ماټ على الورق - محمد نور
مات على الورق بقلم محمد نور
الجزء الأول ابني أعلن وفاتي وأنا لسه عايش!
يا فندم، حضرتك متوفي بقالك 12 يوم! ابنك قدّم شهادة وفاة باسمك، وطلب يسحب كل فلوسك من البنك!
الموظفة الشابة قالت الكلام ده بجدية شديدة، لدرجة إني افتكرت للحظة إنها بتهزر معايا هزار سخيف. كنت واقف قدامها، بتنفس بشكل طبيعي، وماسك بطاقتي الشخصية في إيدي، ومستني أسحب معاشي زي كل شهر. بصتلها باستغراب وقلتلها يا بنتي، أنا عندي 74 سنة، آه، لكن لسه عايش أهو! إزاي يعني متوفي؟!
رجعت تبص على شاشة الكمبيوتر، ولاحظت إن إيديها بدأت ترتعش. قالتلي بصوت مرتبك أنا آسفة يا عم منير، بس النظام بيقول إن حضرتك توفيت يوم 28 سبتمبر، وابنك سجّل الأوراق من أسبوع.
اسمي منير عبد الرحمن، وعشت أربعين سنة من عمري بشتغل مصور أفراح في المنصورة. صوّرت آلاف العرسان وهما بيحلفوا لبعض بالحب والوفاء طول العمر، لكن مع الوقت اتعلمت إن مش كل ابتسامة وراها نية صافية، وإن أوقات أقرب الناس لينا بيكونوا أكتر ناس قادرين يوجعونا. عمري ما تخيلت إني في يوم من الأيام هضطر أثبت إني لسه عايش، وإن الشخص اللي بيحاول يدفنني على الورق مش عدو ولا غريب... ده ابني نفسه!
مراتي فاطمة ماتت من أربع سنين بعد معاناة طويلة مع مرض السرطان. ومن يومها وأنا عايش لوحدي في بيتنا القديم القريب من وسط البلد. ابننا الوحيد، أحمد، كان عنده 47 سنة، وعايش في القاهرة مع مراته الجديدة، نادية، اللي كانت شغالة موظفة إدارية في السجل المدني. أحمد كان ذكي، لكنه كان عنده عيب خطير دمّر جوازه الأول، وخلّاه يغرق في الديون، وهو إدمان المراهنات والقمار. خسر عربيته، واستلف مبالغ كبيرة من ناس كتير، ووصل بيه الحال إنه كان على وشك يخسر شقته. فاطمة كانت بتساعده من ورايا سنين، وبتدفع عنه من غير ما أعرف. ما اكتشفتش الحقيقة غير بعد وفاتها، لما لقيت كشكول صغير كانت مسجلة فيه كل مبلغ ادّتهوله، وفي آخر صفحة، لقيتها كاتبة منير ماينفعش يعرف اللي أحمد بيعمله. ابني وعدني إن دي آخر مرة. لما واجهت أحمد، حلفلي إنه بطل القمار وإنه مش هيرجع للطريق ده تاني، وصدّقته؛ كنت أبوه، ومهما عمل، كان جوايا أمل إنه يتغير.
قبل الواقعة دي بثلاث سنين، أحمد أقنعني أمضي على ورقة لتحديد المستفيد من استثمار بنكي. قاللي وقتها يا بابا، دي مجرد إجراءات عشان لما ربنا يديك العمر، وتيجي ساعتك في يوم من الأيام، مانتعبش في الورق والمحاكم. أنا ابنك الوحيد، ومفيش حد غيري هيورثك. يبقى ليه نعقّد الدنيا؟ ما فكرتش كتير ومضيت. طول أربعين سنة شغل، كنت بجمع قرش على قرش لحد ما قدرت أوفّر 850 ألف جنيه. دول كانوا تحويشة العمر اللي أنا وفاطمة تعبنا فيها، عشان نعيش آخر أيامنا بكرامة ومن غير ما نحتاج لحد. ماكنتش أعرف إن ابني هيحاول يستولى عليهم قبل ما أموت!
بعد الصدمة اللي سمعتها من الموظفة، طلبت أقابل مديرة البنك، الأستاذة فيرونيكا. استقبلتني في مكتبها، وطلعت من ملف قدامها نسخة من الورقة اللي ابني قدّمها. كانت شهادة وفاة! اسمي بالكامل مكتوب صح، ومعاه تاريخ ميلادي ورقمي القومي، وكمان تاريخ الوفاة المزعوم. أما مكان الوفاة، فكان مكتوب إنه شقة في القاهرة. بصيت للمديرة وقلتلها بس أنا كنت في المنصورة اليوم ده! رحت المقابر أزور فاطمة، وعندي صور من الزيارة كمان!
