حماتي وقعت علي ضهرها

لمحة نيوز

قلت بس إنت ما خرجتش، إنت دخلتني أنا وأمي وأمك فيها.
الجزء الرابع والأخير
تاني يوم، روحت المستشفى لقيت حماتي قاعدة على السرير، وأول ما شافتني بصتلي وما قالتش حاجة. قعدت جنبها، وسكتنا شوية وبعدين قلت ماما... أول ما سمعت الكلمة دموعها نزلت، فقلت أنا آسفة. هزت راسها وقالت لا، أنا اللي لازم أعتذر. قلت إنتِ ما كنتيش تعرفي. قالت بس أنا صدقت ابني، وصدقت كلامه عنك، خمس سنين وأنا فاكرة إنك مش طايقاني. ضحكت بحزن وقلت وأنا خمس سنين فاكرة إنك ما كنتيش عايزاني. مسكت إيدي وقالت أنا كنت دفعتلك 50 ألف جنيه عشان ترتاحي، بس هو خدهم، وأنا كنت فاكرة إنك رفضتي المركز. بصيت لها وقلت وأنا كنت فاكرة إنك سافرتي. سكتنا، وبعدين حماتي قالت يعني إحنا الاتنين اتضحك علينا. قلت أيوه. ولأول مرة من خمس سنين، حضنت حماتي؛ مش لأن كل حاجة اتصلحت فجأة، لكن لأننا أخيرًا عرفنا مين اللي كان بيفرق بينا.
بعدها حكيت لأمي كل الحقيقة. أول ما سمعت سكتت فترة طويلة، وبعدين قالت أنا كنت عارفة إنك مش هتصدقي لو قلت لك. قلت ماما، أنا آسفة. قالت إنتِ ما تعتذريش، إنتِ كنتِ مخدوعة زينا. وبعدين سألت وال جنيه؟ قلت هرجعهم لك. قالت مش عايزة. قلت لأ، دي فلوسك وحقك، المرة دي أنا اللي هارجعهولك. أمي قالت أهم حاجة إنك عرفتي الحقيقة.
لكن أنا ما اكتفيتش بالكلام؛ طلبت من أحمد كشف كامل لكل الديون اللي عليه، واكتشفت إن ديونه كانت أكبر بكتير مما تخيلت، كان عليه مبالغ لأكتر من شخص وكان داخل في أقساط والتزامات ما قالليش عنها، وكان كل شهر بياخد من هنا عشان يسدد هناك. وبمجرد ما اتكشفت الحكاية بدأت كل الأوراق تظهر، وأكتر حاجة وجعتني إني اكتشفت إن فلوس حماتي مش بس ال ألف، كان فيه مبلغ تاني أخده منها من غير ما تعرف وكان بيقول لها إنه بيحوشه لنور، لكن الحقيقة إنه كان بيسدد بيه ديونه. ساعتها قلت له أنا مش هاغطي عليك تاني، ولا هادفع ديونك، ولا هاسمح لك تستخدم حد من عيلتي عشان تخرج من أزمتك. هو قال طب أعمل إيه؟ قلت تواجه، لأول مرة في حياتك، واجه نتيجة أفعالك.
بعد أسبوع، حماتي خرجت من المستشفى، لكن علاقتها بيا اتغيرت تمامًا؛ بقت تتصل بيا كل يوم، مش عشان تطلب مني حاجة، لكن عشان تسأل نور عاملة إيه؟ وإنتِ أكلتي؟ شغلك كان كويس النهارده؟ وفي أول مرة أمي جات تزورني بعدها، حماتي استقبلتها بنفسها، ولما أمي حاولت تتكلم عن ال جنيه، حماتي قالت لها ولا جنيه، الفلوس دي أنا مش هلمسها، دي حقك، وابني هو اللي لازم يرجعها. أمي قالت خلاص يا أختي. لكن حماتي أصرت وقالت لأ، أنا اتعلمت درس عمري، طول ما إحنا بنسكت على الغلط، الغلط بيكبر.
وبعد كام يوم، أحمد رجعلي ال جنيه كاملين، لكن أنا ما رجعتش له، احتفظت بيهم مش عشان الفلوس، لكن عشان أفتكر اليوم اللي الحقيقة ظهرت فيه. أما أحمد... فأنا ما قدرتش أرجع أتعامل معاه زي الأول؛ مش لأن فلوسه كانت قليلة، ولا لأن ديونه كانت كتير، لكن لأن الكذب استمر خمس سنين، الخمس سنين دول مش هيرجعوا، والثقة اللي اتكسرت مش هترجع بكلمتين أنا آسف. قعدنا فترة منفصلين، وهو بدأ يسدد ديونه بنفسه؛ باع العربية اللي كان بيحاول يخبيها، وباع حاجات تانية كان شاريها من غير علمي، وأول مرة في حياته بدأ يتحمل نتيجة قراراته. وأنا ركزت على بنتي وشغلي ونفسي، ما بقيتش شايلة هم إرضاء حد، ولا بقيت بحاول أثبت إني مرات ابن كويسة، ولا بقيت خايفة من كلام الناس؛ لأني اكتشفت حاجة مهمة جدًا اللي بيحكم عليك من غير ما يعرف الحقيقة، عمره ما كان شايل همك من الأساس.
