طمع الأقارب حكـايات مني السيد حصري

لمحة نيوز

الإدارة العامة توافق! مدحت كان ماشي معاك بالحب عشان زمالة الشغل، لكن الإدارة قررت تعمل هيكلة ومراجعة لحسابات السنة المالية في يوليو، لما لقوك غايب وطلبك مش ماضي عليه العضو المنتدب، اعتبروك منقطع عن العمل بقالك أسبوعين! مدحت كان بيحاول يداري عليك وكلمك ميت مرة تليفونك مقفول عشان الهانم كانت بتاخد منك التليفون عشان تركز في شغل الشقة والسباكة وما تضيعش وقت. لما يئس منك، كلمني أنا عشان رقمي متسجل في ملف الطوارئ بتاعك في الشركة. مدحت قالي لو أشرف ما ظهرش بكرة الصبح يوم السبت وقدم عذر طبي رسمي أو تقرير يثبت سبب انقطاعه، قرار الفصل هيطلع يوم الأحد الصبح ويسودوا له ملفه في التأمينات!
أشرف حط إيديه على راسه وقعد يشد في شعره بجنون شغلي؟! شغلي هيضيع مني؟! أنا بقالي تسع سنين بتعب في الشركة دي عشان أوصل للمرتب والدرجة دي! كل ده يروح عشان أدهن حيطان نيرمين وأبلط لها الحمام؟! أنا انتهيت يا فيروز... أنا ضيعت مستقبلي ومستقبل بيتي بإيديا! وانهار في عياط هستيري، جسمه كله كان بيتنفض.
فيروز فضلت هادية، ماتحركتش من مكانها، لكن عينيها كانت حادة زي الموس إنت لسه ما انتهتش يا أشرف، بس واقف على حرف الهاوية. إما تاخد خطوة لورا وتسترجل وتصلح الخراب ده، وإما ترمي نفسك في البير وساعتها ما تلومش إلا نفسك، ولما تقع مش هتلاقيني واقفة مستنياك، لأني مش هغرق مع غريق قرر ينتحر بمزاجه.
أشرف زحف على ركبه ومسك طرف ترابيزة السفرة، باصص لها بعيون مليانة دمع ورجاء أعمل إيه يا فيروز؟ قولي لي أعمل إيه وأنا هنفذ بالحرف، والله العظيم حرمت، أختي دي أنا مش عايز أشوف وشها تاني، اعتبريها ماتت من حياتي! بس الحقيني من الفصلة دي، لو اتفصلت في السن ده مش هلاقي شغلانة تسندنا ولا هعرف أجيب مليم للبيت!
فيروز اتنهدت تنهيدة طويلة، حطت إيديها على السفرة وشبكت صوابعها ببعض، وبدأت ترسم الخطة بنبرة هادية بس صارمة كأنها ظابط أركان حرب اسمعني كويس، وافتح ودانك للكلمة اللي هقولها، عشان دي طوق النجاة الوحيد، ولو فرطت فيه، باب الشقة دي هيتقفل وراك ومش هتشوف عتبته تاني. أشرف هز راسه بسرعة وهو بيمسح دموعه سامعك... قولي وأنا وراكي في أي حاجة. أولاً تقوم دلوقتي حالا، تدخل الحمام، تستحمى وتنضف من تراب ومونة نيرمين، وتحلق دقنك دي اللي شبه المشردين، وتلم التيشيرت والهدوم المقرفة دي في كيس زبالة وتترمي في مقلب الزبالة تحت، مش عايزة أشوف أثر للذل ده في بيتي. ثانياً أنا كلمت الدكتور طارق، استشاري الجراحة في المستشفى عندنا، وهو راجل محترم وله كلمته، شرحت له إنك وقعت في البيت وجالك انزلاق غضروفي حاد وشد عضلي في الفقرات القطنية منعك من الحركة، وهيطلع لك تقرير طبي معتمد ومختوم من مستشفى حكومي بتاريخ من أسبوعين فاتوا، وفيه إجازة مرضية رسمية تلات أسابيع. التقرير ده هيحميك من الفصل قانوناً وهيجبر شركتك تقبل غيابك كإجازة مرضية مدفوعة الأجر جزئياً، والتقرير ده أنا اللي دافعة تمن رسومه وأتعابه من حر مالي. ثالثاً بقى، وده الأهم... الشغل هيتلم، بس كرامتك وحقك اللي اتداس عليه تحت الجزم عند أختك هو اللي مش هيمر بالساهل.
