سافرت وسبت ابني
اشتغلت بره مصر عشرين سنة كاملة، والغربة أكلت من عمري وصحتي، وكل ده عشان ابني يعيش حياة مستقرة ومحتاجش لحد. لكن لما رجعت أخيرًا بعد السنين دي كلها، كانت مكافأتي كنبة سرير بتتفتح وتتقفل فوق السطوح، وكلمتين من ابني وجعوني أكتر من تعب الغربة كله
مؤقتًا يا أمي، لحد ما نشوف هنعمل إيه.
تلات ليالي ورا بعض، كنت بفتح الشنطة وأرتب حاجتي، وبعدها أرجع أطلعها تاني وأرتبها من جديد، كأني مش قادرة أصدق إني فعلًا راجعة.
مكنش معايا حاجات كتير من إسبانيا. شوية بلوفرات تقيلة، وشبشب مريح، وعلبة قديمة فيها رسومات عيالي كانوا باعتينهالي من سنين، لما كانوا لسه صغيرين.
كل ما أحط حاجة في الشنطة، كنت أقف جنب السرير وأبص على البحر من الشباك.
عشرين سنة وأنا بشوف البحر كل يوم. كان جميل، وكنت بحبه، لكن مهما طالت السنين، عمره ما بقى بيتي.
قبل ما أمشي، طنط تريزا، الست الإسبانية اللي اشتغلت عندها سنين طويلة، حطتلي إزازة زيت زيتون من شجر الزيتون اللي في جنينتها وسط حاجتي.
قالتلي بحزن
يا نوال، هتيجي تزورينا تاني، مش كده؟
ابتسمتلها وقلتلها
أنا راجعة بيتي يا طنط تريزا، وراجعة المرة دي عشان أستقر ومارجعش تاني.
بصتلي وقالت
بس الجو عندكم هيكون برد أوي.
قلتلها وأنا بحاول أخبي دموعي
على الأقل البرد هناك هيكون برد بلدي، مش برد الغربة.
حضنتني جامد، كأني واحدة من أهلها، وأنا وقتها كنت متخيلة إن عيلتي هتستقبلني بنفس الحب والدفا.
لكن للأسف، كنت غلطانة.
جوزي كمال مات وأنا عندي أربعة وأربعين سنة.
كان راجل طيب وحنين، شغال رئيس عمال في مصنع، وإيده تتلف في حرير. أي حاجة في البيت كانت بتبوظ، كان يعرف يصلحها بنفسه.
وكل يوم جمعة، كان لازم يرجع من الشغل ومعاه علبة جاتوه، مش عشان عندنا مناسبة، لكن لمجرد إنه كان بيحب يشوف الفرحة في عيوننا.
ابننا الوحيد، أحمد، كبر وهو شايف أبوه بيعمل كل حاجة عشان يسعدنا.
كنت ساعات أقوله
يا كمال، إنت كده هتعود الواد على الدلع، ومش هيتحمل مسؤولية لما يكبر.
كان يضحك ويرد عليا
طول ما أنا عايش، ابني مش هخليه يحتاج لحاجة.
لكن القدر كان له رأي تاني.
في يوم، كان كمال بيصلح عربيته في الجراج، وفجأة قلبه وقف. مات قبل ما يكمل واحد وخمسين سنة.
ومن يومها، وأنا حاسة إن البيت كله اتغير. بقيت ألف في الأوض كأني عايشة في حلم وحش ومش قادرة أفوق منه.
كنت ساعات أحط كوبين شاي على الترابيزة من غير ما آخد بالي، وأفضل مستنية كمال يدخل من الباب، ولما أسمع صوت المفتاح، قلبي يدق بسرعة، قبل ما أفتكر إنه خلاص مش هيرجع.
الفلوس اللي سابها كمال خلصت واحدة واحدة، وأنا مكنتش بعرف أوفر، ولا كنت متعودة أحسب كل جنيه.
وأحمد كان لسه بيكمل دراسته في الجامعة، ومكنش ينفع أسيبه يضيع مستقبله بعد موت أبوه.
في الوقت ده، صاحبتي القديمة سعاد، اللي كانت زميلتي في المدرسة، هي اللي فتحت قدامي باب جديد.
قالتلي
إيه رأيك تسافري معايا إسبانيا يا نوال؟ تشتغلي كام سنة، وتلمي قرشين، وتخرجي نفسك من جو الحزن اللي إنتِ عايشة فيه.
بصيتلها بقلق وقلتلها
وأسِيب أحمد لمين؟ ده لسه صغير ومحتاجني.
ردت عليا
أحمد عنده أربعة وعشرين سنة يا حبيبتي، بقى راجل كبير، ومش هينفع تفضلي واقفة مكانك طول عمرك. سافري، وابني مستقبله، وربنا يعوض عليكي.
وفعلًا، بعد تفكير طويل، سافرت.
بدأت شغلي في تنظيف ورعاية بيت كبير على البحر في إسبانيا.
سنة ورا سنة، السنين جريت، وبقيت أنا المسؤولة عن البيت كله. كنت بنضف وأرتب وأطبخ، ولما جوز طنط تريزا تعب، ساعدتها في رعايته لحد ما حالته ساءت.
