حماتي وقعت علي ضهرها
حماتي وقعت على ضهرها
الجزء الأول
حماتي اتلوّت ضهرها وهي بترقص في النادي، واضطرت تدخل المستشفى. وأول ما طلبت مني أروح أقعد جنبها وأخدمها، أنا على طول حطيت لها سعر من الآخر.
بصيت لها وقلت بمنتهى الهدوء هي مهما كانت حماتي، وفي الآخر إحنا أهل، بس الفلوس برضه لازم تتحسب صح. أجر حد يرعى المريض في اليوم 2000 جنيه، وتعويض عن اليوم اللي هاغيبه من شغلي 1100 جنيه. يعني لو الفلوس موجودة، أنا مستعدة أخدمك وأراعيكي من أول راسك لحد رجلك، غير كده، يبقى الموضوع مش مطروح أصلًا.
حماتي اتصدمت وقالت بعصبية إيه اللي إنتِ بتقوليه ده؟! هو مرات الابن تخدم حماتها وتطلب منها فلوس؟ إنتِ كده عاقة! ده أنا عمري ما شوفت جحود بالشكل ده!
والأغرب إن المرضى اللي كانوا موجودين في نفس الأوضة بدأوا يشاركوا في الكلام. واحدة قالت هي دي مرات ابن؟! مفيش عندها ذرة رحمة! واحدة تانية هزت راسها وقالت يا عيني على الست الكبيرة، شكل الفلوس أهم عندها من أهل جوزها. واحدة تالتة قالت فعلًا، الإنسان لما يدخل الفلوس في كل حاجة، ما يبقاش فيه إحساس.
أنا سمعت كلامهم كله، لكن ما حسيتش بأي إحراج، بالعكس، رفعت راسي وبصيت لحماتي مباشرة وقلت حماتي، إنتِ عندك حق أصلًا تتكلمي عن العقوق؟ سكتت، فكملت أنا لما ولدت بعملية قيصرية، إنتِ حتى ما جيتيش المستشفى تزوريني! ولما كنت في النفاس، إنتِ سافرتي سياحة شهر كامل! أمي هي اللي سابت بيتها وسافرت أكتر من ألف كيلو عشان تيجي تقعد معايا، هي اللي كانت بتغسل هدومي، وتطبخلي، وتشيل بنتي، وتراعيها طول الليل. أمي كانت بتقوم من نومها كل ما بنتي تعيط، عشان أنا آخد كام ساعة نوم. الست دي خسّت عشرة كيلو في الفترة دي من كتر التعب! وبصوت أعلى قلت وبعد كل ده، لما أمي كانت راجعة بلدها، إنتِ ما شكرتيهاش حتى! لأ، ده إنتِ طلبتي منها 8000 جنيه تمن الأكل والإقامة!
الناس كلها بصت لبعضها، وأنا كملت طيب يا جماعة، احكموا بينا. مين فينا بقى اللي ما عندوش إحساس؟ أنا اللي مش عايزة أخدم حماتي دلوقتي؟ ولا حماتي اللي ما جتش تخدمني وأنا لسه والدة، وبعدين طلبت من أمي فلوس؟ وبعدين قلت وأنا حاسة إن كل القهر اللي جوايا من خمس سنين بيطلع مرة واحدة أنا شايلة وجع النفاس ده في قلبي بقاله خمس سنين، والنهارده أخيرًا جاتلي فرصة أرد اللي اتعمل فيا.
أول ما الناس سمعت كلامي، الموقف اتغير تمامًا. واحدة قالت إيه؟! ده حصل من خمس سنين؟ واحدة تانية قالت يعني هي ما راحتش تخدم مرات ابنها بعد الولادة، وكمان طلبت من أمها فلوس أكل وإقامة؟ راجل كبير كان موجود في الأوضة قال دي مش قلة ذوق، دي بجاحة! ست تانية قالت مرات ابنك كانت لسه والدة، وأمها هي اللي سابت بيتها وجات تخدمها، وإنتِ بدل ما تشكريها طلبتي منها فلوس؟ واحدة قالت البنت من حقها تفضل فاكرة اللي حصل لها. وواحد ضحك وقال أهو اللي بيزرع حاجة بيحصدها.