أشرف بلع ريقه وسألها بصوت واطي نيرمين؟ هنعمل معاها إيه؟ دي قفلت الباب في وشي ومعاها عقودها والزبون الخليجي اللي أجّر، دي مش هتديني مليم يا فيروز. فيروز ابتسمت ابتسامة ما تبشرش بالخير لأي حد يقف في طريقها نيرمين فاكرة نفسها داهية ومفيش أذكى منها، بس هي غبية وجهل القانون عماها. هي مفكرة إن لما الشقة تكون بيع وشرا باسمها، وإنك اشتغلت عندها من غير عقد، يبقى حقك راح في الهوا. نسيت إن في حاجة اسمها فواتير الخامات، ونسيت إن السمسار اللي جايب لها الزبون ده، أصلاً قريبي من بعيد!
أشرف برّق عينيه بذهول الحاج شوقي السمسار يقربلك؟! الحاج شوقي ابن عمة والدتي الله يرحمه، وهو اللي كلمني من أسبوعين لما نيرمين نزلت تسأله عن تأجير الشقة مفروش. قالي ساعتها يا فيروز، أخت جوزك جاية تعرض عليا شقة الدقي مفروش وبتقول إن أخوها بيشطبها ومخلص فيها كل حاجة، وأنا ساعتها قولت له يماشيها ويثبت الزبون. الزبون الخليجي اللي هي مأجرة له، عقد الإيجار بتاعه لسه ما اتوثقش في الشهر العقاري، والراجل دافع العربون بس مش كل الفلوس. ونيرمين عشان بخيلة وطماعة، اشترت خامات السباكة والكهربا والسراميك بالآجل من محلات بين السرايات والرويعي، وباسم مين بقى الفواتير يا ناصح؟
أشرف اتلجم لسانه وفكر ثانية وفجأة عينيه وسعت باسمي أنا! الفواتير كلها طالعة باسم أشرف كمال لأن هي ما كانتش بترضى تنزل معايا المحلات وتقولي روح إنت يا أشرف عشان التجار ما يضحكوش على ولية! بالظبط كده يا باشمهندس! قالتها فيروز وهي بتخبط على السفرة خبطة خفيفة مليانة ثقة الفواتير بتاعة السيراميك، وأطقم الحمامات، وأسلاك السويدي، ومواسير الشريف كلها طالعة باسمك ورقم بطاقتك إنت، وقيمتها داخلة في تمانين ألف جنيه غير يوميات الصنايعية والهدة اللي هديتها فيها. ومعايا إيصالات السداد المؤقتة اللي إنت كنت سايبها هنا في درج المكتب من غير ما تاخد بالك.
أشرف بدأ يستوعب أبعاد الموقف، بس الخوف كان لسه ماليه طب وده يفيد بإيه؟ نيرمين هتقول أنا اديته الفلوس كاش يشتري بيهم! تقول اللي تقوله في المحكمة! ردت فيروز بحسم بالقانون، إنت معاك فواتير رسمية مسجلة باسمك لمشتريات خامات نزلت في عقار ملكها هي. والأهم من ده، إن الحاج شوقي متفق معايا إنه مش هيسلم العقد للمستأجر ولا هيدخل الشقة إلا لما نيرمين تخلص بنود التشطيبات القانونية. نيرمين لو حست إن الشقة ممكن يتوقف تأجيرها، أو إننا هنرفع عليها دعوى إثراء بلا سبب ونحط حجز تحفظي على عداد الكهربا والمية والفرش اللي بيتشحن دلوقتي من معارض فيصل، هتترعب رعب الموت. الزبون الخليجي مش بتاع مشاكل، لو لقى محضر واحد أو نزاع قضائي على الشقة، هيفسخ العقد وياخد عربونه ويجري، وساعتها نيرمين هتقعد في شقتها الخرابة وهي عليها ديون للتجار، والديون دي باسمك إنت وإحنا نقدر نوقف التجار يطالبوها بيها على عين المكان!
أشرف بص لمراته كأنه بيشوفها لأول مرة، حس بهيبة الست دي، بذكائها اللي كان طول عمره غافل عنه ومش شايف غير عنادها في مواجهة طمعه وطمع أخته. دمعت عينيه تاني بس المرة دي دمعة خجل وندم أنا آسف يا فيروز... أنا كنت حمار، وظلمتك كتير. كنت دايماً أقول عليكي قلبك قاسي وما بتحبيش أهلي، وطلعتي إنتي الوحيدة اللي خايفة عليا وبتفكري في مصلحتي حتى وأنا بغرز في الطين.
