درس العمر بقلم: منى السيد
المحتويات
بتاعتي نازل بكره، ومفيش في جيبي جنيه، عايزك تحولي العشرة آلاف زي كل شهر الله يسترك عشان البنك ميعمليش مشكلة.
قال له رامي وسط زحمته ورغبته إنه ميبانش ضعيف قدام أخوه حاضر يا معتز، نصاية وهحولك من الأبلكيشن.
فتح رامي تطبيق البنك، بس فجأة عينيه برقت زي الفنجان، وضرب كف بكف. الرصيد في الحساب الجاري كان فيه ألفين وثمانمية جنيه بس! مسك راسه بإيديه الاتنين إزاي؟! أنا مرتبي نزل من أسبوعين بس! فين الأربعين ألف جنيه؟!
فتح كشف الحساب وبدأ يقرأ، وبدأ العرق ينزل على جبينه زي المطر
قسط العربية تسع آلاف جنيه اتخصم أوتوماتيك أول الشهر.
مصاريف بنزين وكارتات وطريق تلات آلاف وخمسمية.
سحب نقدي ومطاعم وديليفري وكافيهات في أسبوعين بس ستاشر ألف جنيه!
فواتير غسيل ومكواة وست النضافة تلات آلاف جنيه.
جمعية كان داخل فيها مع زمايله خمس آلاف جنيه.
الحسبة كانت مخرومة من كل اتجاه. رامي مكانش بيحسب إن مريم كانت في الأيام العادية هي اللي بتسند معاه في تفاصيل مكنش بيلقي لها بال؛ زيت العربية، تموين التلاجة بالجملة بربع التكلفة، والتدبير اللي مكنش بيحس بيه. اتصل بيه معتز تاني إيه يا رامي، الفلوس لسه موصلتش؟ اتعصب رامي اصبر شوية يا معتز! مزنوق في الشغل هشوف وأكلمك! وقفل السكة في وش أخوه.
حاول رامي يحوّل من كارت المشتريات الفيزا المشتركة اللي دايمًا كان بيعتبرها النجدة. دخل عشان يحول العشر آلاف لمعتز، بس ظهرتله رسالة بالخط العريض العملية مرفوضة.. تجاوز الحد الائتماني المتاح!
اتصدم رامي؛ الحد المتاح للكارت كان خمسين ألف جنيه! اتصل بخدمة العملاء فوراً وهو بيغلي ألو.. مساء الخير، لو سمحت أنا بحاول أسحب من كارت الائتمان المشترك والعملية بتترفض ليه؟
رد الموظف بهدوء بعد مراجعة البيانات يا فندم، الكارت تم استخدامه بالكامل، وفي مديونية متأخرة بمبلغ ستين ألف جنيه لازم تتسدد قبل يوم عشرين عشان الفوايد متزيدش، بالإضافة إن الشريك التاني في الحساب الأستاذة مريم قامت بإلغاء خاصية السحب التلقائي من حسابها لتغطية الكارت بناءً على طلب رسمي قدمته من فرع البنك الأسبوع اللي فات.
التليفون كان هيقع من إيد رامي يعني إيه ألغت السحب التلقائي؟! يعني يا فندم كل المبالغ المسحوبة على الكارت ده تخص العمليات اللي حضرتك قمت بيها، والأستاذة مريم سددت نصيبها من المشتريات المشتركة فقط ورفعت إيدها عن باقي المديونية حسب اللائحة طالما تم الفصل الحسابي.
رجع البيت يومها زي التايه. دخل الشقة، لقى ريحة بخور هادية، ومريم قاعدة على السفرة بتتعشى طبق مكرونة بالوايت صوص وسلطة، ومشغلة فيروز بهدوء تام. رزع باب الشقة وراه بكل قوته، ووقف قدام السفرة ووشه أحمر وعروق رقبته ناطة إنتي إيه اللي هببتيه في البنك ده يا هانم؟! إزاي تلغي السحب التلقائي للفيزا من ورايا؟! إنتي عايزة تفضحيني مع البنك؟ وعايزة تسجنيني؟!
مسحت مريم بؤها بالمنديل برقة وبصتله بعينين مفيهاش ذرة خوف أولاً، وطي صوتك عشان الجيران ميسمعوش قلة ذوقك. ثانياً، أفضحك بإيه يا سي رامي؟ مش إنت اللي طلبت إن كل واحد يعيش بفلوسه؟ أنا دفعت نصيبي في فواتير البيت، ودفعت تمن مشترياتي اللي اشتريتها بالكارت بالقرش. بقية المديونية دي بتاعت مين؟ مش بتاعت سهراتك في الكافيهات، والفسح اللي كنت بتدفعها لأصحابك، والتحويلات اللي كنت بتبعتها لأخوك من ورا ضهري؟
اتسمر رامي مكانه لما سمع اسم أخوه إنتي... إنتي بتفتشي ورايا؟! أنا مابفتشش، أنا ست كنت مدياك أماني، بس لما لقيتك بتدوس عليا وعايز تخليني خدامة في بيتي عشان فاكر نفسك المليونير اللي شايلني، كان لازم أعرف الباشا فلوسه بتروح فين. أتاريك مديون لطوب الأرض، ومقضيها منظرة وشو وفشخرة كدابة، وأنا اللي كنت ساندة بيتك ومغطية عيوبك وفضايحك المالية من مرتبي وشقايا!
