قفشنا جارتنا الست الكبيرة في الكاميرا عندنا في الجنينة الساعة 2 بعد نص الليل

لمحة نيوز

وبدأت تحرك بعض الحجارة الصغيرة اللي كانت موجودة جنب قاعدة السور.
أنا قربت من الشاشة.
كانت بتطلع حاجة صغيرة من تحت الحجارة، تتأملها، وبعدين ترجعها مكانها.
أعدت الفيديو مرة تانية.
وبعدين مرة تالتة.
قلت لنفسي
هي بتعمل إيه هنا؟!
أخدت التسجيل وروحت لأبويا.
لما شافه، عبس وقال
غريبة فعلًا.
قلت
يمكن كانت مخبية حاجة؟
أبويا رد
ممكن. لكن التسجيل قديم، ومش عايزنا نستنتج حاجة من غير دليل.
فضلنا نتكلم في الموضوع، لحد ما أمي دخلت علينا وقالت
هو إنتوا لسه بتفكروا في الست دي؟ كفاية بقى، خلونا نعيش.
ضحكنا، وقفلنا الفيديو.
لكن بعد كام يوم، ظهر سبب جديد خلانا نرجع نفكر في الحكاية كلها.
أمي كانت بتزرع شتلة ياسمين جديدة جنب السور، ولاحظت إن جزءًا من الطوب عند القاعدة مفكوك.
نادَت أبويا.
أبويا راح يعاين المكان، ولما شاف الطوب، قال
ده مش طبيعي. الطوب ده كان ثابت من زمان.
اتصل بصنايعي يعرفه، وجاء يعاين السور.
الصنايعي اكتشف إن فيه جزءًا صغيرًا من المونة متشال، وإن بعض الطوب اتحرك قبل كده واترجع مكانه.
ما كانش فيه خطر فوري على السور، لكنه كان محتاج إصلاح.
أبويا قرر يصلحه، وفي أثناء الشغل، لقينا ورق شجر ناشف متجمع في فتحة صغيرة عند القاعدة، ومعاه قطعة بلاستيك قديمة.
ما لقيناش أي حاجة تانية تستحق الذكر.
لكن المشهد فكرني بالتسجيل اللي شوفته.
وبدأت أسأل نفسي هل نوال كانت بتحاول توصل لحاجة عند السور؟ ولا كانت بتعمل كل ده لمجرد إنها مش طايقة تشوف الزرع في مكانه؟
الحقيقة إننا ما عرفناش.
ويمكن مش كل تصرف غريب لازم يكون وراه سر كبير.
لكن اللي عرفناه إن الحدود اللي بنسيبها من غير حماية، ساعات بتشجع بعض الناس على تجاوزها أكتر.
الفصل التلاتاشر رجوع المقص
عدت أسابيع، والدنيا هديت.
لحد ليلة الخميس.
كنت قاعد في أوضتي، بشتغل على اللابتوب، وفجأة سمعت صوت الإشعار المعروف من موبايل أبويا.
تم رصد حركة في الممر الجانبي.
قلبي دق بسرعة.
فتحت الموبايل، ودخلت على البث المباشر.
في الأول، ما شفتش حاجة.
وبعدين ظهر ظل عند آخر الممر.
ست لابسة إسدال غامق.
وفي إيدها شيء طويل.
المقص.
نوال رجعت تاني.
لكن المرة دي، كانت البوابة الصغيرة مقفولة، والكشافات منورة المكان كله.
وقفت قدام البوابة، وبصت حواليها.
حاولت تفتحها.
ما قدرتش.
فضلت واقفة لحظات، وبعدين قربت من السور، وبصت ناحية شجرة الليمون.
أنا كنت متوتر جدًا.
صحيت أبويا، ووريته البث.
أبويا قال
ما نخرجش نواجهها وإحنا متعصبين. خلينا نوثق اللي بيحصل.
نوال فضلت واقفة شوية، وبعدها حطت المقص في شنطتها ومشيت.
ما دخلتش الجنينة.
لكن وجودها في نص الليل، بعد كل اللي حصل، كان كفاية يخلينا نرجع نراجع إجراءات الأمان.
تاني يوم، أبويا كلم عم صلاح، وقال له إن نوال ظهرت مرة تانية عند الممر، وإننا محتفظين بالتسجيل.
عم صلاح اتضايق جدًا.
قال
أنا هتكلم معاها. واضح إن الموضوع لسه ما انتهيش عندها.
وبعد المكالمة بيومين، جه بنفسه ومعاه نوال.
كانت أول مرة تدخل بيتنا من سنين.
دخلت وهي متضايقة، وقعدت على طرف الكنبة.
عم صلاح قال
يا حاج محمود، إحنا جايين ننهي الموضوع ده بشكل نهائي.
أبويا قال
اتفضلوا.
