهدوء
صباح الخير يا ولاد.
ردوا عليا من غير ما يرفعوا عينيهم.
سحبت كرسي وقعدت معاهم.
أحمد استغرب وقال
إنتِ مش هتعمليلنا الفطار يا ماما؟
بصيتله وقلت
لأ يا حبيبي، أنا هعمل لنفسي شاي وعيش وجبنة، وكل واحد يقدر يجهز فطاره بنفسه.
رنا بصتلي باستنكار
إيه يا طنط نوال؟ هو إحنا زعلناكي في حاجة؟
رديت عليها
لأ يا بنتي، بس أنا تعبت، وعايزة أرتاح شوية. مش معقول أفضل طول عمري بخدم الكل وأنسى نفسي.
أحمد قفل الموبايل وبصلي بحدة
يعني إيه الكلام ده يا ماما؟ هو إحنا بقينا غرب عنك؟
قلتله
أنا اللي حاسة إني غريبة يا أحمد، ومش عايزة أتكلم كتير. أنا عايزة حقي وبس.
قمت ودخلت المطبخ، وعملت لنفسي فطار بسيط، وقعدت آكل لوحدي.
مكنتش عايزة أعمل مشاكل، لكن كنت عارفة إن لو رجعت أتنازل زي كل مرة، محدش هيفكر في حقي أبدًا.
بعد الضهر، أحمد رجع من شغله، ودخل أوضتي وهو متعصب.
قال
يا ماما، إنتِ كده بتحرجينا قدام نفسنا وقدام الناس! رنا بتقول إنك بقيتي مش بتساعدي في البيت، وإنك متغيرة من ساعة ما رجعتي.
بصيتله وقلت
وأنا يا أحمد، مين سألني أنا حاسة بإيه؟ مين سألني إذا كنت مرتاحة في الأوضة اللي فوق السطوح؟ مين افتكر إني ست عندي ستين سنة، وضهري بيوجعني، ومحتاجة أرتاح بدل ما أفضل طول اليوم في المطبخ والغسيل؟
سكت شوية، وبعدها قال
طب ما إنتِ عايشة وسطنا وأكلِك وشربِك علينا!
الكلمة دي كانت زي السكينة في قلبي.
بصيتله وقلت
أكلي وشربي عليا يا أحمد، وأنا اللي كنت ببعتلك فلوسي طول السنين اللي فاتت. إنت فاكر إن الفلوس اللي كنت بتصرفها على بيتك كانت بتطلع منين؟ أنا كنت بحرم نفسي من كل حاجة عشان إنت وولادك تعيشوا كويس.
رد بعصبية
يعني إنتِ عايزة تحاسبيني على كل جنيه صرفتيه عليا؟
قلتله
لأ، أنا مش
تم نسخ الرابط