حاول رامي يمسك نفسه وصوته بدأ يتهز أنا.. أنا مش مديون! ده كارت ائتمان عادي وكل الناس بتتعامل بيه!
وقفت مريم وقربت منه خطوة تمام، طالما عادي، سدده يا بطل. سدد الستين ألف اللي عليك، وسدد قسط معتز أخوك، واصرف على أكلك وشربك وغسيل هدومك للأسبوعين الجايين.. بس من غير ما تمد إيدك على جنيه واحد من جيبي. مش كنت بتقول في أسبوعين هاجي أبوس إيدك عشان قرشين؟ أدي الأسبوعين عدوا يا رامي، تفتكر مين فينا اللي محتاج يبوس إيد التاني دلوقتي عشان يلاقي ياكل؟
مقدرش رامي يرد، لسانه اتعقد. وفي اللحظة دي، جرس الباب رن. بصت مريم للباب وابتسمت لرامي ابتسامة خبيثة روح افتح، تلاقيه ضيف عزيز عليك قوي جاي يزورك في ميعاده بالظبط.
مشي رامي زي المسطول وفتح الباب.. كان واقف قدامه محمود صاحبه، ومراته نهى! محمود كان مبتسم ابتسامة عريضة وشايل علبة حلويات شرقية فاخرة، وقال بصوت عالي مساء الخير يا عريس! مريم اتصلت بنهى وعزمتنا على العشا الليلة، قالتلي إنك عامل عزومة مخصوص عشان تحتفل بمرورك بنص الشهر وأنت شايل البيت لوحدك ومبسوط من التجربة! فين الأكل يا رامي؟ ريحة المشويات فين يا بطل؟
حس رامي إن الأرض بتلف بيه، وبص وراه لمريم اللي كانت واقفة عند باب المطبخ، مربعة إيديها، وبتبتسم له نفس الابتسامة الباردة.. والحرب الحقيقية كانت لسه بتبدأ!
الجزء الثالث والأخير
رامي كان واقف ورا الباب رجليه مش شايلاه، ودمه هرب من وشه في ثواني. علبة الحلويات في إيد محمود بتلمع بشريطة حمرا، ومحمود داخل بصدره المفتوح وضحكته الرنانة، وجنبه نهى لابسة ومتشيكة وبتبتسم ابتسامة هادية عارفة كواليسها.
إيه يا رامي يا صاحبي؟ مالك متنح كده ولا كأنك شفت عفريت؟ ما توسع يا عم العتبة خلينا ندخل! خبط محمود على كتف رامي ودخل الصالة وهو بيبص يمين وشمال.
خرجت مريم من المطبخ بخطوات واثقة، لابسة فستان بيتي شيك جداً، وبابتسامة تدرّس في برود الأعصاب أهلاً يا محمود، نورتوا يا نهى يا حبيبتي، اتفضلوا اتفضلوا، البيت بيتكم والله!
سلمت نهى على مريم بحرارة تسلمي يا مريومة، ألف مبروك العزومة الرايقة دي، والله محمود من ساعة ما رامي قعد يحكيله على النظام الجديد وهو قالب دماغي، قولتله لازم نيجي نشوف الشطارة دي على عينك يا تاجر!
قفل رامي الباب ببطء شديد، ولسانه مربوط، ومشي وراهم وهو بيفرك في إيديه العرقانة بين السفرة الفاضية وبين مريم اللي واقفة بكل براءة. حط محمود الحلويات على الترابيزة وقعد بكل أريحية ها يا أبو الروس! الشغل عالي باين عليه.. مريم قالت لنهى في التليفون إنك حلفت يمين طلاق إن العزومة دي كلها من أولها لآخرها على حسابك ومن ذوقك وتدبيرك، وإنك مش هتخليها تمد إيدها في حاجة خالص عشان توريني الرجولة والتكفل الصح بيبقى عامل إزاي!
رامي حس بريقه نشف، وهمس بصوت مش طالع وهو باصص لمريم برعب مريم... إنتي... إنتي مجهزتيش حاجة؟
رفعت مريم حواجبها ببراءة مصطنعة أجهز إيه يا حبيبي؟ هو إحنا مش اتفقنا؟ أنا الست اللي دوري اتلغى خلاص بقرار منك، وإنت ما شاء الله رب الأسرة الصراف اللي شايل الليلة كلها بمرتبك العالي. إنت مش قولت لمحمود إن الست متسألش على فلوس ولا تشيل هم
متابعة القراءة