عم صلاح بص لمراته وقال
نوال، قولي اللي عندك.
نوال فضلت ساكتة.
وبعدين قالت بصوت واطي
أنا مش عايزة مشاكل.
أبويا رد
ولا إحنا.
سكتت لحظة، وبعدها قالت
أنا كنت بتضايق من شكل الشجر ناحية السور.
أنا بصيت لها بعدم تصديق.
شكل الشجر؟!
عم صلاح بص لي وقال
خلينا نسمعها للآخر.
نوال كملت
كنت بحس إن الفروع مش متساوية، وإن شكل الممر مش مريحني. وكل ما أشوفها، كنت بتعصب.
أبويا قال بهدوء
طيب، حتى لو ده مضايقك، كان ممكن تتكلمي معانا. مش تدخلي جنينتنا بالليل وتقصي الزرع.
نوال نزلت عينيها.
ولأول مرة، ما ردتش بعصبية.
قالت
أنا عارفة إني غلطت.
الكلمة دي كانت غريبة لدرجة إن أمي بصت لأبويا باستغراب.
نوال كملت
مش هقول إن عندي عذر. أنا كنت بعمل حاجة غلط، وكنت فاكرة إن محدش هيعرف.
أبويا سكت شوية، وبعدها قال
الاعتراف بالغلط خطوة كويسة، لكن الأهم إن التصرف ده ما يتكررش.
عم صلاح قال
وأنا مسؤول إني أتابع إن الحدود دي تتاحترم، لكن طبعًا نوال مسؤولة عن تصرفاتها.
نوال قامت من مكانها.
قبل ما تمشي، بصت لأمي وقالت
أنا آسفة على الزرع اللي بوظته.
أمي ردت بأدب
ربنا يهدي الجميع يا مدام نوال.
خرجوا من البيت.
وأنا فضلت واقف مكاني، بحاول أستوعب اللي حصل.
هل نوال اتغيرت فعلًا؟
ولا دي مجرد لحظة إحراج؟
ما كنتش عارف.
لكن المرة دي، قررنا نحكم على الأفعال مش الكلام.
الفصل الأربعتاشر اختبار أخير
مرت تلات شهور.
خلال الفترة دي، نوال ما دخلتش جنينتنا، وما شفناهاش في تسجيلات الكاميرا وهي بتقص الزرع.
أمي بدأت تزرع شتلات جديدة، وأبويا صلح السور، وركبنا بوابة أقوى للممر.
حتى الجيران لاحظوا إن نوال بقت أهدى شوية.
ما عادتش تقف بالساعات تتخانق مع أصحاب العربيات، وبطلت تزعق لأي حد يعدي من قدام بيتها.
لكن اختبارها الحقيقي جه في يوم ما كناش متوقعينه.
كان يوم عيد ميلاد أمي.
إحنا كنا عاملين عزومة بسيطة في الجنينة، وجايبين ترابيزة كبيرة، ومعلقين زينة صغيرة بين الشجر.
أمي كانت فرحانة جدًا.
والبيت كله كان مليان ضحك.
فجأة، وإحنا بنجهز الأكل، سمعنا صوت خبط على البوابة الجانبية.
خرجت أبص، لقيت نوال واقفة ومعاها طبق كبير مغطى.
قالت لي
كل سنة ووالدتك طيبة.
أنا اتفاجئت.
قلت
وإنتِ طيبة يا مدام نوال.
مدت لي الطبق.
دي صينية كحك عملتها بنفسي. قلت أشارككم الفرحة.
كنت متردد.
مش عارف آخدها ولا أرفضها.
لكن في الآخر، أخدتها وشكرتها.
دخلت البيت ووريت أمي.
أمي ابتسمت وقالت
ربنا يهديها. يمكن تكون فعلًا بتحاول تصلح اللي حصل.
أبويا قال
نقبل الهدية، لكن ما ننساش اللي اتعلمناه.
في آخر اليوم، وبعد ما الضيوف مشيوا، لقيت نوال واقفة عند سورها، بتبص على الزرع.
أنا كنت في الجنينة، فرفعت إيدي وسلمت عليها.
ردت السلام.
وبعدين قالت
الياسمين كبر حلو أوي السنة دي.
ابتسمت وقلت
أيوه، أمي اهتمت بيه جدًا.
سكتت لحظة، وبعدين قالت
أنا كنت غلطانة لما دخلت عندكم.
ما عرفت أرد بإيه.
فقلت ببساطة
المهم إن الموضوع ما يتكررش.
هزت راسها.
مش هيتكرر.
ومشيت.
في اللحظة دي، حسيت إننا وصلنا لنهاية الحكاية فعلًا.
مش لأن نوال بقت فجأة أقرب صديقة لينا.
ولا لأننا نسينا كل اللي حصل.
لكن لأننا عرفنا نعيش جنب بعض من غير ما نسمح لحد يتعدى على حق التاني.
