ماټ على الورق - محمد نور
المحتويات
وصوتي بدأ يتكسر ما كنتوش عايزين تأذوني؟! إنتوا مسحتوا هويتي من السجلات، وعرّضتوا معاشي للخطر، وحاولتوا تاخدوا فلوس أنا وأمك جمعناها طول عمرنا! أحمد بص للمدعوين، وبعدها رجع بصلي وقال كانت حاجة مؤقتة يا بابا. نادية قالتلي إننا نقدر نصلح كل حاجة بعدين. صرخت فيه نصلح إيه؟ موتي؟! ماعرفش يرد. كملت وأنا ببص في عينيه كنت ناوي ترجعلي ال ألف جنيه بعد ما تسافر وتختفي؟! ملامحه اتغيرت، وفهم إني عارف خطته كلها. سألني بتوتر مين قالك الكلام ده؟ مش مهم مين. المهم إنك كنت ناوي تسافر يوم الجمعة، بعد ما تقبض الفلوس يوم الخميس.
نادية بدأت ترجع لورا ناحية مدخل القاعة. وفي اللحظة دي، ظهرت مريم ومعاها المقدم ياسر وعدد من أفراد الشرطة. مريم طلعت هويتها وقالت يا أستاذة نادية محمود، مطلوب حضرتك للتحقيق في واقعة تزوير واستعمال مستندات رسمية مزوّرة. نادية حاولت تعترض أنا معملتش حاجة! أحمد هو اللي أجبرني! أحمد بص لها بصدمة إنتِ اللي قولتيلي إنك عارفة طريقة نعمل بيها كده! صرخت فيه عشان إنت اللي كنت محتاج الفلوس! ديونك كانت هتدمرنا إحنا الاتنين!
المقدم ياسر تدخل بحزم كل واحد فيكم هيكون عنده فرصة يقول أقواله قدام الجهات المختصة. دلوقتي مطلوب منكم تيجوا معانا. أحمد اتجه ناحيتي وهو بيترعش يا بابا، أرجوك! قول لهم إن ده كان غلط، وإنك مش عايز تحبس ابنك! فضلت باصصله؛ كان هو نفس الطفل اللي شيلته على كتافي، ونفس الشاب اللي علمته يسوق، ونفس العريس اللي صورت فرحه الأول وأنا فخور بيه. لكن كان كمان الراجل اللي استغل ثقتي فيه عشان ياخد كل حاجة أملكها. قلتلُه يا أحمد، أنا ماعملتش فيك حاجة. إنت اللي اخترت تعمل ده كله.
نزل على ركبته قدامي سامحني يا بابا! كنت مضغوط ومش لاقي أي مخرج! للحظة، جوايا اتحركت غريزة الأب، وكنت عايز أمد إيدي وأحضنه. افتكرت أحمد الصغير وهو بيعيط بعد ما وقع من على العجلة، وافتكرت فاطمة وهي بتجري عليه وتطبطب عليه. لكن بعدها افتكرت الموظفة في البنك وهي بتقولي إني متوفي، افتكرت شهادة الوفاة، والديون، والأسئلة اللي كان بيسألها عن فلوسي. رجعت خطوة لورا قوم يا أحمد. ماتعملش كده قدام الناس.
الشرطة أخدت نادية ناحية العربيات، وأحمد فضل واقف قدامي وهو بيعيط. سألني بصوت مكسور هو إنت عمرك حبيتني بجد يا بابا؟ حسيت إن قلبي بيتعصر. دخلت إيدي في جيب البدلة وطلعت الصورة القديمة اللي كنت محتفظ بيها؛ كانت صورة لفاطمة وهي في المستشفى، شايلة أحمد وهو لسه مولود، وأنا اللي كنت مصورها بعد ساعات من ولادته. ناولتهاله أنا حبيتك من أول لحظة فتحت فيها عينيك يا ابني. بص للصورة ودموعه بتنزل عليها. كملت اشتغلت في الويك إند عشان أجيبلك اللي نفسك فيه، وحرمت نفسي من حاجات كتير عشان أعلّمك وأأمّن مستقبلك، وأمك باعت دهبها لما خسرت أول عربية بسبب القمار. صوتي اتكسر وأنا بكمل إحنا عمرنا ما بخلنا عليك بحبنا، لكنك افتكرت إن حبنا معناه إنك تقدر تاخد مننا كل حاجة، ومهما عملت هنفضل ننقذك. أحمد ضم الصورة لصدره وقال سامحني يا بابا. رديت عليه بصدق مش عارف إذا كنت هقدر أسامحك يوم من الأيام ولا لأ. لكن حتى لو سامحتك، ده مش معناه إني هسمحلك تاني تتحكم في حياتي أو فلوسي.
أخدوه ناحية العربية، وقبل ما يركب، لف وبصلي للمرة الأخيرة يا بابا... بصيتله نعم؟ قال وهو بيعيط عمري ما تخيلت إن حياتي هتوصل للنهاية دي. رديت عليه ولا أنا يا ابني.