فيروز قامت من على الكرسي، وقفت جنبه وحطت إيدها على كتفه بقوة الحب مش كلام واعتذارات يا أشرف. الحب أفعال ومواقف. وأنا ما بدافعش عنك عشان سواد عيونك، أنا بدافع عن كيان بيتي اللي بنيته معاك. بس لازم تفهم حاجة واحدة... الفرصة دي الأخيرة. لو عديت منها ورجعت ريما لعادتها القديمة، مش هتشوف وشي تاني، وورقة طلاقي هتكون ساباني لعند المأذون. مفهوم؟ مفهوم، أقسم بالله العظيم وحياة راسك الغالية عندي مفهوم، ومش هخالف لك كلمة بعد النهاردة أبداً!
مرت الساعات تقيلة ومحمومة. أشرف دخل الحمام، غسل تعب شهر كامل بالمية السخنة، طلع وهو حاسس إن جلده القديم اتسلخ عنه. لبس هدوم نظيفة، وفيروز عملت له أكل خفيف وشوربة عشان يسترد حيله. مع المغرب، نزلوا سوا وراحوا عيادة الدكتور طارق في المهندسين، واستلموا التقرير الطبي المعتمد اللي بيثبت إصابته المؤقتة، ومكتوب فيه تفاصيل الحالة بطريقة قانونية مية في المية ما تخرش المية.
ويوم السبت الصبح، الساعة تمانية بالدقيقة، دخل أشرف مقر شركته في الدقي. كان لابس بدلته الكحلية، قميصه الأبيض المكوي، وماشي بخطوات تقيلة شوية عشان يثبت أثر التعب. زمايله في قسم الحسابات بصوا له بذهول واستغراب بعد غياب أسبوعين. دخل على مكتب أستاذ مدحت، اللي أول ما شافه قام وقف ونفخ بغضب إيه يا أشرف؟! كنت فين يا بني آدم؟! الشركة مقلوبة عليك والإدارة العامة عملت فيك مذكرة غياب! إنت نسيت إنك راجل محاسب وفاهم لوائح العمل؟! أشرف طلع التقرير الطبي والروشتات وحطهم على مكتب مدحت بهدوء حقك عليا يا أستاذ مدحت، غصب عني والله، انزلاق غضروفي مفاجئ في البيت والمسكنات كانت مخلياني مش داري بالدنيا، ومراتي حاولت تكلم الشركة الخط كان مشغول. ده التقرير الطبي المعتمد من المستشفى، وده طلب تحويلي للكومسيون الطبي عشان يعتمد الإجازة بأثر رجعي.
مدحت مسك التقرير، بص على الختم المعتمد واسم الدكتور الكبير وتفاصيل المستشفى الحكومي، ملامحه هديت شوية وهز راسه بأسف ألف سلامة عليك يا أشرف، بس المرة الجاية ما تسيبش تليفونك مقفول وتخلينا في حيص بيص. عموماً، الحمد لله إنك جيت النهاردة بالذات، قرار الفصل كان معروض على ترابيزة الشؤون القانونية عشان يتوقع بكرة، بالتقرير ده أنا هروح حالا للأستاذ فريد مدير الموارد البشرية واوقف القرار ونسجلها إجازة مرضية رسمي. بس من يوم السبت الجاي يا أشرف تكون على مكتبك، مش هنستنى أكتر من كده! حاضر يا فندم، وتحت أمر الشركة، وأنا من يوم السبت الجاي هكون موجود ومفيش إجازات تاني لحد آخر السنة.
خرج أشرف من الشركة وهو حاسس إن روحه ردت فيه، عبء تقيل انزاح من على صدره، الشغل اللي كان هيضيع والستر اللي كان هيتكشف، اتلحق في آخر ثانية بفضل تخطيط فيروز وتصرفها السريع.
لكن خطة فيروز ما كانتش مجرد إنقاذ وظيفي، كان في حساب مفتوح مع الست نيرمين لازم يتقفل، ودرس لازم يتعلم في البيت كله. بعد الضهر، كانت نيرمين قاعدة في شقتها، مبسوطة ومفركشة صينية قهوة ومعاها اتنين من قرايبهم الستات، عمالة تتفاخر بجمال الشقة وتأجيرها أهو
شفتوا السيراميك الباركيه ده؟ ده أشرف جابهولي مخصوص فرز أول، والحمام ده السباكة بتاعته متكلفة دم قلبها. والحمد لله ربنا سترها معايا والزبون الخليجي دفع عربون ومستنيين نسلمه المفتاح كمان يومين على ما العفش يكمل. الواحد لما بيتعب بيلاقي، وربنا بيعوض الصابرين!