اتعلمت اللغة الإسبانية واحدة واحدة، واتعودت على الناس وطريقتهم في الكلام، وبطلت أعيط كل ليلة قبل ما أنام.
لكن مهما اتعودت على الغربة، قلبي عمره ما ساب مصر.
علاقتي بأحمد بقت أغلبها من خلال مكالمات التليفون.
عرفت إنه اتجوز واحدة اسمها رنا، وبعد كده بقيت أشوف حفيدتي ملك على شاشة الموبايل، وأتابع حفيدي يوسف وهو بيبدأ المدرسة، وبعد سنين سمعت خبر ولادة حفيدي الصغير عمر.
كنت بحس إني معاهم، رغم إني في الحقيقة بعيدة عنهم آلاف الكيلومترات.
أحمد باع الشقة اللي كنت أنا وأبوه عايشين فيها، وبنى بيت كبير وواسع في أطراف البلد.
وأنا كنت ببعتله تقريبًا مرتبي كله.
مرة عشان مصاريف علاج أسنان ملك، ومرة عشان يوسف اللي كان بيتمرن سباحة، ومرة عشان رنا اللي كانت بتربي العيال وبتحاول تلاقي شغل مناسب بين مسؤوليات البيت.
كنت بحتفظ لنفسي بمبلغ بسيط للمواصلات، وفاتورة التليفون، والأدوية اللي بقيت محتاجاها مع الوقت.
ولما وصلت لسن الستين، ضهري بدأ يوجعني بطريقة صعبة، وبقيت مش قادرة أشتغل زي الأول.
في يوم، مسكت التليفون واتصلت بأحمد.
قلتله بصوت تعبان
يا حبيبي، أنا نفسي أرجع مصر. تعبت من الغربة، ومبقتش قادرة أشتغل زي زمان. نفسي أقضي اللي باقي من عمري وسط عيلتي وأشوف أحفادي قدامي بدل ما أشوفهم على شاشة الموبايل.
رد عليا بسرعة
ترجعي يا ماما، طبعًا ترجعي! ده بيتك ومكانك وسطنا.
فرحت من قلبي، وحسيت إن السنين اللي ضحيت بيها أخيرًا هيبقى ليها مقابل.
لكن أحمد كمل كلامه وقال
بصي يا ماما، ابعتيلي الفلوس اللي معاكي لمدة تلات سنين كمان، وأنا هتصرف وأجهزلك شقة صغيرة أوضة وصالة، تكون قريبة من جنينة، وتعيشي فيها براحتك.
وافقت من غير تردد.
ما أنا طول عمري بشتغل عشان مستقبله، وكنت شايفة إن الشقة دي هتبقى أخيرًا المكان اللي أعيش فيه بكرامتي وراحتي.
وبعد فترة، بعتلي صور لشقة حلوة، حيطانها لونها فاتح، وفيها بلكونة صغيرة، ومن الشباك باين مجرى مية واسع.
فضلت أتخيل نفسي وأنا قاعدة في البلكونة، حاطة شوية زرع على السور، وبشرب الشاي الصبح في هدوء.
لكن كان فيه تفصيلة واحدة مكنتش واخدة بالي منها.
الشقة كانت متسجلة باسم أحمد، مش باسمي أنا!
لما سألته عن السبب، رد بمنتهى الهدوء
يا ماما، الموضوع أبسط كده. إنتِ لسه في إسبانيا، ولو سجلناها باسمك هنتعب في التوكيلات والشهر العقاري والإجراءات. خلّيها باسمي دلوقتي، وبعد ما ترجعي نبقى نشوف.
صدّقته.
ده ابني، والوحيد اللي فاضل لي من ريحة أبوه. عمري ما تخيلت إن ممكن ييجي يوم وأشك في كلامه.
وبعد شهور، ركبت الأتوبيس في رحلة طويلة استمرت تقريبًا تلات أيام، لحد ما وصلت مصر.
كنت سايبة إسبانيا وهي لسه دافية، لكن بلدي استقبلتني بمطر شديد وهوا ساقع، والشوارع مليانة ورق شجر مبلول.
ومع ذلك، كنت فرحانة.
كنت شايلة شنطة فيها هدايا لكل واحد فيهم. جبت لرنا إيشارب أنيق كنت موفرة تمنه من مرتبي، وجبت لأحمد ساعة غالية نسبيًا، كنت بجمع تمنها على مدار ست شهور تقريبًا.
كنت عايزة أعوضهم عن كل عيد غبت عنهم فيه، وكل مناسبة معرفتش أكون معاهم.
وصلت بيت أحمد، وخبطت على الباب.
رنا فتحتلي، وأول ما شافتني، ملامح وشها اتغيرت.
قالت باستغراب
طنط نوال! إنتِ جيتي إمتى؟ ليه ماقولتيش إنك جاية؟
قبل ما أرد عليها، أحمد ظهر من وراها.
بصلي بذهول وقال
ماما؟!
ابتسمت وقلتله
أيوه يا حبيبي، رجعتلكم أخيرًا.
حضني حضن سريع، وبعدها سألني سؤال خلاني أحس إن في حاجة مش طبيعية.
قال
إنتِ جاية تقعدي