بعد شهور، أحمد جه وقعد قدامي وقال أنا عارف إني خسرتك. قلت إنت ما خسرتنيش يوم ما أخدت فلوس أمي، إنت خسرتني يوم ما قررت إن الكذب أسهل من إنك تواجهني بالحقيقة. سكت، فقلت لو كنت جيت من خمس سنين وقلتلي إنك مديون، كنت هقف جنبك، كنت هساعدك في حدود قدرتي، لكن إنت اخترت تكذب، اخترت تفرق بيني وبين أمك، واخترت تستغل أمي، وده شيء أنا مش قادرة أنساه. قال أقدر أصلح. قلت ممكن تصلح نفسك، لكن مش معنى كده إني لازم أرجعلك. سكت طويلًا وبعدين قال فهمت. ولأول مرة، ما حاولش يجادلني.
بعد سنة تقريبًا، كنت قاعدة في بيت أمي، أنا ونور بنتفرج على التلفزيون، جالي اتصال من حماتي ألو يا ماما؟ قالت وهي بتضحك إنتِ فين؟ قلت عند ماما. قالت كويس، أنا كمان جاية. ضحكت، وبعد ساعة حماتي وصلت ومعاها كيس كبير مليان أكل، دخلت وهي بتقول النهارده أنا اللي هطبخ. أمي ضحكت وقالت بعد إيه؟ بعد ما بقيتي بتدفعي فلوس عشان تخدمي نفسك؟ حماتي ضحكت وقالت خلاص بقى، كفاية فضايح. وبصتلي أنا كنت غبية. أمي ردت كلنا كنا. ضحكنا، وبصيت عليهم؛ ستين كانوا فاكرين إنهم أعداء، والحقيقة إن العدو الوحيد كان شخص واحد واقف بينهم، بيكدب على كل واحدة فيهم.
أنا بصيت لنور وهي بتلعب قدامنا، ساعتها فهمت إن أهم حاجة ممكن أديها لبنتي مش فلوس، ولا بيت كبير، ولا حياة مثالية، لكن إني أعلمها ما تسكتش عن الظلم، وما تصدقش أي كلام من غير دليل، وما تسمحش لحد يفرق بينها وبين الناس اللي بتحبهم بالكذب. أما القصة كلها... فأنا لسه فاكرة اليوم اللي حماتي وقعت فيه في المستشفى، اليوم اللي كنت فاكرة فيه إني أخيرًا هاخد حقي منها، لكن اللي حصل كان أكبر بكتير. أنا ما اكتشفتش إن حماتي بريئة بس، أنا اكتشفت إن خمس سنين كاملة من الكراهية كانت مبنية على كدبة، واكتشفت إن الإنسان ممكن يكره شخص سنين لمجرد إنه صدق رواية واحدة، والأهم... اكتشفت إن الحق أحيانًا بيتأخر، لكن لما يظهر بيظهر ومعاه كل التفاصيل اللي كانت مستخبية. ال ألف جنيه، ال جنيه، الموبايل، الرسائل الممسوحة، الكارت البنكي، ال ألف جنيه اللي اتسحبوا، والتحويلات اللي كانت بتروح لناس ما أعرفهاش... كل خيط كان ماسك في خيط لحد ما الحقيقة ظهرت كاملة.
وفي يوم، وأنا قاعدة مع حماتي وأمي، حماتي بصتلي وقالت سلمى... فاكرة أول مرة قولتي فيها إنك مش هتخدميني غير بفلوس؟ ضحكت وقلت أيوه. قالت وقتها كنت هازعل منك جدًا، دلوقتي لو طلبتي مني فلوس عشان تخدميني، هاقولك خديها. ضحكنا كلنا، وبعدين قالت بس بشرط؛ ما تخدميش حد غصب عنك، لو عايزة تساعدي ساعدي، ولو مش قادرة قولي مش قادرة، عشان أنا اتعلمت إن المحبة اللي فيها إجبار عمرها ما تبقى محبة. بصيت لها وقلت وأنا كمان اتعلمت حاجة؛ إن قبل ما أكره حد... لازم أسمع منه. أمي ابتسمت، وحماتي مدت إيدها ومسكت إيدي، ولأول مرة ما كانش بينا أي حساب قديم؛ ولا 8000 جنيه، ولا 50 ألف جنيه، ولا كلام اتقال، ولا رسائل اتمسحت، كان فيه بس حقيقتنا، حقيقتين لستّين اتفرقوا خمس سنين بسبب كدبة واحدة.
أما أحمد... فأنا ما رجعتش له، مش انتقامًا ومش عشان أوجعه، لكن لأني فهمت أخيرًا إن بعض الأبواب لما تتقفل ما ينفعش نفتكر إن فتحها تاني هو الحل، أحيانًا قفل الباب هو بداية الحياة. وأنا اخترت أفتح باب جديد؛ باب ما فيهوش كدب، ولا تبرير، ولا خوف، ولا حد يقنعني إني لازم أقبل الظلم عشان أحافظ على البيت، لأن البيت اللي بيتبني على الكذب مش بيت. وأنا أخيرًا... رجعت بيتي الحقيقي نفسي.
تمت بحمد الله

تم نسخ الرابط