درس العمر بقلم: منى السيد

لمحة نيوز

أسبوع، والشغالة بتيجي تنضف وتمسح، وإنت يدوبك بتديني مصروف البيت بالقطارة عشان تكمل قسط الموبايل الأيفون اللي شريته بالقسط عشان تفشخر بيه قدام صحابك!
الصالة كلها سكتت. السكون كان فظيع لدرجة إن صوت عقارب الساعة في الحيطة كان مسموع بوضوح. محمود كان وشه محروق، وعينيه تايهة في أطباق السفرة مش عارف يبص فين، والكدبة الكبيرة اتهدت في ثانية قدام مراته وزميله.
في اللحظة دي، بص رامي لمحمود، وبعدين بص لمريم؛ حس بمزيج بين الصدمة والغيظ من نفسه والندم العميق. الراجل اللي كان بياخده قدوة وخرّب بيته بسببه طلع أراجوز عايش في وهم وبيستعرض برجولة زائفة!
مريم قطعت الصمت بذكاء وضحكت بخفة يا ستي كل البيوت فيها أسرارها، المهم إنكم منورينا الليلة.. كل يا محمود متتكسفش، رامي صاحبك برضه ومفيش بينكم أسرار!
محمود كمل أكله وهو باصص في طبقه ومفتحش بؤه بكلمة تانية طول السهرة، ونهى كانت مروقة وبتشرب عصيرها بانتصار.
الساعة جت حداشر، محمود ونهى استأذنوا ونزلوا، ومحمود نازل ع السلم وراسه في الأرض من الخجل.
رامي قفل الباب، ولف ضهره. الشقة كانت هادية، وأطباق العزومة المتوسخة مالية السفرة والمطبخ. مريم وقفت قدامه وبصتله من غير ما تتكلم؛ عينيها بتقوله أدي صاحبك اللي كنت بتهد بيتك عشانه، وأدي النتيجة.
مشي رامي بخطوات تقيلة، ووقف قدامها بعينين مكسورة، وقال بصوت واطي بس صادق لأول مرة مريم.. أنا آسف. أنا كنت أعمى يا مريم.. كنت غبي وتافه وبجري ورا كلام فارغ ومنظرة ملهاش أي تلاتين لزمة. محمود ده طلع مسكين وأنا كنت أهبل منه لما سمعتله وجيت أفرضه عليكي في بيتك. أنا نسيت إنك إنتي اللي شيلتيني، ونسيت إن تعبك وشقاكي في التجمع هو اللي ساترنا، وإني من غير تدبيرك مكنتش هعرف أعيش أسبوعين على بعض بمرتبي ده.
قربت مريم منه، ونظرتها لانت شوية، بس الحزم كان لسه موجود الاعتذار حلو يا رامي، بس الأفعال هي اللي بتثبت. أنا مش عدوتك، ولا عمري كنت داخلة معاك في ندية ولا مسابقة مين بيكسب أكتر. إحنا دخلنا البيت ده شركاء، بنشقى سوا ونتعب سوا عشان نعمل بيت نظيف ومستقبل لينا ولعيالنا لما يجوا. لكن إنك تدوس عليا، وتستقل بيا وبتعبي، وتفتكر إن الفلوس بتديك حق إنك تقلل من قيمتي وتخليني خادمة عندك، ده اللي مكنتش هسمح بيه أبداً، حتى لو كان التمن إني أسيب البيت ده ومارجعلوش تاني.
مسك رامي إيديها الاتنين وباسهم حقك عليا.. والله العظيم فهمت، والدرس علم في دماغي ومش هنساه ليوم الدين. من النهاردة مفيش كلمة تتقال بعد كلمتك في إدارة قرش البيت، وكل اللي اتفقتِ عليه هيتنفذ بالحرف، من بكرة الصبح.
ابتسمت مريم وسحبت إيدها بهدوء، وشاورت بصباعها على السفرة والحوض المليانين من بكرة الصبح إيه يا رامي؟ الرهان بيبدأ من اللحظة دي بالظبط! دلوقتي؟
قعدت مريم على كرسي الصالون، وحطت رجل على رجل وشغلت التليفزيون أيوة دلوقتي يا بو الروس. شمر كمامك، ادخل على المطبخ، شيل الأكل، اغسل المواعين بالسلكة والصابون، ومتنساش تمسح الرخامة بعد ما تخلص.. وبعدين تاخد جردل المسح والديتول وتدخل على الحمام تخليه يبرق زي المراية، عشان قدامك ست شهور خدمة فيه!
بص رامي للمطبخ، وبص لمريم، ولقى نفسه بيضحك غصب عنه؛ ضحكة راجل أدرك إنه خسر المعركة بغبائه بس كسب بيته ومراته اللي بتفهم قبل ما يضيعوا من إيده للأبد. شمر كمام قميصه، وقلع ساعته حطها على الترابيزة، وقال وهو داخل على المطبخ أمرك يا ستي.. بس كوباية شاي بنعناع بقى من إيدك الحلوة دي تصبرني ع المواعين؟
ضحكت مريم من قلبها وقالت حاضر يا رامي.. لما أشوف لمعة الأطباق الأول!
ومن الليلة دي، اتعلم رامي إن الرجولة مش بالصوت العالي ولا بعدّ الفلوس ولا بكلام القهاوي الفاضي، وإن الست الأصيلة مش هي اللي تطاطي وتتكسر، الست الأصيلة هي اللي تعرف تسند بيتها بذكائها، وتحط كل واحد في مقامه الصح، بالورقة والقلم ومن غير نقطة دم واحدة.
النهاية

تم نسخ الرابط