ماټ على الورق - محمد نور

لمحة نيوز

كل اللي حسيت بيه كان الحزن. عمري ما تخيلت إني هشوف ابني واقف قدام قاضٍ بيتحاسب على جريمة بالشكل ده. أنا اللي صورت له يوم تعميده، وحفل تخرجه، وفرحه الأول.. والنهارده بقيت شايفه وهو بيتلقى حكم قضائي. بعد انتهاء الجلسة، أحمد لف وبص ناحيتي. المرة دي ماحاولش يبتسم ولا يمثل إن كل حاجة بخير، يمكن كانت أول مرة من سنين يبطل فيها التظاهر.
بعد شهور، وصلتني منه رسالة من السجن. فتحتها وأنا قاعد على نفس الترابيزة اللي كنت بفطر عليها أنا وفاطمة كل يوم. كان خطه زي ما أنا فاكره، من أيام ما كان في المدرسة. كتب
يا بابا، أنا مش بكتبلك عشان أطلب فلوس، ولا عشان أقنعك تتنازل عن أي حاجة. أنا بدأت أتعالج من مشكلة المراهنات، ولأول مرة اضطريت أواجه نفسي وأحكي الحقيقة من غير ما ألوم أي حد تاني. طول السنين اللي فاتت، كنت فاكر إن فيه مخرج دايماً. لما كنت بخسر فلوس، أمي كانت بتساعدني، ولما كنت بكذب، إنت في الآخر كنت بتسامحني. خلطت بين حبكم ليا وبين فكرة إن عمري ما هتحاسب على أي غلطة. دلوقتي بدأت أفهم أنا عملت إيه. مش عارف إذا كنت هتقدر تشوفني يوم من الأيام باعتباري ابنك زي الأول، لكن عايزك تعرف إني لسه محتفظ بالصورة اللي أمي شايلاني فيها وأنا مولود. كل ليلة ببص عليها وبفكر في قد إيه حبيتوني قبل ما أتعلم أكذب عليكم. سامحني يا بابا. أحمد
قريت الرسالة خمس مرات. كنت بدور بين السطور على أعذار، أو محاولة للتلاعب بمشاعري، أو وعود كبيرة عشان يرجع يكسب ثقتي.. ما لقيتش حاجة واضحة من دي. لكن في نفس الوقت، ماكنتش عارف إذا كنت أقدر أصدقه، أحمد طول عمره كان بيعرف يقول الكلام اللي أنا محتاج أسمعه.
قررت أرد عليه. ماوعدتوش إني هسامحه، وما بعتلوش فلوس. كتبتله إني بتمنى يستفيد من العلاج، وإنه يقدر في يوم من الأيام يبني حياة مختلفة. ومن وقتها بقينا نتبادل جواب كل شهر. أحياناً ببعتله صور قديمة؛ صورة من عيد ميلاده الأول، وصورة لفاطمة وهي بتعلمه يمشي، وصورة من آخر عيد ميلاد قضيناه كلنا مع بعض. مش ببعتها عشان أعذبه، لكن عشان يفهم إن عيلتنا كان فيها وقت حقيقي مليان حب وسعادة، وإنه هو اللي اختار يضيّع ده كله.
الجزء الخامس رجعت للحياة.. لكن مش زي الأول
بعد اللي حصل، أخدت قرار مهم بخصوص فلوسي. استشرت محامي، وعدّلت كل أوراقي القانونية، وشلت اسم أحمد من قائمة المستفيدين من الاستثمار. وقررت أخصص جزء كبير من فلوسي لمؤسسة بتساعد مرضى السرطان، على روح فاطمة، وجزء تاني لبرامج دعم الأسر اللي بتعاني بسبب إدمان القمار والمراهنات. لما أحمد عرف بقراري، رد عليّا في جواب قصير أنا فاهم يا بابا. الفلوس دي ماكانش من حقي أعتبرها ملكي في أي وقت. حبيت أصدّق إن كلامه المرة دي نابع من قلبه.
مع مرور الوقت، كل مشاكلي القانونية اتحلت، وبياناتي رجعت سليمة في السجلات. وفي اليوم اللي استلمت فيه بطاقتي الشخصية الجديدة، الموظفة ابتسمت وهي بتديهالي وقالت كده تمام يا عم منير، كل بيانات حضرتك بقت سليمة. بصيت لصورتي على البطاقة؛ راجل عنده 74 سنة، شعره أبيض، ووشه مليان تجاعيد، وعينيه باين فيهم التعب.. لكنني كنت عايش.
