ماټ على الورق - محمد نور
المحتويات
ابنك ونادية بيجهزوا للسفر بره مصر. سألتها بسرعة إمتى؟ الجمعة الجاية. المبلغ المفروض يتصرف يوم الخميس، وبعدها بيوم كانوا ناويين يسافروا. حسيت بالغثيان. افتكرت مكالمة أحمد الأخيرة، لما سألني إذا كنت لسه عايش لوحدي، وإذا كانت فلوسي واستثماراتي لسه في البنك، وهل بروح المقابر في ذكرى جوازي من فاطمة. وقتها افتكرت إنه بيسأل عليّا وبيهتم بيا، دلوقتي فهمت إنه كان بيجمع معلومات.
المقدم ياسر قال فيه حاجة محتاجين نفهمها. لو كانوا ناويين يسافروا، كانوا هيعملوا إيه لو حضرتك فضلت تظهر بنفسك في البنوك والمصالح الحكومية؟ سكتنا كلنا، وفجأة افتكرت رسالة أحمد اللي وصلتني قبل أيام. فتحت الموبايل ودوّرت عليها، كانت بتقول يا بابا، أنا ونادية هنتجوز يوم الأربعاء. فرح صغير وعلى الضيق، مجرد شهود. ماتتعبش نفسك وتيجي القاهرة، المشوار طويل عليك. وبعدها نعمل غدا عائلي ونحتفل كلنا. ناولتهم الموبايل. مريم قرأت الرسالة، وبصت للمقدم ياسر الأربعاء الفرح، الخميس الفلوس، والجمعة السفر! المقدم فضل ساكت لحظات، وبعدها قال ممكن نستفيد من المناسبة دي في توثيق حاجة مهمة، من غير ما ننبههم قبلها.
يوم الاثنين، أحمد اتصل بيا إزيك يا بابا؟ عامل إيه؟ كان صوته حنين، كأنه ابن بار بيتطمن على أبوه. قلتله الحمد لله يا ابني، بس رحت البنك وحصلت مشكلة. سكت لحظة، وبعدها سأل بسرعة مشكلة إيه؟ ماقدروش يصرفولي المعاش، وقالولي أرجع بعدين. رد بتوتر حاول يخبيه آه، أكيد عطل في السيستم. وبعدها سألني هو وصلك أي ورق غريب الفترة اللي فاتت؟ بصيت للإخطار اللي قدامي وقلت لسه ما راجعتش البريد كله. سمعته يتنفس براحة ماتقلقش يا بابا، إنت ارتاح وسيب الموضوع ده عليّا. قفلت المكالمة وأنا حاسس إني عايز أعيط. ابني كان لسه بيكدب عليّا، رغم إنه عارف إنه أعلن وفاتي!
يوم الثلاثاء، رجع المقدم ياسر ومعاه مريم، قالولي إن التحقيقات بتتقدم، وإنهم حصلوا على التصاريح اللازمة لاستكمال الإجراءات، وأوضحوا إن حضور الفرح ممكن يتيح لهم مواجهة المتورطين وتوثيق ردود أفعالهم، من غير ما نتصرف بطريقة تعرّضني للخطر. سألتهم وعايزيني أعمل إيه؟ المقدم ياسر بص للصور اللي مالية جدران الصالة، وبعدها أشار لكاميرتي النيكون القديمة حضرتك اشتغلت مصور أفراح أربعين سنة، صح؟ أكتر من ألفين فرح. ابتسم ابتسامة خفيفة وقال يبقى يمكن جه الوقت إنك تصوّر فرح كمان.
الليلة دي جهزت الكاميرا، ونضفت العدسة، وطلعت البدلة السودا اللي كنت بلبسها في آخر شغل ليا. وقبل ما أنام، لقيت صورة قديمة لأحمد وهو مولود، نايم في حضن فاطمة، حطيتها في جيب البدلة. تاني يوم كنت رايح فرح ابني، لكن المرة دي مش عشان أباركله، كنت رايح أخليه يبص في عيني أبوه اللي أعلن موته، ويواجه الحقيقة اللي حاول يهرب منها.
الجزء الثالث المفاجأة اللي قلبت الفرح لمحاكمة
صحيت يوم الأربعاء قبل الفجر. قعدت شوية جنب الشباك، ببص على شوارع المنصورة الهادية. طول أربعين سنة كنت بصوّر الأفراح، وعارف كويس توتر العرسان، ودموع الأمهات، والفرحة اللي بتملأ المكان قبل بداية أي مراسم. لكن الصبح ده، إيديا كانت بتترعش وأنا بزرر القميص. حطيت البدلة السودا على السرير، ونضفت الجزمة، واخترت كرافتة زرقا كانت فاطمة جابتهالي في عيد جوازنا الثلاثين. بعدها راجعت الكاميرا؛ البطارية مشحونة، وكارت الذاكرة فاضي، والعدسة نضيفة. كل حاجة كانت جاهزة. قبل ما أخرج، وقفت قدام صورة فاطمة وهمست سامحيني يا فاطمة. النهارده مش رايح أحتفل بجواز ابننا. بست إطار الصورة وقفلت الباب.
