طمع الأقارب حكـايات مني السيد حصري

لمحة نيوز

مقسومة نصين بالمللي، إيجار ما فيش عشان شقتي، بس تمن لقمتك، تمن النور والمية والغاز، ومصاريف غسيل هدومك ومسحوق الغسالة الأوتوماتيك، تجيبهولي كاش في إيدي كل أول شهر. ما معكش؟ الهانم أختك اللي مشغلاك عندها تصرف عليك وتديك يوميتك ووجبتك السخنة هناك!
أشرف وشه اتخطف وبقى لونه رمادي إنتي بتقولي إيه يا فيروز؟! بتعايريني بشقتك؟! وعايزاني أدفع تمن أكلي في بيتي؟! دا أنا جوزك! والشرع والدين بيقولوا...
فيروز ضحكت بصوت واطي وموجع، ضحكة كلها مرار الشرع والدين؟! والنبي حلوة دي! هو الشرع والدين افتكرتهم دلوقتي بس لما جت سيرتي أنا؟! الشرع والدين ما قالوش إن الراجل يرمي شقى سنين أمه في حجر أخته، ويسيب مراته تصرف على بيته وهو شغال صبي نقاش وعتال بوابين لأخته اللي قاعدة تحط رجل على رجل وتتآمر؟! الشرع والدين يا أشرف بيقول إنك ملزم تكفيني وتصرف عليا مش تشحت مني فلوس جمعيتي عشان تبلط لشقيقتك؟! ده اللي عندي، والكلمة اللي تخرج من بوقي سيف على رقبتي. عايز تاخد إجازتك وتشتغل مع نيرمين؟ ورينا شطارتك ورجولتك من غير قرش صاغ من جيبي.
سابت أشرف واقف في الصالة مبلول من الصدمة، ودخلت أوضتها، قفلت الباب بالمفتاح، ومن جوة سمعت صوت رزع باب الشقة العمومي، وعرفت إنه نزل يجري على تحت، للشقة اللي في الدور التاني، يشتكي للست نيرمين، مستشارته العسكرية والمحرك الأساسي لكل مصيبة في حياته.
نزلت نيرمين في صالة شقتها المفروشة نص فرش، الشقة الكبيرة اللي مساحتها داخلة في ميتين متر في موقع حيوي في الدقي، ورثتها بالكامل بعد ما لعبت على عواطف أمها قبل ما تموت، وأقنعتها إنها بنت غلبانة وما لهاش راجل يسترها لو الدنيا دارت بيها، في حين إن أشرف ربنا فاتحها عليه ومراته وارثة شقة وحيلتها قرشين في البنك.
نيرمين كانت قاعدة على كنبة قديمة، لابسة عباية بيتي واسعة، وماسكة كشكول سلك وقلم جاف، بتسجل في لستة المتطلبات عشرين شيكارة أسمنت أسيوط... 15 متر رمل ناعم... مواسير تلاتة بوصة للشرفة... صنايعي جبس بورد للصالة.... أول ما أشرف دخل ورزع الباب وهو بينهج ووشه جايب مية، رفعت راسها ونفخت دخان سيجارة خفية كانت شرباها بعيد عن الشباك مالك يا أشرف؟ داخل عليا كأنك شايف عفريت ليه؟ فكيت الخلاط ولا لسه؟ وقولت لمراتك على فكة الجمعية؟
أشرف رمى المفاتيح على الترابيزة وقعد على كرسي مكسور، حط راسه بين إيديه قفلتها في وشي يا نيرمين. حلفت بالطلاق تلاتة ما في مليم طالع من جيبها، وقالت لي لو واخد إجازة بدون مرتب، تدفع تمن أكلك وشربك وفواتيرك في شقتها، وإلا تاكل وتشرب هنا!
نيرمين رمت الكشكول على الترابيزة وقامت وقفت، ملامحها اتغيرت وظهرت الشراسة الحقيقية اللي بتخبيها ورا قناع الأخت الحنينة الغلبانة نعم يا روح أمك؟! يعني إيه ما تدفعش؟! هو انت مش راجل البيت ده والكلمة كلمتك ولا إيه يا أشرف؟ إنت نسيت إنك راجل وليك هيبة؟! يعني الولية الغريبة دي تتحكم فيك وفي فلوسك وقراراتك وتلوي دراعك بلقمة عيشك؟!