بصتلي بقلق وقالت يا عم منير، فيه مشكلة أكبر. رقمك القومي اتسجل في النظام على إن صاحبه متوفي، وده ممكن يسببلك مشاكل في صرف المعاش وخدمات العلاج. حسيت إن الأرض بتتهد من تحتي وفلوسي؟ ال ألف جنيه اللي في حسابي؟ ردت بسرعة البنك اكتشف تناقضات في الأوراق، فوقفنا الصرف مؤقتاً. لكن ابنك مقدّم طلب لسحب المبلغ كله، وبيضغط علينا عشان يستلمه الخميس الجاي.
فضلت ساكت، مش قادر أستوعب إن ابني قرر يدفنني على الورق وأنا لسه عايش، عشان ياخد فلوس تعبي! المديرة رفعت سماعة التليفون وقالت لازم نبلّغ الجهات المختصة فوراً. وافقتها، لكن قبل ما تتصل، طلبت منها لو سمحتي، ماتخلوش أحمد يعرف إني اكتشفت اللي حصل. بصتلي باستغراب ليه يا عم منير؟ ده حاول يسرق فلوسك وزوّر شهادة وفاة باسمك! بصيت تاني للورقة وقلتلها أنا عايز أعرف هو مستعد يوصل لفين، ومين اللي ساعده في المصيبة دي.
ساعتها أشارت المديرة للتوقيع الموجود أسفل الشهادة، وسألتني حضرتك تعرف واحدة اسمها نادية محمود؟ حسيت بقشعريرة في جسمي أيوه، دي مرات ابني. خفضت صوتها وقالت يبقى لازم تشوف بنفسك مين اللي تدخّل في إصدار شهادة الوفاة دي. ولما بصيت على الاسم الموجود في المستند، فهمت إن أحمد ماكانش بيتصرف لوحده. لكن اللي ماكنتش أعرفه إن موتي على الورق كان مجرد أول خطوة في خطة أكبر، وإن فيه موعد محدد لاستلام الفلوس، وبعده كان ابني ناوي يختفي من حياتي للأبد. والأخطر من كل ده، إن الموعد ده كان مرتبط بحدث عائلي المفروض يكون من أسعد أيام حياته... فرحه!
الجزء الثاني الفرح اللي كشف الخيانة
التوقيع الموجود على المستند كان مرتبط بنادية، مرات أحمد، اللي شغالة في السجل المدني بالقاهرة. يعني الموضوع ماكانش مجرد ورقة مزوّرة ابني قدر يحصل عليها بالصدفة، كان فيه شخص عنده إمكانية الوصول لبيانات رسمية، وممكن يكون استغل شغله عشان يساعده. المديرة قدّمت بلاغ، واتواصلت مع الجهات المختصة، وأنا رجعت بيتي ومعايا نسخ من الأوراق.
وأنا بفتح صندوق البريد، لقيت إخطار متعلق بالمعاش. قعدت في المطبخ وقريته أكتر من مرة، كان فيه إيقاف مؤقت بسبب وجود تناقضات في بيانات هويتي. عمري ما حسيت بالوحدة بالشكل ده. على الترابيزة كانت صورة فاطمة الأخيرة، وهي بتضحك وبتقطع تورتة عيد ميلادها. بصيت للصورة وهمست شوفي ابننا عمل إيه يا فاطمة! في الليلة دي فتحت الصناديق اللي كنت محتفظ فيها بصور العيلة؛ أحمد وهو مولود، وأحمد وهو بيتعلم يمشي، وأحمد في حفل تخرجه، وأحمد وهو واقف بيني وبين أمه وبيضحك. فضلت أدور وسط الصور، يمكن ألاقي لحظة أفهم منها إزاي الطفل اللي ربيته بقى الراجل اللي حاول يسرق تحويشة عمري، لكن ما لقيتش إجابة.
بعد يومين، زارني المقدم ياسر الشناوي والمحققة مريم عادل، وكانوا بيتابعوا التحقيق في البلاغ. شرحولي إنهم بيراجعوا شهادة الوفاة مع السجل المدني، وبيتحققوا من البيانات المستخدمة في إصدارها. قالت مريم يا عم منير، اكتشفنا مخالفة مهمة. الدكتور اللي المفروض إنه وقّع على شهادة الوفاة شغال حالياً خارج مصر، والتوقيع الموجود على الشهادة غالباً مزوّر. سألتها بقلق ونادية؟ ردت بنراجع دخولها على النظام، وكمان ظهر قدامنا شوية سجلات مشبوهة ممكن يكون ليها علاقة بالموضوع.
المقدم ياسر سألني ابنك عنده مشاكل مادية؟ حكيتلهم عن القمار والديون اللي كان غرقان فيها. ساعتها مريم حطت قدامي صورة لأحمد وهو خارج من محل رهن، وبجواره راجل ماعرفوش، وقالت إحنا بنتحقق من ديون كبيرة عليه، وكمان لقينا مؤشرات إن