المقدم ياسر كان مستنيني في عربية عادية، ومن غير ما نلفت النظر، اتحركنا ناحية القاهرة. طول الطريق ما اتكلمناش كتير. بعد فترة، شرحلي إن التحقيقات كشفت عن شهادتي وفاة تانيين مشبوهتين، لأشخاص كبار في السن ولسه عايشين، وكان فيه صلة غير مباشرة بين بعض أفراد عائلاتهم ونادية. قال بسرعة لسه بنجمع الأدلة، يا عم منير، لكن واضح إن حالتك ممكن ما تكونش الأولى. بصيتله بصدمة يعني فيه ناس تانية اتسجلوا أموات وهما لسه عايشين؟ ده اللي بنحاول نتأكد منه. حسيت بغضب وحزن في نفس الوقت. افتكرت كل أب وأم بيثقوا في ولادهم، وبيسلموهم أوراقهم وحساباتهم البنكية، لأنهم متخيلين إن أولادهم عمرهم ما ممكن يأذوهم.. أنا عملت كده بالضبط.
وصلنا القاهرة قبل الضهر بشوية. الفرح كان في قاعة خاصة داخل مكان راقٍ في منطقة المعادي، وفيه زينة بيضا وترابيزات متجهزة ومجموعة صغيرة من المدعوين. وقفت على الناحية التانية من الشارع، ورفعت الكاميرا. شفت أحمد لابس بدلة كحلي وكرافتة نبيتي، كان باين عليه إنه مبسوط. نادية كانت واقفة جنبه بفستان أوف وايت وبوكيه ورد أبيض. فضلت أراقبهم من خلال العدسة. من بعيد، كانوا باينين زي أي عروسين بيبدأوا حياتهم مع بعض، لكن أنا كنت عارف تمن الفرحة دي 850 ألف جنيه، تحويشة عمري، وهويتي اللي حاولوا يمسحوها من السجلات.
بعد ما مراسم الجواز خلصت، المدعوين بدأوا يباركوا للعروسين، وفيه ناس كانت بتصوّر بالموبايلات، وناس بترمي ورد عليهم. المقدم ياسر اداني إشارة من العربية جه الوقت. عدّيت الشارع ببطء، وطلعت السلالم لحد ما بقيت قدام العروسين. أحمد كان واقف وظهره ليا. رفعت الكاميرا وناديت بصوت واضح صورة للعروسين! بصوا هنا وابتسموا لو سمحتم!
أحمد لف راسه. في اللحظة الأولى، عمل نفس الحركة اللي كان بيعملها وهو طفل، ابتسم بمجرد ما شاف الكاميرا. لكن أول ما عرفني، ابتسامته اختفت. عينيه اتفتحت على آخرها، ووشه بقى شاحب، كأنه شاف شبح. ضغطت على زر التصوير. صوت الكاميرا قطع الصمت. نادية بصت ناحيتي، وأول ما شافتني، وشها فقد لونه. بوكيه الورد وقع من إيديها، والورد الأبيض اتناثر على السلالم. نزلت الكاميرا من على وشي وقلتلهم بهدوء ألف مبروك يا ابني. أحمد فتح بقه، لكنه ماعرفش ينطق. كملت كلامي فرح جميل، خسارة إنك ماندهتش على أبوك.
واحد من الشهود قرب مني وسأل حضرتك مين؟ بصيتله وقلت أنا منير عبد الرحمن، أبو العريس. الرجل اتلخبط وقال بس أحمد قال لنا إن حضرتك تعبان ومش قادر تسافر! ابتسمت بمرارة غريبة! للبنك قال كلام تاني. هناك، حسب الأوراق اللي قدمها، أنا ميت بقالي حوالي أسبوعين.
بدأ الهمس ينتشر بين المدعوين. أحمد قرب مني وقال بصوت واطي يا بابا، أرجوك، خلينا نتكلم لوحدنا. بصيتله باستغراب لوحدنا؟ زي ما اتفقت مع مراتك على شهادة وفاتي؟ نادية حطت إيدها على صدرها وقالت بسرعة يا عم منير، حضرتك فاهم الموضوع غلط! دي كلها مجرد سوء تفاهم. طلعت نسخة من شهادة الوفاة من جيب البدلة ورفعتها قدامها أمال تفسريلي إزاي إن الورقة دي بتقول إني مت يوم 28 سبتمبر؟ وإزاي اسمك مرتبط بإجراءات استخراجها؟ ما ردتش. واحدة من المدعوات، اللي واضح إنها زميلة نادية في الشغل، أخدت الورقة وبدأت تقراها. بعد ثواني، رفعت عينيها وقالت بصدمة نادية... إنتِ عملتي إيه؟!
أحمد حاول يمسك دراعي، لكني بعدت عنه ماتلمسنيش. كانت أول مرة أقول لابني الكلمتين دول. عينيه اتمَلت بالدموع يا بابا، والله ما كنا عايزين نأذيك! بصيتله،
متابعة القراءة