الفصل الخامس عشر بعد سنة كاملة
عدت سنة على أول ليلة شفنا فيها نوال وهي ماسكة المقص في الكاميرا.
سنة كاملة ما دخلتش فيها جنينتنا من غير إذن، وما قصتش فيها فرع واحد من شجرنا.
العلاقة بين العيلتين بقت رسمية ومحترمة.
سلام من بعيد.
سؤال سريع لو حد تعب.
ومناسبات بسيطة من غير تدخل في حياة بعض.
عم صلاح بقى يقعد أحيانًا مع أبويا قدام البيت، يتكلموا عن الزراعة وأخبار المنطقة.
أما نوال، ففضلت محتفظة بطباعها الصعبة في بعض المواقف، لكنها بطلت تفرض نفسها علينا زي الأول.
وفي يوم، كنت قاعد مع أبويا في الجنينة، وببص على شجرة الليمون اللي رجعت تطلع فروع جديدة.
قلت له
فاكر أول يوم شوفناها في الكاميرا؟
ضحك وقال
أيوه، كنت عايز تنزل تجري وراها.
ضحكت أنا كمان.
كنت هموت وأفهم هي بتعمل كده ليه.
أبويا حط فنجان الشاي على الترابيزة وقال
ساعات يا مروان، إحنا بنضيع وقت طويل نحاول نفهم ليه بعض الناس بتأذينا. ونفضل نسأل نفسنا إحنا عملنا لهم إيه؟ وليه
اختارونا إحنا؟
سكت لحظة، وبعدين كمل
لكن مش لازم نفهم كل الأسباب عشان نعرف نحمي نفسنا. المهم إننا ما نظلمش حد، وفي نفس الوقت ما نسمحش لحد يظلمنا.
بصيت للشجرة.
كانت الشمس داخلة بين فروعها، والورق الأخضر بيتحرك مع الهوا.
افتكرت أمي وهي بتعيط على الورد اللي اتقص.
وافتكرت أبويا وهو بيبعت الصورة من غير كلمة واحدة.
وافتكرت عم صلاح وهو جاي يعتذر، ونوال وهي واقفة قدام البوابة بالمقص.
كل المشاهد دي عدت قدام عيني.
وفهمت إن الحكاية ما كانتش عن مقص، ولا عن شجرة ليمون، ولا حتى عن جنينة.
الحكاية كانت عن الحدود.
عن إن الطيبة مش معناها إنك تسمح لغيرك يتعدى عليك.
وعن إن السكوت ممكن يكون حكمة، لكنه لو استمر من غير موقف واضح، ساعات بيتفهم غلط.
وعن إنك مش محتاج تفضح حد أو تهينه عشان تثبت إنك على حق؛ ساعات الحقيقة الموثقة بتكون كفاية.
الخاتمة الصورة اللي أنهت ست سنين
بعد ما عدت سنة، أمي قررت تعمل حوض زرع جديد في آخر الجنينة.
اختارت فيه ورد بلدي وياسمين وريحان، وزرعت شجرة صغيرة في النص.
أبويا ساعدها، وأنا ركبت إضاءة جديدة حوالين الحوض.
في آخر اليوم، وقفنا كلنا نتفرج على المكان.
أمي قالت
نفسي الجنينة دي تفضل خضرا طول العمر.
أبويا ابتسم وقال
طول ما فيه حد بيهتم بيها، هتفضل خضرا.
وأنا بصيت ناحية السور المشترك.
الجزء اللي كان زمان سبب مشاكل وخناقات، بقى مجرد سور عادي بين بيتين.
لا صوت عالي.
لا مقص في نص الليل.
ولا إشعارات حركة بتخلينا نجري على الموبايلات.
وفي الليلة دي، قبل ما أنام، فتحت الكاميرا للمرة الأخيرة قبل ما أحط الموبايل على الشاحن.
الممر كان فاضي.
الجنينة هادية.
وشجرة الليمون واقفة في مكانها، بفروعها الجديدة.
قفلت التطبيق وابتسمت.
مش لأننا كسبنا معركة ضد نوال.
لكن لأننا أخيرًا قدرنا نعيش في بيتنا من غير خوف من اللي ممكن يحصل وإحنا نايمين.
وعرفت إن أقوى رد على الشخص اللي بيحاول يفرض سيطرته عليك، مش إنك تتحول لنسخة منه.
أقوى رد إنك تحافظ على هدوئك، وتحمي حقك، وتخليه يفهم إن احترامك ليه مش تصريح مفتوح إنه يتعدى عليك.
ومن يومها، كل ما أشوف شجرة الليمون، أفتكر إن أحيانًا صورة واحدة واضحة، في الوقت المناسب، بتكون أقوى من ألف خناقة.
تمت الرواية.

تم نسخ الرابط