رجعت البيت، ولقيت مفاجأة مستنياني. جارتي، أم لؤي، كانت منظمة قعدة صغيرة مع شوية جيران، وفي نص الترابيزة كانت فيه تورتة عليها شمعة واحدة. أول ما دخلت، قالتلي بما إنك رجعت للحياة رسمي، يبقى لازم نحتفل بعيد ميلادك التاني! كلهم بدأوا يغنوا، وأنا حاولت أضحك، لكن لقيت نفسي بعيط. بعد ما خسرت فاطمة واتخدعت في ابني، كنت فاكر إني بقيت لوحدي تماماً، لكن الناس دي أثبتتلي إن لسه فيه قلوب طيبة ممكن تقف جنبك من غير ما تستنى منك أي مقابل. الليلة دي صورتهم كلهم وهما متجمعين حوالين الترابيزة. طبعت الصورة وعلقتها على الحيطة، جنب أحسن الصور اللي صورتها خلال أربعين سنة من شغلي.
لكن فيه صورة واحدة ماعلقتهاش أبداً؛ الصورة اللي التقطتها قدام قاعة الفرح. أحمد كان واقف فيها ووشه متجمّد من الصدمة، وهو بيبص للكاميرا بعد ما اكتشف إن أبوه اللي أعلن موته لسه عايش، ونادية واقفة جنبه وشها شاحب، وفي الخلفية كان فيه ضيوف لسه بيبتسموا للكاميرات، لأنهم ماكانوش فاهمين إيه اللي بيحصل. احتفظت بالصورة في درج مكتبي، أوقات بطلعها وأبص عليها. طول عمري كنت فاكر إن شغل المصور الناجح هو إنه يلقط أسعد لحظة في حياة الناس، لكن اكتشفت إن الصورة ممكن تكشف حقيقة صاحبها بيحاول يخبيها عن العالم كله.
فكرت كتير في موضوع التسامح. فيه ناس قالولي لازم أنسى اللي حصل، لأن أحمد ابني الوحيد، وإن الأب المفروض يسامح ابنه مهما عمل. وفيه ناس تانية قالولي إن عمري ما ينفع أكلمه تاني. لكن الحقيقة إني لسه مش عارف مستقبل علاقتنا هيكون عامل إزاي. أنا لسه بحبه، الحاجة دي ما اتغيرتش، لكن اتعلمت إن حب الأب مش معناه إنه يسلّم بيته وفلوسه وأمانه لشخص أثبت إنه ممكن يدمّرهم. التسامح مش معناه إننا نسمح للي أذانا إنه يكرر الأذى مرة تانية، ووضع الحدود مش معناه إن الحب انتهى.
من كام يوم، لقيت صورة قديمة كانت فاطمة مصوراها لأحمد وهو عنده عشر سنين. كان قاعد على كتافي في رحلة عائلية، وإحنا الاتنين بنضحك. فاطمة كانت قاطعة جزء من راسي في الصورة، لأنها عمرها ما كانت شاطرة في التصوير، ومع ذلك، فضلت الصورة دي واحدة من أحب الصور لقلبي. حطيتها على مكتبي وفضلت أتأملها. يا ريت كان بإمكاني أرجع للطفل اللي في الصورة وأتكلم معاه؛ أقوله إني بحبه، وأحذّره من إن الكذب والقمار ممكن يدمّروا أقوى الروابط بين الناس، وأفهمه إن مفيش فلوس في الدنيا تساوي ثقة الأب والأم اللي ضحّوا بكل حاجة عشان ابنهم. لكن الزمن ما بيرجعش، كل اللي أقدر أعمله هو إني أقرر هعيش إزاي السنين اللي لسه فاضلة من عمري.
الشهر الجاي هكمل 75 سنة. ناوي أحتفل مع جيراني، وأزور قبر فاطمة، ويمكن أرجع أصوّر فرح جديد لو صحتي ساعدتني. لسه عندي كاميرتي، ولسه عندي فلوسي، والأهم من كل ده، لسه عندي حياتي. ابني حاول يحوّلني لميت عشان يستولى على فلوسي، لكنه فشل. والتجربة دي علمتني درس ماكنتش أتخيل إني هتعلمه في السن ده أوقات أقسى خيانة مش بتيجي من عدو، لكنها بتيجي من الشخص اللي كنا مستعدين نضحّي بحياتنا عشانه. ولما ده بيحصل، استمرارنا في حبه مش معناه إننا نتنازل عن كرامتنا. الأب ممكن يسامح حاجات كتير، لكن مفيش ابن من حقه يفتكر إن حب أبوه تصريح مفتوح لتدمير حياته، لأن الحب الحقيقي مش معناه إننا نسمح للي بنحبهم يكسرونا، لكنه معناه إننا نتمنى لهم الهداية، حتى لو اضطرينا نبعد عنهم عشان نحمي نفسنا.
تمت

تم نسخ الرابط