بعد ما العربيات اتحركت، المكان هدي تماماً. المدعوين بدأوا يمشوا، والموسيقى اتقفلت، وحد من العاملين بدأ يجمع الكوبايات من على الترابيزات. على السلالم، كان بوكيه الورد الأبيض لسه مرمي. انحنيت ولمّيت الورد بإيدي، كان شبه الورد اللي فاطمة كانت ماسكاه يوم فرحنا. مريم قربت مني وسألتني حضرتك كويس يا عم منير؟ بصيت للورد وقلت لأ. وأعتقد إني هحتاج وقت طويل عشان أبقى كويس. سكت لحظة، وبعدها كملت بس على الأقل، مش مضطر أفضل أخدع نفسي وأصدق إن ابني هو الشخص اللي كنت بتمنى يكونه.
قبل ما أرجع المنصورة، طلبت من المقدم ياسر يوديني المقابر. حطيت الورد على قبر فاطمة، وقعدت جنب اسمها المحفور على الرخام. فضلت ساكت شوية، وبعدها بدأت أحكيلها كل حاجة من أول ما رحت البنك، لحد اللحظة اللي شفت فيها أحمد واقف قدامي في فرحه. همست ابننا دخل نفسه في مصيبة كبيرة يا فاطمة. لمست اسمها بإيدي وقلت طول عمرنا بنحاول نحميه من كل حاجة، ويمكن حميناه من عواقب غلطاته لدرجة إنه افتكر إنه عمره ما هيدفع تمنها. فضلت باصص للقبر، وبعدها أخدت نفس طويل المرة دي مش هقدر أنقذه من اللي عمله. وقعدت هناك لحد ما الدنيا بدأت تظلم.
الجزء الرابع الحقيقة اللي ظهرت بعد التحقيق
الشهور اللي بعدها كانت صعبة جداً. اضطريت أعمل إجراءات كتير عشان أصحح بياناتي في السجلات الرسمية، وأرجّع خدماتي، وأحل المشاكل اللي حصلت في المعاش. البنك فضّل محافظ على فلوسي لحد ما التحقيقات تخلص، والحمد لله ماكانش أي مبلغ اتصرف لأحمد. لكن استعادة الفلوس كانت أسهل بكتير من استعادة إحساسي بالأمان.
لمدة تمانية شهور، فضلت متعاون مع الجهات المختصة. وخلال التحقيقات، اتضح إن نادية شاركت في عملية استخدام مستندات وفاة مزوّرة لتسهيل الاستيلاء على أموال أشخاص، وإن فيه حالتين تانيين مرتبطتين بنفس الأسلوب. واحدة من الحالات كانت لسيدة أرملة اسمها الحاجة صفية، عندها 82 سنة، وعايشة في بيتها في شبرا الخيمة. ابنها قدر يسحب 400 ألف جنيه باستخدام أوراق مزوّرة، وهي ما اكتشفتش اللي حصل غير لما راحت تتلقى علاج، واتقال لها إن فيه مشكلة في بياناتها لأنها مسجلة على إنها متوفية! تخيلوا ست عندها 82 سنة، تضطر تثبت إنها لسه عايشة!
قابلت الحاجة صفية بعد شهور، وكانت ست صغيرة الحجم، شعرها أبيض بالكامل، وبيتها مليان زرع. استقبلتني بفنجان قهوة وقالت وهي بتضحك يعني حضرتك كمان كنت ميت يا عم منير؟ كانت أول مرة أضحك من قلبي على اللي حصل. قعدنا نتكلم ساعات، وحكتلي إن ابنها خسر الفلوس في المراهنات. قالتلي بحزن أنا لسه بحبه، بس خلاص مش هسمحله يدخل بيتي ويدوّر في أوراقي تاني. فهمت إحساسها كويس. قبل ما أمشي، طلبت منها أصورها جنب الشباك وهي ماسكة فنجان القهوة. بعد أسبوع، بعتلها الصورة مطبوعة، وكتبت على ضهرها للحاجة صفية... دليل إننا لسه هنا، ولسه قدامنا أيام كتير نعيشها. اتصلت بيا وهي بتعيط من الفرحة. وقتها فهمت إن حتى بعد الخيانة، ممكن نلاقي ناس ترجع لقلوبنا شوية أمل.
بعد فترة، بدأت المحاكمة. أحمد اعترف بمشاركته في الجريمة، واتكلم عن ديونه اللي سببها القمار والمراهنات، ونادية كمان واجهت مسؤوليتها عن استخدام أوراق غير قانونية واستغلال موقعها الوظيفي. وفي النهاية، صدرت ضدهم أحكام بالسجن، بالإضافة للعقوبات القانونية المتعلقة بالجرائم اللي ارتكبوها.
ماحسيتش بالانتصار وأنا بسمع الحكم،
متابعة القراءة