وفجأة، الباب خبط خبطات ورا بعض قوية ومنتظمة. نيرمين قامت تعدل طرحتها مين اللي بيخبط كده؟ ده زمانه السمسار جايب باقي الفلوس! فتحت الباب، بس اتفاجئت بالحاج شوقي السمسار واقف، وجنبه أشرف لابس بدلته وشكله هيبة ومفيش على وشه ذرة من أثر العتال اللي كان بيخدمها امبارح، وواقفة وراهم فيروز بنضارتها ونظرتها الصارمة، وجنبهم راجل لابس بدلة سمرا وماسك شنطة جلد في إيده محامي فيروز.
نيرمين اتلجلجت وابتسامتها اختفت خير يا حاج شوقي؟ في إيه؟ ومين الناس دي وداخلين كده ليه؟ الحاج شوقي ما دخلش، فضل واقف على العتبة وقال ببرود مساء الخير يا ست نيرمين. والله أنا جيت عشان أبلغك إن الزبون الخليجي اتصل بيا واعتذر عن إتمام عقد الإيجار بعد ما وصلته إشارة إن في نزاع على الشقة ومحاضر شغالة!
نيرمين شهقت وضربت صدرها نزاع إيه ومحاضر إيه يا راجل إنت اتجننت؟! دي شقتي وورثي من أمي! هنا تقدم أشرف خطوة لقدام، وبص لأخته في عينها لأول مرة بقوة خلتها ترجع خطوة لورا النزاع بتاعي أنا يا نيرمين. المحامي ده أستاذ رؤوف، موكل مني ومن فيروز، وإحنا رايحين دلوقتي على قسم الدقي نعمل إثبات حالة بالخامات اللي نزلت في الشقة دي وفواتيرها اللي باسمي. تمانين ألف جنيه خامات مسجلة باسمي أنا دافعهم من حسابي، ومحضر بالتعدي على حقوق الغير لأنك بتأجري شقة لسه مديونة لشركات السيراميك والسباكة.
نيرمين وشها بقى لونه أصفر زي الليمونة، وصوتها طلع مسرسع ومرعوب فواتير إيه يا أشرف؟! إنت اتجننت؟! هتحبس أختك وتعمل فيها محضر عشان شوية بلاط ومواسير؟! وإنت يا فيروز واقفة وراه وبتحرضيه عليا؟! حسبي الله ونعم الوكيل فيكم!
فيروز طلعت خطوة لقدام، نبرتها كانت هادية جداً، بس كل كلمة كانت بتنزل زي الرصاص وفري دعاكي يا نيرمين، الدعاء بيرجع لصاحبه لما يكون ظالم. إنتي اللي قلتي لأشرف امبارح الجدعنة ما بتتحسبش بالفلوس، والباب يفوت جمل، وإنتي اللي خصمتي منه تمن الشاي واللقمة اللي طفحها في خدمتك! فالأصول بقى بتقول إن طالما مفيش جدعنة ومفيش دم، يبقى القانون هو اللي يحكم. أشرف دفع تمن الخامات دي من جيبه ومن التزاماته، وإنتي يا تدفعي التمانين ألف جنيه كاش دلوقتي حالا وتاخدي فواتيرك وتخلصي، يا المحضر هيتعمل والشقة هيتعمل عليها حظر تأجير والزبون يطير، وشوفي بقى مين في السبتية والرويعي هيصبر عليكي لما يعرفوا إنك نصبتي على أخوكي!
نيرمين بصت لقرايبها اللي كانوا قاعدين جوة، وشافت في عيونهم نظرات الفضيحة والاستحقار، عرفت إن اللعبة اتقلبت عليها بالكامل، وإن فيروز مسكتها من إيدها اللي بتوجعها الفلوس والزبون والسمعة. فضلت تبص لأشرف، تحاول تستعطفه زي عادتها كده يا أشرف؟ تهون عليك أختك الكبيرة وشقا أمك يتفضح قدام الغريب؟ ده أنا لحمك ودمك!
أشرف رد عليها بجمود صخري، كلام طلع من أعماق قلبه اللي اتجرح اللي هان عليه لحمه ودمه وعمله عتال وكسر نفسه قدام الناس عشان يذله، ما يطلبش الرحمة يا نيرمين. إنتي ما افتكرتيش اللحم والدم وإنتي بتديني ورقة الديون امبارح وبتقولي لي روح لمراتك تصرف عليك. قدامك حل من اتنين يا تكتبي شيك أو وصل أمانة بالحاجات دي وتاخدي من عربون الزبون تسديها أول بأول، يا والله العظيم ما في زبون هيعتب الشقة دي، وهقفلها ليكي بالضبة والمفتاح بالقانون!