أشرف اتلجلج يا نيرمين، الست معاها حق في نقطة، الفلوس فلوسها وهي حرة فيها... حق مين والناس نايمين! صرخت نيرمين وهي بتضرب كف على كف حق إيه يا دلدول؟! دي قاعدة في ملك أبوها وبتقبض بالدولار من المستشفى الخاصة دي وبتبخل عليك وعلى أختك! اسمع بقى عشان نحط النقط على الحروف... إنت قدمت الإجازة في الشغل ولا لسه بتفكر؟ قدمت الورق الصبح للمدير، وبدأت الإجازة من يوم السبت الجاي رسمي لمدة شهرين.
نيرمين ابتسمت ابتسامة صفرا فيها كل أنواع الخبث حلو أوي، خلاص، رجوع في ده ما فيش، الإجازة تمشي وتنفذها. أما الست فيروز، فدي عايزة تتربى، سيبها تنشف دماغها يومين، ما تطلبش منها ولا مليم، ولا تمد إيدك لحاجة في تلاجتها. إنت تاكل وتشرب معايا هنا، وأنا هدبر لك القرشين من تحت الأرض. عندي دهب كنت شايلاه على جنب، هفكه عند الصايغ، وأهو كرامتك فوق كل شيء. بس في المقابل يا أشرف، عايزة الشقة دي تخلص في شهر ونص مش شهرين، فاهم؟ عايزة السيراميك يتفرش في الصالة وأوض النوم، وتعمل لي سباكة الحمامين زي الكتاب ما بيقول، عشان السمسار باعت لي زبون خليجي عايز يأجرها مفروش بألفين دولار في الشهر، والقرش اللي هيطلع، ليك نصيب فيه طبعاً، مش أنا أختك وسندك؟
أشرف لمعت في دماغه أحلام الفلوس السهلة والجدعنة بجد يا نيرمين؟ هتديني نسبة من الإيجار؟ نيرمين طبطبت على كتفه بحنية مصطنعة عيب عليك يا واد، هو أنا عندي أغلى منك؟ ده إنت عينيا الاتنين. بس شد حيلك معايا، وبكرة الصبح من النجمة تكون هنا، هنزل أنا وإنت سوق السبتية نجيب كابلات الكهربا ومفاتيح الأوتوماتيك وندور على أرخص أسمنت في الوراق. وسيبك من فيروز، بكرة لما تلاقيك مش سائل فيها وبتدخل وتخرج بكيفك، هتيجي تبوس إيدك وتديك الجمعية فوق البيعة، النسوان دي ما بتجيش غير بالعين الحمرا والتطنيش.
أشرف مشي ورا كلام أخته، وفي دماغه إنه كده بيلعب لعبة الكبار، وإنه هيرجع لفيروز وهو رافع راسه ومعاه قرشين يكسر بيهم عينها. ما كانش يعرف إن نيرمين ما بتديش لله وللوطن، وإن الدهب اللي بتقول عليه ما هو إلا غويشة صغننة كانت شارياها من زمان، والباقي كله هيطلع من تحت ضرس أشرف نفسه!
يوم السبت، مع خيوط الفجر الأولى، فيروز قامت من نومها نشيطة، لبست سكراب التمريض الأزرق المكوي على الفرازة، حطت البرفان بتاعها الهادي، وجهزت شنطتها. خرجت الصالة لقت أشرف نايم على الكنبة بهدوم الشغل العفشة، بنطلون جينز مقطع من الركب وتيشيرت أبيض قديم عليه بقع بوية من أيام جوازهم. صحي على صوت قفلة باب الأوضة، بص لها بنص عين وحاول يظهر القوة واللامبالاة صباح الخير يا هانم. فيروز بصت له ببرود صباح النور. الفطار في التلاجة يخصني، الجبنة والبيض والعيش الفينو ده أنا اللي شرياه بفلوسي امبارح، في كيس عيش بلدي بايت في الفريزر من الأسبوع اللي فات وشوية فول من العشا، لو جعان سخنهم. سلام عشان عندي شفت اتناشر ساعة في المستشفى.