حماتي كانت بتسمع كل الكلام ووشها احمر من الغضب، وفجأة قامت قاعدة على السرير مرة واحدة، لدرجة إن خرطوم المحلول اتشد واتحرك من مكانه، وصاحت ظلم! والله أنا ما طلبت من أمها ال جنيه! إمتى أنا طلبت منها فلوس أصلًا؟ وبصتلي وهي على وشك تعيط أنا أصلًا دفعت 50 ألف جنيه لمركز رعاية بعد الولادة مخصوص عشانها!
أنا ضحكت بسخرية وقلت مركز رعاية بعد الولادة ب ألف جنيه؟ أنا بعد ما خرجت من المستشفى روحت على بيتنا على طول! أنا أصلًا عمري ما شفت مركز الرعاية ده!
حماتي اتعصبت أكتر، وصوتها علي سلمى! لو إنتِ مش عايزة تخدميني، أنا مش هاجبرك! لكن ما ينفعش تكذبي عليا كده! مش خايفة ربنا يحاسبك؟ وهي بتتكلم بعصبية وانفعال، فقدت توازنها فجأة، جسمها مال ناحية جنب السرير، وفجأة وقعت على الأرض. دَوِي! صرخت من الوجع آه! ضهري! ضهري بيوجعني!
الممرضة والدكتور سمعوا الصوت وجروا على الأوضة إيه اللي حصل؟ ما تتحركيش! ممنوع الحركة! رفعوها بحذر ورجعوها على السرير، وثبتوا ضهرها تاني، وعدلوا المحلول. حماتي كانت بتعرق عرق بارد، ووشها كله متلوّي من الألم. ولثواني، قلبي رق لها، حسيت فعلًا إني زودتها عليها، لكن أول ما افتكرت اللي حصل من خمس سنين، الإحساس ده اختفى، وبالعكس، حسيت إن الدنيا أخيرًا بتجيبلي حقي. يمكن ده جزاء اللي عملته، يمكن كل واحد بيزرع حاجة، بييجي يوم ويحصدها. بصيت لحماتي وقلت لنفسي ما تلومينيش يا حماتي إني بقيت قاسية، إنتِ عملتي اللي عملتيه، وأنا دلوقتي بعمل اللي عليا، إنتِ بدأتيها، وأنا بس بردها لك.
الجزء الثاني
لما اتجوزت أحمد، حماتي كانت في البداية مختلفة تمامًا. كانت تمسك إيدي وتبصلي بحنان وتقول يا سلمى، أهلك بعيد عنك، ومفيش ليكي حد هنا، من النهارده أنا أمك، هاحبك زي بنتي بالظبط، ومش هاسمح لحد يظلمك أو يزعلك طول ما أنا عايشة. وقتها أنا صدقتها فعلًا، كنت فاكرة إني محظوظة، قلت لنفسي إن ربنا رزقني بحماة حنينة، فاهمة يعني إيه واحدة غريبة تدخل بيت ابنها. لكن بعد كده اكتشفت إن كل الكلام ده كان مجرد تمثيل، ومجرد ما دخلت فترة النفاس، وشها الحقيقي ظهر بالكامل.
أنا ولدت قبل ميعادي، وكان الحبل السري لافف حوالين رقبة البيبي تلات مرات. الدكتور قال إن الولادة الطبيعية خطر، ولازم أعمل عملية قيصرية. بعد العملية، لما تأثير البنج بدأ يروح، الألم كان بشع، مكان العملية كان بيوجعني كأنه بيتقطع من جوه، كنت مش قادرة حتى ألف جسمي على السرير. كنت ببص على الست اللي على السرير اللي جنبي؛ كان حواليها أهلها من الناحيتين، أمها قاعدة جنبها، وأبوها بيجيب لها حاجات، وجوزها مش سايبها، كل شوية حد يسألها محتاجة حاجة؟ أجيبلك شوربة؟ عايزة مية؟ مرتاحة؟ والأكل السخن والمرق والحاجات المفيدة كانت مش بتخلص.