نيرمين قعدت على أقرب كرسي في الصالة وهي بتعيط قهر وغيظ، مش ندم على اللي عملته في أخوها، لكن عشان خطتها كلها فشلت واتحاصرت في الزاوية الضيقة. دخلت الأوضة ورجعت بعد خمس دقايق، رمت على الترابيزة شيك بمبلغ الخامات، ومعاه إقرار بالتنازل عن أي ادعاء مالي ضد أشرف، كتبته بإيدها تحت إشراف المحامي رؤوف.
أشرف مسك الورق، اتأكد منه، وبص لأخته نظرة أخيرة خالية من أي إحساس، وقال حق الخامات هيرجع لأصحابه، وعرقي وتعتيلي ليكي شهر كامل مسامح فيه لوجه الله، بس عشان أمي ترتاح في تربتها... لكن اعتبري إن ما لكيش أخ من اللحظة دي. رقمي تمسحيه، وباب شقتي ما تخبطيش عليه، ولو شوفتيني في الشارع صدفة، امشي في الرصيف التاني.
نزل أشرف وفيروز والحاج شوقي، وسابوا نيرمين في شقتها بتولع في غلها، وسط نظرات الخزي من قرايبها اللي خرجوا وراهم وهم بيهزوا راسهم على قلة أصلها وجشعها اللي ضيع أخوها وسندها الوحيد.
طلع أشرف وفيروز شقتهم في الدور التالت. قفل أشرف الباب، ووقف في نص الصالة، حاسس بتعب السنين كله فوق ضهره، بس في نفس الوقت، كان حاسس بحاجة غريبة ما حسهاش من سنين طويلة... حس إنه راجل، حر، مش عبد لحد ولا خاضع لابتزاز عاطفي باسم الأخوة المزيفة. بص لفيروز اللي كانت بتقلع طرحتها وبتعلق الشنطة، ومشي ناحيتها بخطوات بطيئة، وقف قصادها ونزل عينه في الأرض فيروز... الشيك ده هيتصرف أول الشهر من حسابها، الفلوس دي كلها هتدخل في حسابك إنتي، وفلوس الجمعية بتاعتك اللي اتكلمت عليها زمان اعتبريها محفوظة، ومن الشهر الجاي، مرتبي كله هيكون في إيدك تقسمي منه للبيت ولنفسك زي ما إنتي شايفة.
فيروز لفت وبصت له، عينيها ما كانش فيها قسوة، كان فيها هدوء النصر وراحة البال. قربت منه، وطبطبت على كتفه بحنية حقيقية كانت مفتقداها بقالها كتير الفلوس بتروح وتيجي يا أشرف، المهم إنك إنت اللي رجعت. الراجل اللي كنت شيفاه نايم على السلم مكسور ده ما كانش جوزي، إنما الراجل اللي وقف تحت وقال لأ في وش الظلم والطمع، ده الراجل اللي أنا اخترته وكملت معاه. بس خليك فاكر... الدرس ده كان غالي أوي، وربنا سترها المرة دي، فما ترجعش تفتح الباب للشيطان تاني، لا باسم أمك الله يرحمها، ولا باسم الدم واللحم. البيت ده له حرمته، وكرامتك فيه هي كرامتي.
أشرف مسك إيد فيروز وباسها باحترام اتعلمت يا فيروز... والله العظيم اتعلمت، وربنا يقدرني وأعوضك عن كل حرقة دم شوفتيها بسببي.
فيروز ابتسمت ابتسامة هادية، ولفت وشها ناحية المطبخ طب ياللا بقى ادخل غير هدومك، على ما أعمل لنا غدا معتبر، زمانك ميت من الجوع بعد الهوجة دي كلها. والسبت الجاي ترجع شغلك زي الباشا، كفاية إجازات وهبل.
دخل أشرف أوضته وهو حاسس إن الحيطان اللي كانت خنقاه بدأت تتنفس، وإن الحياة اللي كانت هتتهد فوق دماغه رجعت تتبني من جديد، بس المرة دي على أساس متين من غير نفاق ولا ضعف. أما فيروز، فوقفت قدام شباك المطبخ، بصت على شوارع الدقي الزحمة، وهي عارفة إن المعركة مع نيرمين خلصت، بس الحكاية لسه فيها فصول تانية من الحياة ومفاجآتها، والست الأصيلة هي اللي تعرف تحمي بيتها وتفضل واقفة على رجليها مهما هبت العواصف!
تمت.

تم نسخ الرابط