خرجت وقفلت الباب وراها بهدوء حارق، سابته بيغلي في مكانه. أشرف نفخ بغيظ، وقام داس على كرامته وما فتحش التلاجة، لبس كوتشيه ونزل يجري على شقة نيرمين، وهو متخيل إنه هيلاقي بوفيه مفتوح، فطار معتبر من إيد أخته اللي بيضحي عشانها. خبط على الباب، فتحت له نيرمين وهي لابسة إسدال الصلاة وماسكة كباية شاي بلبن في إيدها إيه يا أشرف؟ اتأخرت ليه؟ إحنا ورانا ميت مشوار، ياللا عشان ننزل نجيب خامات السباكة من بين السرايات. صباح الخير يا نيرمين، ما فيش لقمة ناكلها الأول ولا كباية شاي تفوقني؟ أنا نازل من فوق على لحم بطني عشان أوريكي إن كرامتي فوق كل شيء وما مدتش إيدي على أكل مراتك. نيرمين اتلوت شفايفها بضيق مكتوم يا خويا الوقت بيجري، إحنا نفطر في السكة عند عم فوزي بتاع الفول على أول الشارع، ساندوتشين طعمية وكباية شاي على الواقف يمشوا الحال، مش وقت قعدة وتضييع وقت ومصاريف، كل مليم إحنا أولى بيه للشقة. يلا بسرعة عشان العربية النصف نقل اللي متفقين معاها هتوصل تحت البيت كمان ساعة!
هنا بدأت ملامح الصفقة الخاسرة تبان لأشرف، بس كان كبريائه العقيم بيمنعه إنه يعترف لنفسه إنه اتدبس. نزلوا الشارع، دفع هو من جيبه تمن الساندوتشين والشاي لنفسه ولأخته لأنها نسيت المحفظة فوق في الشقة ومكسلة تطلع تجيبها، وبدأت رحلة العذاب اليومي.
على مدار أسبوعين كاملين، اتحول أشرف من موظف محترم بدبلوم تجارة شغال في قسم الحسابات لشركة توكيلات تجارية، بيقعد في التكييف وبيلبس قميص وبنطلون مكويين، إلى عتال وبنا ونقاش تحت إمرة نيرمين. كان يصحى من 6 الصبح، يشيل شكاير الرمل والأسمنت على ضهره ويطلع بيها الدور التاني عشان توفير يومية الشيالين اللي بياخدوا خمسمية جنيه في الطلعة. إيديه اتشققت من مية الجير والأسمنت، ضهره انحنى من كتر شيل مواسير الحديد، ورجليه اتملت كدمات وجروح من تكسير السيراميك القديم بالشاكوش والأجنة.
ونيرمين؟ نيرمين كانت قاعدة في التكييف في أوضة النوم اللي ما اتهدتش، ماسكة موبايلها، بتتفرج على تيك توك، وتطلع كل نص ساعة تزعق إيه يا أشرف؟ هو إنت بتشتغل بالتصوير البطيء كده ليه؟! بقالك تلات ساعات بتكسر في وزرة الحمام؟! الصنايعي اللي تحت في الشارع بيخلص أوضة في ساعة! شد حيلك يا خويا، إحنا داخلين على نص الشهر وما خلصناش غير المحارة، كده السمسار هيطير الزبون من إيدينا! أشرف كان بيمسح العرق من على وشه بكتف التيشيرت المغبر، وعينيه بتبص لأخته بذهول يا نيرمين ارحميني، ضهري مقسوم نصين، أنا محاسب مش فواعلية! وبعدين إنتي قلتي هتجيبي نقاش يدهن المعجون، لقيتك جايبة الباستلات وبتقولي لي ادهن إنت! وفيها إيه يا خويا؟! هو المعجون صنعة؟ ده حتة سكينة وبتسحب بيها على الحيطة! هتدفع للنقاش ألفين تلاتة ليه وإنت قاعد في إجازة ما وراكش حاجة؟! ولا إنت شاطر بس تنام في التكييف عند فيروز؟!
فيروز من ناحيتها، كانت بتراقب المشهد كله من بعيد ببرود جراحي. كانت كل يوم ترجع من المستشفى، تاخد شاور دافي بمية خلاطها الإيطالي اللي نيرمين كانت عايزة تسرقه، تقعد في صالتها النضيفة، تطلب أكل دليفري محترم بيتزا، كباب، أو فراخ مشوية وتاكل وتتفرج على التلفزيون. ولما يدخل أشرف، مهدود، ريحته أسمنت وتراب، وعينيه بتدور على أي لقمة، تبتسم له ابتسامة مؤدبة وتقول نورت يا أشرف. تعبان باين عليك؟ معلش، كله يهون عشان الدم واللحم. التلاجة فيها أكل بس معلش يا حبيبي ده جايباه بدليفري من فلوس نبطشية الطوارئ، لو جعان، انزل اتعشى عند أختك، مش هي مشغلاكي عندها ولا إيه؟
أشرف كان بيقعد
تم نسخ الرابط