أما أنا... فكنت لوحدي تقريبًا. أمي كانت على بعد أكتر من ألف كيلو، والشخص الوحيد اللي كان واقف قدام سريري هو جوزي أحمد. بصيت له بصعوبة وسألته ماما فين؟ وشه اتغير شوية، وبان عليه الإحراج، وسكت كام ثانية قبل ما يقول أصل... ماما مشغولة. مشغولة في إيه؟ اتردد شوية وقال بتروح ترقص في النادي، ومش عندها وقت تيجي. الجملة دي نزلت عليا زي جردل تلج. أنا كنت لسه والدة بعملية، وجسمي كله بيوجعني، وكل اللي كنت محتاجاه وقتها حد يقف جنبي، لكن حماتي حتى ما كلفتش نفسها تيجي المستشفى. ومرت أيام المستشفى، ولا ظهرت، ولا حتى سألت عليا بنفسها.
ولما جه وقت الخروج، كنت محتاجة حد يساعدني في النفاس، فقلت لنفسي أكيد المرة دي هتيجي، أكيد مش هتسيبني بعد ما أرجع البيت. لكن أحمد قاللي ماما سافرت. بصيت له سافرت فين؟ قال عاملة رحلة سياحية لمدة شهر، وأنا حاولت أقنعها تيجي، بس هي كانت حاجزة الرحلة ومصممة تسافر. معلش، الفترة دي هنستحمل ونعتمد على نفسنا.
وهكذا رجعت البيت وأنا شايلة بنتي الصغيرة. البيت كان بارد وفاضي، أحمد كان مشغول في شغله؛ يخرج الصبح ويرجع بالليل متأخر، وأنا كنت لسه خارجة من عملية، جسمي ضعيف، مكان العملية بيوجعني، ومع ذلك ما كانش عندي حد يساعدني. كنت لازم أقوم بنفسي؛ أرضع بنتي، أغير لها، أهديها، أغسل هدومها، وأحاول آكل أي حاجة، حتى الأكل السخن ما كنتش بلاقيه، كنت ساعات أمسك رغيف عيش بارد وآكله وخلاص. لما بنتي كانت تعيط، كنت بعيط معاها. الليل كله كان بيعدي وأنا صاحية؛ هي تعيط، وأنا أهديها، أحاول أنام شوية، هي تصحى تاني، وأرجع أصحى. ليلة ورا ليلة، كنت حاسة إني خلاص هانهار، كنت حاسة إني داخلة على اكتئاب بعد الولادة، كنت محتاجة حد ينقذني.
وفي الآخر، ما لقيتش قدامي غير أمي. مسكت التليفون واتصلت بيها وأنا بعيط ماما، تعالي بسرعة! أنا مش قادرة! مفيش حد هنا يساعدني! أنا خلاص مش مستحملة! أمي كانت بعيدة عني أكتر من ألف كيلو، لكن أول ما سمعت صوتي، ما فكرتش حتى، قلقت عليا جدًا، وفي نفس الليلة حجزت تذكرة طيران وجاتلي.
أول ما وصلت، بدأت تخدمني في كل حاجة؛ تغسل الهدوم، تطبخ، تنضف، تشيل بنتي، وتخليني أنام. ولو بنتي عيطت بالليل، أمي هي اللي كانت تقوم؛ كانت تاخدها وتحضنها وتهديها، وتفضل صاحية عشان أنا أنام شوية. ومرت الأيام، أسبوع ورا أسبوع، وأمي فضلت معايا حوالي تلات شهور. تلات شهور كاملة وهي بتصرف من معاشها على الأكل والمصاريف. أنا وبنتي نور بقينا بصحة كويسة، بقينا ممتلئين وصحتنا تحسنت، حتى أحمد نفسه زاد وزنه شوية. لكن أمي... أمي خسّت حوالي عشرة كيلو، وشها دبل، وعضم خدودها بقى ظاهر، وأنا كنت موجوعة عليها جدًا. في يوم قلت لها ماما، إنتِ تعبتي أوي بسببي، أنا آسفة إنك اتعذبتي كده، كله بسببي